من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

*الفصل الرابع* .. *موعد عند البحر*

بقلم - عادل التوني
*الفصل الرابع* .. *موعد عند البحر*


منذ ذلك اليوم، أصبحت الإسكندرية ترتبط في ذهني باسم واحد - ليديا.

----

نانسي:

وهل كنت تقيم بالإسكندرية وقتها أستاذ؟

- لا .. لكن القطار أصبح جزء من طقوسي. 

ولم يؤثر ذلك على ماأفعله هنا، أو هناك.

ولم أعد أرى شوارعها كما يراها الناس، بل كما كانت تصفها هي. 

كل شارع يحمل حكاية، وكل مبنى يخبئ ذكرى، وكل نسمة بحر تحمل شيئًا من روحها.

في صباح أحد الأيام، رن الهاتف.

كان صوتها مفعمًا بالحياة كعادته.

  - عندك برنامج النهارده؟

ابتسمت

- لو هتقولي نروح مكان جديد... يبقى لأ

ضحكت ضحكتها التي بدأت أحفظها 

  - خلاص، ألبس وتعالى قابلني عند كوبري ستانلي.

  - ستانلي؟

 - أيوه، وهتعرف ليه اخترته.

- وصلت قبل الموعد بعشر دقائق.

كان البحر هادئًا على غير عادته، والموج يتكسر برفق أسفل الكوبري، بينما تنعكس أشعة الشمس على سطح الماء كأنها شظايا من ذهب

بعد دقائق، رأيتها تقترب.

كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وقبعة من القش تخفي جزءًا من شعرها، بينما كانت تحمل في يدها حقيبة صغيرة.

لوّحت لي:

  - استنيت كتير؟

  - يعني- لسه واصل.

ابتسمت وهي تعرف أنني لا أقول الحقيقة.

 جدًا يا أستاذ - واضح

بدأنا نسير فوق الكوبري في هدوء.

كان النسيم يداعب خصلات شعرها، فتضطر بين لحظة وأخرى إلى إبعادها عن وجهها.

قالت وهي تستند إلى السور الحجري:

- أول مرة وقفت هنا كنت عندي عشر سنين.

  - مع بابا؟

هزت رأسها.

  - كان يقول لي إن البحر شبه الإنسان... ساعات هادي، وساعات غاضب، لكن عمره ما بيكذب. 

تأملت البحر للحظات.

ثم قلت:

  - يمكن علشان كده الناس بتحب تقعد قدامه.

نظرت إليّ مبتسمة.

- ويمكن علشان محدش يقدر يخبي مشاعره وهو قدام البحر.

نزلنا إلى الشاطئ.

كانت الرمال دافئة، والمصطافون ينتشرون في كل مكان، بينما يركض الأطفال خلف الأمواج بضحكات تملأ المكان بالحياة.


خلعت ليديا حذاءها، وحملته مع حقيبتها بيدٍ واحدة، ثم واصلت سيرها حافية القدمين فوق الرمل ثم استدارت نحوي وقالت:

  - يلا.

  - على فين؟

  - البحر.

  - لسه بدري.

  - البحر مش هايستني.

ثم أمسكت بيدي فجأة، وجذبتني معها قبل أن أتمكن من الاعتراض.

لامست المياه أقدامنا، فتراجعت خطوة.

أما هي، فضحكت بصوت عالٍ.

  - إيه ده؟ كنت فاكراك أشجع من كده.

قلت وأنا أبتسم: 

  - الشجاعة ملهاش علاقة بالميه.

أخذت ترش الماء نحوي 

وأنا بادلتها لن بقليل من الرش.

وخلال لحظات تحول الأمر إلى معركة صغيرة، نضحك ونركض.


تعبنا من الركض، فجلسنا على الرمال.

بدأت ترسم بأصبعها خطوطًا متشابكة.

راقبتها بصمت.

ثم سألتها:

- بترسمي إيه؟

- ابتسمت دون أن تنظر إليّ.

  - حلم.

- حد بيرسم حلم؟

  شكله عامل إزاي؟

رسمت بيتًا صغيرًا كـأنه يطل على البحر.

إلى جواره شجرة.

وشخصين يقفان أمام الباب.

قالت"

  - البيت ده في خيالي من وأنا صغيرة.

- وإيه حكاية الشخصين؟

ترددت لحظة.

قالت بخجل:

  - دول لسه مستنيين يكبروا.

نظرت إليها طويلًا.

كنت أفهم ما تريد قوله، لكنها كانت أجمل وهي لا تقوله.


مر بائع ذرة مشوية.

اشترينا "كوزين"، وجلسنا نأكل في صمت.

قالت فجأة:

  - سؤال:

  - اتفضلي.

  - إنت بتخاف؟

- من إيه؟

- من أي شيء؟

لكن لو بخاف الآن فعلا .. بخاف أخسر الناس اللي بحبهم.

- سكتت. 

ثم قالت بصوت يكاد يُسمعه قلبي:

  - وأنا بخاف ألاقيهم.

نظرت إليها باستغراب.

ابتسمت ابتسامة حزينة.

- لأن اللي بنحبه... ساعات بيبقى أصعب حاجة نحافظ عليها.

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها نبرة خوف حقيقية في صوتها.

ولم أفهم سببها.

لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن وراء هذه الكلمات حكاية لم تُروَ بعد.

بدأت الشمس تميل نحو الغروب.

تحولت السماء إلى لوحة من البرتقالي والأحمر، بينما صار البحر أكثر هدوءًا.

قالت وهي تراقب الأفق:

  - بتحب الغروب؟

قلت:

- أحبه أحيانًا.

ابتسمت.

  - وإيه اللي اتغير؟

- نظرت إليها.

  - بقيت بحب الشخص اللي بشوف معاه الغروب.

خفضت رأسها.

ظلت تبتسم دون أن تقول شيئًا.

كانت تلك الابتسامة أصدق من آلاف الكلمات.

قبل أن نغادر، انحنت ليديا والتقطت صدفة صغيرة من بين الرمال.

نظفتها بطرف فستانها، ثم وضعتها في يدي.

  - احتفظ بيها.

  - حاضر .. لكن ليه؟

  - ربما لو الأيام بعدتنا... تفتكر إن فيه يوم كان البحر شاهد عليه.

أغلقت أصابعي حول الصدفة.

عارفة نانسي:

لم أكن أعلم أنني بعد سنوات طويلة، سأفتح درج مكتبي، فأجدها ما زالت هناك

باهتة اللون.


لكنها ما زالت تحتفظ برائحة البحر. 

ورائحة ليديا....

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11081
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.