سقوط باب المندب.. لماذا تخلت واشنطن عن الرياض ؟
زلزال ميداني في الساحل الغربي اليمني.. كيف سقطت "المخا" في 48 ساعة وأُعيد رسم معادلة البحر الأحمر؟
سيطرة حوثية على 5400 كم² تضعهم على بُعد 80 كم من باب المندب.. وحراك عسكري وسياسي عاصف بين الرياض وإسلام آباد وواشنطن.
في واحدة من أسرع التحولات الميدانية دراماتيكية في المشهد اليمني، شهد شريط الساحل الغربي بين مساء الثلاثاء وصباح الخميس (10 سبتمبر 2026) انهياراً متسارعاً لخارطة نفوذ القوات الحكومية، أفضى إلى سيطرة جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) على مدينة المخا الاستراتيجية وجبل النار الذي يضم مقر قيادة المقاومة الوطنية، لتستعيد الجماعة زمام المبادرة الميدانية في منطقة تُعد من أهم الممرات البحرية عالمياً.
وأكدت مصادر حكومية يمنية لرويترز سيطرة الحوثيين على المدينة، بينما أعلن طارق صالح، قائد المقاومة الوطنية، إعادة ترتيب قواته وتشكيل مركز قيادة بديل في منطقة ذوباب جنوباً، مبرراً ما جرى بأنه "عملية إعادة تموضع تكتيكية لتفادي الحصار".
دراما السقوط: كيف تحولت المبادرة العسكرية؟
بدأت التحركات المتسارعة بسقوط مديريتي حيس والخوخة، قبل أن تندفع القوات الحوثية بنمط هجومي مكثف لتسيطر على معسكر خالد بن الوليد الاستراتيجي ومفرق المخا، وهما الشريان الحيوي المترابط الذي يربط المحافظات الساحلية بالداخل.
وبالسيطرة على هذه العقدة اللوجستية، وُضعت القوات الحكومية في موقف معقد بين خيارين لا ثالث لهما: الانسحاب الفوري أو الوقوع في الحصار التام، مما أدى لانسحابها السريع باتجاه ذوباب.
التشريح العسكري: خطأ التشتيت الاستراتيجي
وفق قراءة عسكرية لمجريات المواجهات، يعود الانهيار الميداني السريع إلى خلل هيكلي في إدارة العمليات من جانب القوات الحكومية "الشرعية":
تشتيت الاحتياطي النخبوي: فتحت القوات الحكومية ثمانية محاور قتال متزامنة بهدف تفكيك الخطوط الداخلية للحوثيين، مما أدى إلى استنزاف وتبديد القوة الضاربة التي تتشكل في أصلها من قوات نخبوية محدودة العدد.
غياب التنسيق والتغطية: بينما كانت أجزاء واسعة من قوات "العمالقة" تخوض مواجهات جبهوية في البيضاء والجوف، ركّز الحوثيون ثقلهم العسكري كاملاً على محور ساحلي واحد.
استغلال العمق المفتوح: اعتمد الهجوم الحوثي على ضرب خط إمداد وحيد للقوات الحكومية يفتقر إلى العمق الدفاعي، وبسقوط معسكر خالد ومفرق المخا، انقطعت شريان الحياة عن التشكيلات المرابطة في المدينة.
إعادة رسم الخارطة: 80 كيلومتراً عن باب المندب
بهذا التطور، بسط الحوثيون سيطرتهم على مساحة تُقدَّر بـ 5400 كيلومتر مربع في محافظتي تعز والحديدة، لينتهي شريط سيطرتهم على بعد نحو 80 كيلومتراً فقط من مضيق باب المندب، ولم تعد تفصلهم عن التماس المباشر مع المضيق سوى مديرية ذوباب.
تمنح هذه السيطرة الميدانية الجماعة عمقاً برياً استراتيجياً كانت تسعى إليه منذ يوليو الماضي لإسناد عملياتها البحرية. كما أصبحت الجماعة تفرض شروطاً لوجستية على حركة الملاحة في المنطقة، حيث أعلنت التزامها بضمان سلامة مرور السفن الدولية باستثناء السفن السعودية، مما يضع ثاني أهم مسار نفطي في العالم بعد مضيق هرمز تحت المراقبة المباشرة للقوات الموالية لطهران.
تحركات إقليمية ودولية عاجلة
أحدثت هذه التطورات الميدانية حالة من الاستنفار السياسي والعسكري على المستويين الإقليمي والدولي:
اجتماع الرياض السياسي-العسكري: كشفت وكالة رويترز عن اجتماع رفيع المستوى عقد في الرياض جمع مسؤولين سعوديين بممثلين عسكريين من باكستان وتوركيا، حيث تم الاتفاق على صياغة رد عسكري تقوده السعودية دون الانخراط في دخول بري مباشر إلى الأراضي اليمنية.
تفعيل الدفاع المشترك: أعلنت إسلام آباد أن استمرار الهجمات الحوثية قد يدفع نحو تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع المملكة العربية السعودية.
تحول في الموقف السعودي مع واشنطن:
كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي أن الرياض تقدمت بطلب رسمي لتنفيذ تدخل عسكري أمريكي مباشر، وهو ما يمثل تحولاً لافتاً مقارنة بموقفها في يوليو 2026 عندما أبلغت واشنطن بقدرتها على التعامل مع الملف اليمني بشكل منفرد. ويأتي هذا التحول على خلفية المخاوف المتصاعدة من تهديد الممرات البحرية والمصالح الحيوية للمملكة.
تحرك أممي: عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لمناقشة التداعيات المتسارعة في الساحل الغربي وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
تضع هذه التحولات المنطقة أمام مرحلة جديدة من التصعيد، وسط ترقب لما ستسفر عنه الاتصالات الجارية بين الرياض وواشنطن وعواصم القرار الدولي لإعادة رسم توازنات الردع في المضيق الحيوي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك