حكايات ليلى حسين .. الجزء 12
تواصل ليلى حكايتها المريرة والأسى يظهر على ملامحها ، حتى في حركات جسدها ، إذ ظهر عليها توتر واضح ورجفة ملحوظة مما جعلني أترقب جزءاً عسيراً من تلك الحكاية ، بل وحدثاً جللاً يصعب على سيدة يافعة بعمرها تحمله ....
صمتت قليلاً تحاول استجماع قوتها لتروي الجزء الأصعب من حكايتها والفصل الأخير من رحلة العذاب الأولى في حكايتها ....
تحدثت وهي تنظر للبعيد وكأنها تعيش مشهداً صعب أن يفارقها برغم مرور السنين ، وإعتدلت في جلستها قائلة : وصلت إلى البيت بعد عودتي من زيارة والدتي في ما يقارب الساعة الخامسة مساءً ، وقد أخذ الظلام يخيم ، إذ تغيب الشمس مبكرة في شهر فبراير القاسي ، دخلت ففوجئت بإبني الكبير يحدث أبيه ويسأل ( بدك اشي يابا قبل ما اروح ) فرد عليه بهدوء تام: لا الله يرضى عليك ويوفقك دير بالك على إخوانك وكانت الدموع تنهمر من عينيه ، وسط دهشتي وإستغرابي ....
غادر الولد المنزل إذ كان مجيئه فقط لأخذ هويته الشخصية التي طلبت منه للتوثيق في العمل ،وكان قد عمل فترة وجيزة في محل لصنع الحلويات الشامية ، قريباً من مسكن ذلك الخال الذي لم يكن أرحم به من والده ، سألته هل تناول طعام الغداء أجابني نعم
فلقد قامت البنت بإعداد طبق البندورة باللحم والذي كان يفضله كثيراً وقد أكلت أكثر مما يجب ، واصل حديثه وهو ينظر لي وكأنه يراني لأول مرة ، زادت دهشتي لتلك النظرات ، رأيت نظرة في عينه لم أراها في حياتي أبدا ، شعرت بالحب في تلك النظرة للمرة الأولى في حياتي ، حتى شعرت وكأنه يحتضني بتلك النظرات ... لم أعر أي أي إهتمام لذلك الإحساس فهناك الكثير لأقوم بعمله وغداّ، أول يوم دراسي بعد شهر الإجازة الشتوية ، يجب أن أطمأن أن الدواء معد لفترة معقولة ، إذ كنت أعبئه بقراطيس معدة من دفاتر قديمة لا يستخدمها الاولاد ، كنت أضعها في علبة حلوى فارغة وأرقمها ، ليتناول دوائه بنفسه عندما أنشغل أنا ولا أجد وقتاً لإعطائه إياه ولكي لا يتأخر عن وقت تناوله اثناء تغيبي عن البيت .
ويتوجب أيضاً ان أتفقد حاجيات الأولاد اللازمة للمدرسة ، حقائبهم قرطاسيتهم وملابسهم .
إعطائهم مصروفهم اليومي وكنت أغادر مبكرة إلى الدوام ولا يوجد لدي وقت في الصباح لأتابع كل ذلك ...
قمت بإعداد ملابسي التي سأرتديها في الغد وكنت أحضرها في المساء ، وكان أيضاً المجال لا يتسع لإعدادها صباحاً خاصة والبرد شديد ويتحتم إرتداء الكثير من الملابس ، وحتى الحذاء كنت أعده في المساء إذ يتوجب أن أرتدي حذاءً شتوياً يمنع البرد عن قدمي أثناء العمل والذي يتطلب العمل الكثير في الماء ...
مر الوقت سريعاً مع بعض الترتيبات في المنزل أيضاً وقد حان الوقت ليأوي كل منا إلى فراشه ، وكنت فعلاً مجهدة لدرجة لا ادري كيف خلدت إلى نومي سريعاً واتجه الأبناء كل إلى فراشه إلا الإبن الوسطاني ، والذي كان يتحتم عليه أن يمضي الجزء الاول من الليل بمراقبة أبيه ، والذي كنا نخشى جدا عليه من السجائر التي يصر على إشعالها والمدفأة التي يقترب منها جداً وهو لا يشعر أبداً
وكنا في ذلك الشهر أشد خشية وقد أصبحنا نلاحظ أموراً غريبة تظهر عليه بعد منتصف الليل ، يغيب عن الوجود لفترات بسيطة ، ينادي بأسماء بعضها نعرفه والبعض الاخر لا نعرفه ، يتحدث بجمل غير مفهومة ، كانت هذه لحظات نزاع وأنا لا أدري ، لم أدرك أن هذا ما يسمى النزاع ، إذ كانت هذه لحظات بسيطة ، ويعود بعد ذلك لطبيعته ....
كانت الساعة قد إقتربت من الثالثة فجراً وأنا أغط في نوم عميق ، وقد أيقظني صوت إبني وهو يقول :
(الفيلم بلش إصحي شوفي وإسمعي ، وانا لازم أروح ادرس شوي ) .
إذ كانت إمتحانات الثانوية الفصلية قد إقتربت ولم يتبق عليها غير أيام ... قلت له إذهب وأنا بين اليقظة والنوم ، مرهقةً جداً أرغب أن لا أستفيق أبدا ، أسندت ظهري للحائط لكيلا أعود للنوم ويحدث ما كنت أخشاه ...
كان مستيقظاًجداً ، ولا يبدو عليه النعاس أبداً ، ولأنه يمضي ساعات طويلة في النوم في الصباح فلا ينام مبكراً ليلاً ، طلب مني بعض شرائح البسكوت والشكولاتة التي كنت أضعها بجانبه في أدراج كومودينو صغير ، وبعض الأكياس من الفستق والمكسرات ، ليتسلى ويأكل منها حال غيابنا عن المنزل ، ناولته ما أراد وكان النوم يغلبني ، لأغفو لحظات وأستفيق مذعورة خشية ان أستغرق بالنوم ...
أشعل السيجارة الأولى ، وأخذ ينظر إلى دخانها المتصاعد إلى أن إنتهت ، بعد ذلك أزال كل الوسائد التي كنت أضعها لإسناد جسده لتساعده على النوم جالساً ، وسط إستغرابي لكن دون أن أتفوه بأي كلمة او سؤال ....
مدد جسده على السرير على غير عادته في تلك الفترة ، ثم أشعل سيجارة أخرى ، عندها صحت فجأة موجهة كلامي له بنبرة حادة : أقسم بالله إلا تحرق البيت انت ما بتدخن ليه بتولع السجاير ؟؟
لم يرد على كلامي ولا بكلمة وظل صامتاً يستمع بإنصات غريب ، لذلك المقطع من أغنية عبد الحليم حافظ حاول تفتكرني ( سافر من غير وداع ) وكان مقطعاً يقطع القلب في ذلك الليل البارد ، وذلك البيت المعتم ، الذي إسودت جدرانه جراء البرودة والعفونة الدائمة ، إذ لا مجال لصيانة أو تجديد ، أو تبييض ....
أسندت ظهري للحائط ، ولا أدري ما الذي أجرى تلك الفكرة في رأسي وكان تساؤل بيني وبين نفسي ، لو مات هذا الرجل الليلة كيف سأتدبر أمري ومن أين سآتي بتكاليف دفنه وبيت العزاء وانا لا املك إلا إجرة الذهاب إلى عملي غداً؟؟
ضحكت من الفكرة وقلت لنفسي إنه بحال جيد ما الذي يدعوني لهذا التفكير ....
إنقطع تفكيري بتلك الفكرة بعد أن تسلل إلى أنفي رائحة حريق ، فثمة شيء يحترق ببطيء ، قمت مسرعة لأتفقد كل شبر في الغرفة ، دون طائل لا شيء هناك ، وبعد جهد جهيد عثرت على عقب السيجارة في ثنايا ملابسه وكان يرتدي كماً من الملابس ، ولستر الله أن تلك الملابس قطنية لا تشتعل بسرع ، صحت غاضبة ، ألم أقل لك أنك ستحرق البيت يوماً، وأخذت أهمهم بالتهليل والتكبير إذ كان الوقت متأخراً جدا والسكون يعم المكان ولا أود أن يستقيظ الاولاد والجيران من صوتي .
يتبع .....
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك