انهيار التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن
خريطة السيطرة على اليمن
تصعيد ميداني واسع في الساحل الغربي.. سقوط حيس والخوخة وتقدم الحوثيين نحو المخا
شهدت جبهات الساحل الغربي لليمن، مساء الأربعاء وحتى فجر الخميس، انهياراً عسكرياً متسارعاً في صفوف القوات الموالية للتحالف الذي تقوده السعودية، بعد سلسلة انسحابات متتالية من محافظة الحديدة مهّدت لتقدم قوات صنعاء (الحوثيين) نحو مدينة المخا الاستراتيجية المطلة على مضيق باب المندب.
تغيّر هدف الحرب المعلن خلال 24 ساعة، فانتقل مركز ثقل العمليات من الساحل الغربي إلى المحور الشرقي الشمالي. إذ أعلن نائب وزير دفاع حكومة "الشرعية" اللواء سمير الصبري أن "القرار اتُخذ باستعادة صنعاء"، وتبعه تحذير الناطق ماجد النزيلي للمدنيين من سلوك الطرق المؤدية إلى العاصمة عبر نهم وصرواح ومجزر والحزم، والتحذير في قراءته العسكرية يعني إعلان نية عزل هذه المحاور بالنيران، قبل أي اقتراب بري منها.
سقوط معسكر خالد بن الوليد ومفرق المخا
أفادت مصادر ميدانية بالساحل الغربي أن السيطرة على معسكر خالد ومفرق المخا مكّنت قوات صنعاء من التقدم الميداني المتسارع باتجاه مدينة المخا الساحلية، ما أدى إلى كسر الخطوط الدفاعية للقوات المدعومة سعودياً وتشتيت محاور تحشدها. وبحسب المصدر ذاته، اضطرت هذه القوات إلى مغادرة مواقعها بمديرية حيس تجنباً للوقوع في مصيدة التطويق الشامل.
وكشفت مصادر صينية رسمية، نقلاً عن صور أقمار صناعية تابعة لموقع "الصين بالعربية" التابع لوزارة الخارجية الصينية، أن قوات صنعاء باتت على بعد أقل من 18 كيلومتراً من وسط مدينة المخا، فيما تحدثت تقارير محلية عن مواجهات دارت في مفرق المخا ومعسكر خالد بن الوليد وفي محيط جبل النار، الذي وُصف بأنه من آخر المناطق الحصينة على أطراف المدينة.
حيس تسقط بالكامل.. وعفو رئاسي من صنعاء
في تطور لافت، أصدر رئيس "المجلس السياسي الأعلى" في صنعاء، مهدي المشاط، عفواً رئاسياً عن جميع "المخدوعين" في جبهات الساحل الغربي ممن يلقون سلاحهم ويعودون إلى صف الوطن، ووجّه بحسب البيان السلطات المحلية في محافظتي الحديدة وتعز باتخاذ الترتيبات اللازمة لتنفيذ قرار العفو. وباشرت السلطات المحلية في الحديدة بالفعل خطوات تنفيذ هذه الترتيبات عقب إعلان السيطرة الكاملة على مديرية حيس.

ويأتي القرار عقب ما وصفته مصادر ميدانية بأنه انسحاب لقوات "العمالقة" المدعومة سعودياً من مديريتي حيس والجراحي جنوبي الحديدة، على وقع ضربات وتقدمات قوات صنعاء في عدة محاور بجبهات الساحل الغربي. كما تحدثت مصادر عن توجيهات صدرت لقيادة قوات "درع الوطن" المدعومة سعودياً بالانسحاب من كافة جبهات الساحل الغربي.
في الجوف، ترجم ذلك بالسيطرة على أجزاء من معسكر اللبنات، وهو قاعدة خلفية للجماعة تضم مخازن سلاح وإمداد، ثم تحرير قسم من منطقة اليتمة في مديرية خب والشعف الثلاثاء بمساندة قبلية. تكمن القيمة العملياتية للمحافظة في أنها تحاذي الحدود السعودية وتفتح باتجاه صعدة، معقل الحوثيين الأول، وتتقاطع فيها طرق مأرب شرقاً والحديدة غرباً، فالسيطرة عليها تفصل جبهات الشمال عن بعضها. وقد ردّ الحوثيون بقصف أرتال التعزيزات بصواريخ باليستية وإعلان صد التقدم نحو جبال اللبنات، وهو انتقال من الدفاع عن الأرض إلى استنزاف حركة أرتال "الشرعية"، أي ضرب الحشد قبل وصوله إلى خط التماس. وفي محافظة البيضاء بلغت قوات "الشرعية" مشارف ذي ناعم بعد الزاهر، التي تتصل بثماني محافظات شمالاً وجنوباً، ما يجعلها عقدة تنقّل قوات الحوثي الاحتياطية بين المسرحين.
وفي تعز استمر القصف الباليستي على المدينة بستة صواريخ، مع معارك في الوازعية وغارات حكومية غرب المحافظة، ما يعني بقاء الجبهة الأصلية مشتعلة وعجز القيادة الحكومية عن تخفيف قواتها فيها لصالح المحور الشرقي.
بمساحة تقارب دولة مالطا
يصف خبراء عسكريون حجم التراجع الميداني للقوات المناهضة للحوثيين خلال الساعات الماضية بأنه غير مسبوق من حيث السرعة، إذ انسحبت القوات المدعومة سعودياً من مساحة تقارب دولة مالطا خلال 96 ساعة فقط — وهي مساحة تُقدَّر بنحو 316 كيلومتراً مربعاً، وهو ما يتقاطع مع تقديرات ميدانية سابقة تحدثت عن فقدان قرابة 300 كيلومتر مربع من الساحل الغربي في الفترة ذاتها. ووفق مصادر ميدانية، فإن جبهات الساحل الغربي شهدت انهيارات وانسحابات واسعة وسط تقدم مستمر لقوات صنعاء التي سيطرت على كافة المواقع المطلة على المخا، إلى جانب مدينتي حيس والخوخة.
غارات سعودية مكثفة وسط تصعيد متبادل
ترافقت هذه التطورات البرية مع تصعيد جوي لافت؛ إذ أوردت مصادر إخبارية يمنية عاجلة أن الطيران السعودي شنّ 70 غارة على محافظات تعز والجوف ومأرب والحديدة وصعدة والبيضاء خلال الساعات الأخيرة. وفي مؤشر آخر على حدة التصعيد، ذكرت تقارير أن صفارات الإنذار دوّت مجدداً مساء الأربعاء جنوبي السعودية للمرة الثانية منذ الصباح، في وقت واصلت فيه القوات اليمنية الحكومية توسيع عملياتها على جبهات أخرى، إذ أحرزت تقدماً ميدانياً شرق مدينة الحزم في محافظة الجوف وقطعت خطوط إمداد حوثية باتجاه الجبهات الشرقية، بالتزامن مع إطلاق عملية واسعة جنوب مأرب واشتداد المواجهات في جنوب تعز والساحل الغربي. (عاجل | وكالة سبأ: الرئيس المشاط يصدر عفوا رئاسيا عن كل المخدوعين بجبهات الساحل الغربي لمن ألقى سلاحه وعاد إلى رشده – وكالة الصحافة اليمنية +2)
أما أهم مؤشر عسكري في هذه الضربة فهو إدراج قاعدة خميس مشيط ضمن بنك الأهداف، فالقاعدة أحد مصادر الإسناد الجوي الذي أتاح للقوات الحكومية تفكيك الخطوط الداخلية للجماعة، ومحاولة إسكاتها تعني أن الحوثيين يقاتلون الطيران في قواعده، بعدما عجزوا عن منعه فوق الجبهات. وهذا هو جوهر تكتيكهم الدائم، خسارة مساحات في الجوف والبيضاء وحيس والكدحة، وتعويضها بنيران بعيدة المدى في ميدان يمتلكون فيه أفضلية المدى الصاروخي، ما ينقل كلفة الحرب من ميدان يخسرونه إلى آخر يوجعون فيه.
خسائر بشرية وانقسامات في صفوف القوى الموالية للتحالف
كشفت مصادر محلية عن حجم الخسائر المتصاعدة في صفوف القوات المناهضة للحوثيين، حيث أُصيب رئيس أركان الفرقة الثانية بقوات "العمالقة" في جبهة حيس عقب انسحاب إحدى الكتائب من الخوخة. كما تحدثت التقارير عن اشتباكات نشبت بين قوات "العمالقة" وقوات طارق صالح في الوازعية، على خلفية اتهامات متبادلة بالتقصير والفرار من جبهة الكدحة غربي تعز، فيما أشارت تقارير أخرى إلى سقوط لواء لـ"حراس الجمهورية" وأسر 300 جندي في إنزال خاطف لقوات صنعاء بمنطقة البرح.
تحذير من المعلومات المضللة
في المقابل، من الضروري التنبيه إلى أن هذا التصعيد الميداني رافقته موجة من التضليل الإعلامي؛ إذ تداولت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعمت أنه يوثق تقدماً حوثياً متسارعاً باتجاه مضيق باب المندب، لكن تحققاً أجرته "CNN بالعربية" أثبت أن مشاهد الفيديو قديمة تعود إلى عملية عسكرية حوثية نُشرت في تشرين الأول/أكتوبر 2021 ولا صلة لها بالتصعيد الحالي. كما فنّدت جهات تحقق مستقلة ادعاءً آخر بشأن انسحاب مزعوم لقوات "العمالقة" من تعز، موضحة أن الوقائع الفعلية كانت تتعلق بسيطرة هذه القوات على مرتفعات في منطقة دباس شمال شرقي حيس وليس انسحاباً منها.
أخطر تطور حدث ظهر الثلاثاء، حين نفّذ الحوثيون ما وصفه يحيى سريع بـ "عملية واسعة" بعشرات الصواريخ الباليستية والمسيّرات على أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، مستهدفين منشآت طاقة تابعة لأرامكو وقاعدة خميس مشيط الجوية. بعدها، أعلن العميد تركي المالكي، المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، إصابة 73 شخصاً، فيما أكدت وزارة الطاقة السعودية اندلاع حرائق في منشآت نفطية جنوب المملكة، منها مصفاة جازان، بطاقة 400 ألف برميل يومياً. ثم جاء الرد بغارات على مأرب وتعز والجوف والبيضاء، امتدت إلى القبيطة في لحج وإلى كتاف والبقع في صعدة.
دلالات استراتيجية
يرى مراقبون أن السيطرة الكاملة المحتملة على محافظة الحديدة، واقتراب قوات صنعاء من مدينة المخا، يضعان مضيق باب المندب — أحد أهم الممرات الملاحية في العالم — في قلب معادلة الصراع اليمني من جديد، وسط تحذيرات من أن أي تمدد إضافي للحوثيين على طول الشريط الساحلي قد يعيد رسم موازين النفوذ الإقليمي في جنوب البحر الأحمر.
الوضع الميداني في تطور مستمر، وستقوم "نقاش الإخباري" بتحديث هذا التقرير كلما وردت معلومات موثقة جديدة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك