طلب سعودي وتحفظ باكستاني: أول اختبار حقيقي لـ"اتفاق مكة" في مواجهة الحوثيين
كشفت تقارير صحفية أن المملكة العربية السعودية طرحت على باكستان مسألة تقديم دعم عسكري في مواجهة الهجمات المتصاعدة التي يشنها الحوثيون على أراضيها، في أول اختبار عملي لـ"اتفاقية الدفاع المشترك" الثلاثية التي وقّعتها الرياض مع كل من إسلام آباد وأنقرة في مكة المكرمة مطلع أغسطس الماضي.
خلفية الاتفاق
وُقّعت الاتفاقية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة في 7 أغسطس، وتقوم على مبدأ يقضي بأن أي هجوم مسلح يستهدف أحد الأطراف الثلاثة يُعتبر هجومًا على الجميع. غير أن النص المُعلن لم يحدد بدقة طبيعة الالتزامات العسكرية المترتبة على ذلك، ولا ما إذا كانت المساعدة ستكون تلقائية، ولا شكل الاستجابة المتوقعة من الأطراف الأخرى.
وتأتي هذه الاتفاقية استكمالًا لعلاقة دفاعية تاريخية طويلة؛ إذ تشير مصادر متخصصة إلى أن العلاقات العسكرية بين الرياض وإسلام آباد وثيقة منذ الستينيات، حين نُشرت قوات باكستانية لأول مرة لحماية الحدود السعودية خلال نزاعات إقليمية سابقة، مع وجود دائم لقوات باكستانية داخل المملكة يقدَّر بنحو 1500 إلى 2000 جندي في أدوار تدريبية واستشارية وأمنية.
تصاعد الهجمات الحوثية
يأتي هذا التطور في ظل تصاعد لافت للهجمات الحوثية على الأراضي السعودية. ووفق تقارير من مطلع سبتمبر الجاري، فقد استهدفت الهجمات منشآت تابعة لشركة "أرامكو" ومطار خالد الملكي في مدينة خميس مشيط، ضمن سلسلة ضربات وُصفت بأنها فتحت "جبهة حرب ثانية" في الشرق الأوسط. وتعود جذور هذا التصعيد إلى انهيار الهدنة التي كانت سارية منذ عام 2022 في اليمن.
الموقف الباكستاني الرسمي
بحسب ما نقلته وكالة "رويترز"، فإن المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، سجاد حيدر خان، صرّح في إحاطة صحفية أسبوعية بأن "لا نقاش حاليًا" حول أي رد عسكري باكستاني في إطار اتفاق مكة ردًا على هجمات الحوثيين، مضيفًا أن إسلام آباد "ستتصرف بموجب الاتفاق عندما يحين الوقت". كما أوضحت الخارجية الباكستانية أن الاتفاق الثلاثي يظل "تحالفًا دفاعيًا" ولا توجد خطط حاليًا لتوسيع نطاقه.
من جهته، أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن بلاده ملتزمة بالاتفاق وستفي بتعهداتها إذا اقتضت الضرورة، مشددًا على أن الغرض من الاتفاقية هو "الدفاع المشترك والمساعدة الجماعية وليس العدوان".
بين البيان الرسمي والتحليلات المتداولة
تجدر الإشارة إلى أن الصياغة المتداولة في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تفيد بأن باكستان بررت رفضها بأن الاتفاق "لا يشمل الأوضاع القائمة مسبقًا" كالحرب الأهلية اليمنية، وأنه يقتصر على "الحروب الجديدة" وعلى مواجهة "الجهات الحكومية" دون "الجهات غير الحكومية"، لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في أي بيان رسمي باكستاني اطّلعت عليه "نقاش الإخباري" حتى لحظة كتابة هذا التقرير، بل جاءت في الأصل كتحليل نشره معلّق سياسي على منصة "إكس". أما الموقف الرسمي المُوثّق فيقتصر على تصريح المتحدث باسم الخارجية بعدم وجود نقاش حالي لرد عسكري، مع التلويح بإمكانية "التصرف" مستقبلًا دون تحديد شكل ذلك التصرف.
هذا التمييز مهم صحفيًا، إذ يوجد فارق بين "رفض رسمي معلن بمبررات قانونية محددة" وبين "تريّث دبلوماسي مصحوب بتفسيرات تحليلية غير رسمية" لأسباب قد تكون وراءه.
سابقة 2015
وليست هذه المرة الأولى التي تتحفظ فيها إسلام آباد على الانخراط العسكري في الملف اليمني؛ ففي عام 2015 حاولت الرياض إقناع باكستان بالانضمام إلى التحالف العربي ضد الحوثيين، إلا أن إسلام آباد رفضت آنذاك. وحينها صوّت البرلمان الباكستاني على قرار يدعو الحكومة إلى الحفاظ على الحياد والاضطلاع بدور وسيط دبلوماسي بدلًا من المشاركة العسكرية المباشرة، مع تأكيد التزام إسلام آباد بالدفاع عن "السيادة السعودية" دون الانخراط في القتال داخل اليمن نفسه.
حسابات إسلام آباد الراهنة
تشير تقارير حديثة إلى أن المسؤولين الباكستانيين ينظرون إلى التهديد الحوثي باعتباره يحمل مخاطر أكبر لجرّ إسلام آباد إلى صراع مباشر، مقارنة بالهجمات الإيرانية السابقة على البنية التحتية النفطية السعودية. كما تفيد مصادر بأن قوات باكستانية متمركزة بالفعل قرب الحدود السعودية مع اليمن، وهو ما يرفع من احتمالات التعرّض المباشر في حال اتساع رقعة القتال. ورغم ذلك، لم تُظهر إسلام آباد حتى الآن أي مؤشر على رغبتها في تحويل التزاماتها الدفاعية إلى دور فاعل ضد الحوثيين ميدانيًا.
أين تركيا من المعادلة؟
يُلاحظ محللون أن الرياض لم تتجه حتى الآن لطلب تدخل عسكري مباشر من تركيا، الطرف الثالث في اتفاق مكة، رغم أن أنقرة تمتلك أصولًا بحرية يمكن نشرها من قاعدتها في الصومال. ويُرجَّح أن يعود ذلك إلى تحفظ سعودي على منح تركيا موطئ قدم أكبر في مضيق باب المندب، تجنبًا لاستبدال نفوذ إيراني في اليمن بنفوذ تركي.
الأهمية الاستراتيجية للاختبار
يرى مراقبون أن الحاجة السعودية الفعلية لا تتمثل بالضرورة في نشر قوات تركية أو باكستانية على خطوط المواجهة في اليمن، بقدر ما تتمثل في تعزيز الدفاعات الجوية وأنظمة الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية ومنظومات مواجهة الطائرات المسيّرة والاستطلاع البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهي مجالات يمكن لكل من أنقرة وإسلام آباد الإسهام فيها دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
وبين إعلان النوايا الوارد في نص اتفاق مكة، والتردد العملي في تفعيله ميدانيًا، يبدو أن الأزمة الحالية ستكون بمثابة الاختبار الأول لمدى جدية هذا التحالف الثلاثي الوليد، ولحدود التزاماته الفعلية حين تتحول من العبارات الدبلوماسية إلى مواقف ميدانية ملموسة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك