من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

(طلاسم فوضوية)

بقلم - رشا فؤاد العزب
(طلاسم فوضوية)




اعتادت شمس الجلوس ليلًا بجانب النافذة لتستمتع بلحظة هدوء وهي تداعب القمر بدلال أنثوي ظامئ . تحتسي قهوتها بتأنٍ.

كل رشفة تنحت على جدار فنجانها طلسمًا من أطلال الذكريات.

كانت أسعدُ لياليها عندما يكون القمر بدرًا؛ فتمعِنُ النظر إليه، تراقصه، وتناغشه بشغفٍ ونهم العُشاق. 

ما إن ليلة يخسف فيها القمر، حتى بدأت رشفاتها تنقش طلاسم سوداء فوضوية غامضة،

فكلما رأت القمر بلونه الدموي، شعرت بحالةٍ من القلق لم تكن تعلم لها سببًا.


قررت الخروج من عزلتها فعملت في إحدى الشركات.  

عامر هو صاحب الشركة، يديرها بحسم. أُعجب بها وقدم لها الدعم والتوجيه.  

أما حاتم فهو أحد أبرز عملاء الشركة، زعم أنه يتولى أحد المناصب الهامة. يمتاز بالذكاء الحاد ولباقة الحديث، ملابسه مهندمة، يتميز بملامح رجولية حادة:  

أنفه المستقيم، عيونه السوداء اللامعة، وشعره الأسود الذي تخالطه خصلاتٌ من الشيب الفضي على الجانبين.  

دائمًا ما يضيف إلى ياقة وأساور قميصه بعض الإكسسوارات العتيقة التي تضفي على إطلالته لمسةً كلاسيكيةً قديمة، توحي أنه خرج للتو من فيلمٍ إنجليزي قديم.  

لا شك أن شمس كانت مبهورةً بشخصيته وإيماءات وجهه التي توحي بالكبرياء.  

منذ أن لمح حاتم شمس وهو متيمٌ بها؛ فقد لفت نظره خصلاتُ شعرها الأسود، بشرتها الخمرية، نظرتها البريئة، وزينتها التي تميل إلى البساطة، كأنها امرأةٌ أتت من الزمن الجميل.  

كان يتجاذب معها أطراف الأحاديث حول العمل، ثم يتطرق بخبث إلى الأحاديث الخاصة حتى علم تفاصيل إنفصالها عن زوجها.

كانت شمس تشعر بقشعريرةٍ عندما ترى ساعته الفاخرة التي تومض بفصوص الألماس، ودبوس بدلته البلاتيني، وسبحته الياقوتية الحمراء التي تتوهج تحت الضوء فتتذكر لون القمر الدموي، فيمتلئ قلبها بالخوف والقلق.


صرح لها حاتم أنه منفصلٌ عن زوجته ويرغب في الارتباط بها.  

دون تردد وافق الأهل، على اعتبار أنه من عائلةٍ مرموقة بعد أن أخبرتهم بالكذب أنه من أقرباء مديرها.


رغم رُقي حديثه وهداياه الأنيقة، إلا أنها كانت تشعر بشيءٍ من القلق، فقد بدا لها شديد الغيرة والشك، يطلب منها باستمرار أن تُقسم له أنها لا تخفي عنه شيئًا من الماضي.

حتى سماعها لأغنية تعشقها صار دليلًا لخيانة لم تحدث.

استبد بها حتى أصبح يحدد لها ما تشاهده وما تسمعه. 

زاد قلقها مع ازدياد نظراته الحادة، وتكرار تحريكه لزر قميصه الأعلى بعصبيةٍ كأنه يختنق

وعندما طلبت منه أن يترك الزر مفتوحًا، ثار عليها دون مبرر. 

وتفاقم قلقها حين أهداها هاتفاً جديداً، فاكتشفت عند عرضه على مختصٍ لبرمجته أنه مقترنٌ بهاتفه للتجسس عليها، فبادرت بإبطال ذلك.

بالطبع علم حاتم بفعلتها فطلب مقابلتها،

حاول أن يرى هاتفها فرفضت ولم تواجهه، واكتفت بالنظر إليه باستياء.

ابتسم لها بخبثٍ، يريدها أن تدرك أنه لن ييأس.

لكنها اكتشفت أنه لا يزال يعلم كل تفاصيلها، إلى حد جعلها فاغرةً من الدهشة، كان يتنصت عليها في منزلها.  

فتَّشت بعناء، حتى وقع شكها على راديو أهداه لها. فألقته في الماء كي تبطل طلاسمه.

ثار حاتم واتصل بها:  

"ألا تخجلين من أفعالك التي تحاولين إخفاءها عني؟ سأجعلكِ تشعرين بالندم، فأنتِ امرأةٌ لا تؤتمن"  

مرضت شمس وقضت وقتها بين النوم والحيرة والبكاء،  

قررت الاستعانة بأحد أقاربها ليسأل عنه فقد تحيرت في أمره فماذا سيفعل بها عندما تصبح زوجته؟

هل سيزرع لها الكاميرات؟  

حدثت الصدمة الكبرى عندما علمت أنه لا عمل له، سيئ السمعة، وزوجته ما زالت في عصمته، وقد احتملت منه الخيانات والفضائح حتى أهملته.  

شعرت بدوارٍ شديد، كأن حجرًا ضخمًا اعتلى رأسها.  

"آه يا إلهي! كيف سأواجه من حولي بهذه المصيبة؟"  

ولكن قريبها أسقط هذا العناء عنها فأفشى السر وانتشر الخبر.  

قررت مواجهة حاتم بحقيقته المخزية، فطلبت مقابلته وأخبرته بكل ما اكتشفته عنه ثم قالت له:  

"حتى سيارتك التي أجلس فيها بجانبك لا تملكها. أنت مريضٌ بحب السلطة"  

صفعها على وجهها بقوة.  

حاولت الهروب، ولكنه أمسك بها ونهرها:  

"اعترفي، من أخبركِ بهذه المعلومات؟"  

دفعته بشراسة، فتحت باب السيارة، ألقت بنفسها على الأرض فأصيبت بجروحٍ عميقة.  

أدركت وهي تجري كم أخطأت.


وذات ليلةٍ قمريةٍ دموية، دق جرس الباب، ففوجئت به:  

"نعم يا حاتم بك، كيف تقف أمام باب منزلي في هذا الوقت المتأخر من الليل؟"  

دفعها بيده التي يمسك بها سبحته الياقوتية، اقتحم غرفتها وأخذ يفتش هاتفها ويدقق النظر في أغراضها الخاصة.  

اتجه إلى النافذة لعله يرى أحد الجيران يراقبها، وقال لها:  

"يا مستهترة، تتركين النافذة مفتوحة وأنتِ بملابس النوم، ورسائل الغرام التي على هاتفك من زوجك السابق!"  

أخذ يهز كتفيها وهي تبكي، فلم تشعر إلا وهي تضرب زجاج المرآة بيديها، فسال دمها على صدرها.  

توتر حاتم وحاول أن يضع المناشف الورقية على جرحها، لم تشعر إلا وهي تدفعه بيديها الملطخة بالدماء حتى باب المنزل وهو في حالةٍ من الذهول.  

أطبقت الباب خلفه بعنف وهي تردد:  

"لا أريد رؤية وجهك الماكر مرةً أخرى يا مخادع".  

جرت إلى النافذة، فتحتها، نظرت إلى القمر الدموي، كشفت له عن جرحها، ليرى لون دمها الذي يشبهه،

وترجته أن يخبرها عن سر ما يحدث لها. 

وضعت رأسها على حافة النافذة وأجهشت بالبكاء. لمحت حاتم يقف في عرض الشارع وينظر إليها بغضب. أغلقت النافذة بقوة، ثم ألقت بنفسها على مخدعها وهي في حالةٍ من التيه والهذيان.  

انتفض جسدها من الذعر عندما سمعت صرخةً مدويةً لإطار سيارة مسرعة على الطريق.

تجمدت وهي ترى قطرة من دَمِهَا تحفر على حافة فنجانها:

"لَستِ ضَحيَّة".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11055
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.