"الذهب.. سد النهضة.. بريكس: خريطة العلاقة المعقدة بين روسيا ومصر وإثيوبيا"
بوتين السيسي بريكس، العلاقات المصرية الروسية 2026
من نهب الذهب في السودان ومالي إلى التوتر حول سد النهضة.. تقرير يفكك حقيقة العلاقة بين موسكو والقاهرة وأديس أبابا، وموقع مصر في بريكس بين المكاسب والانتقادات.
ا
روسيا وأفريقيا: ملف الذهب وموازين النفوذ بين مصر وإثيوبيا وبريكس
تتقاطع في المشهد الأفريقي الراهن ثلاثة خيوط متشابكة تخص العلاقة الروسية بالقارة السمراء: نشاط موسكو في قطاع الذهب عبر شركات عسكرية خاصة، وموقفها المتأرجح من أزمة سد النهضة بين القاهرة وأديس أبابا، وتساؤلات حول جدوى انضمام مصر إلى مجموعة "بريكس". هذا التقرير يستعرض ما هو موثق من وقائع، مع تمييز واضح بين الحقائق المؤكدة والتحليلات والتقديرات المتداولة.
أولاً: ملف الذهب الروسي في أفريقيا
الوجود الروسي في قطاع التعدين الأفريقي ليس افتراضاً بل موضوع تحقيقات استقصائية متعددة. فقد كشف تحقيق استقصائي لشبكة CNN عن تواطؤ روسي مع القيادة العسكرية السودانية لتهريب كميات من الذهب تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، بما حرم دولة تعاني الفقر من عائداتها. وربطت تحقيقات لاحقة هذا النشاط بشركة "مروي غولد" التي دخلت للعمل في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية منذ عام 2017، ويُشاع ارتباطها بشركة إم-إنفست المملوكة لزعيم مجموعة فاغنر الراحل يفغيني بريغوجين، والتي فُرضت عليها عقوبات أمريكية.
وبحسب تقرير لمجلة "المجلة"، فإن شراكات التنقيب عن الذهب بين قوات الدعم السريع وفاغنر ساهمت على مدار سنوات في بناء احتياطيات كبيرة في البنك المركزي الروسي، وسُجّلت خلال عام 2021 وحده عشرات الرحلات الجوية لنقل الذهب من السودان عبر سوريا إلى روسيا.
هذا النموذج ليس محصوراً بالسودان؛ فبعد مقتل بريغوجين وتراجع "فاغنر"، أعادت وزارة الدفاع الروسية هيكلة وجودها العسكري في الساحل الأفريقي عبر تشكيل جديد يُعرف بـ"أفريكا كوربس" أو "فيلق أفريقيا"، وهو ما يمنح موسكو، بحسب محللين، إشرافاً مباشراً وصبغة رسمية أكبر لعملياتها في القارة. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات مرتبطة بهذا الفيلق، من بينها غارة جوية نفذتها طائرة روسية في مالي في يونيو 2026 أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين دون تأكيد استهداف عناصر مسلحة.
ملاحظة تحريرية: الأدلة الموثقة تخص السودان ومالي والنيجر تحديداً؛ ولا توجد وثائق منشورة تربط مصر مباشرة بشبكة تهريب الذهب هذه.
بوتين وأبي أحمد
ثانياً: هل تخلت روسيا عن مصر لصالح إثيوبيا؟
هذا الجانب من الملف تتقاطع فيه وقائع موثقة مع قراءات تحليلية متباينة. فمن جهة، سجّلت تقارير عربية أن الصحافة المصرية وصفت موقف موسكو من أزمة سد النهضة بأنه "سلبي للغاية"، مع تنامي شعور مصري بأن روسيا تُعطي الأولوية لعلاقاتها مع إثيوبيا. ووقّعت روسيا وإثيوبيا اتفاقية تعاون عسكري في يوليو، تتيح لموسكو تقديم دعم تقني للجيش الإثيوبي، فيما نفت الخارجية الروسية أن يكون ذلك موجهاً ضد مصر.
يرى خبراء مصريون أن روسيا "لا مصلحة لها في الانحياز لمصر" لأن القاهرة لا تملك أوراق ضغط قوية، بخلاف واشنطن وأوروبا اللتين تسعيان لتحجيم مصر عبر ملف السد، وأن حجم التبادل الاقتصادي بين البلدين يظل محدوداً باستثناء صفقات السلاح.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن العلاقات الرسمية بين القاهرة وموسكو استمرت بمستوى رفيع؛ فقد شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2025 في العرض العسكري بموسكو بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار في الحرب الوطنية، بحضور الرئيس فلاديمير بوتين. والأحدث أن بوتين أكد، في لقاء مع السيسي على هامش قمة بريكس في نيودلهي هذا الأسبوع (11 سبتمبر 2026)، أن موسكو تأخذ الموقف المصري بعين الاعتبار عند صياغة سياساتها تجاه قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا.
الوقائع تدعم وجود توتر حقيقي وملموس متعلق تحديداً بملف سد النهضة، لكن وصف العلاقة الثنائية الأوسع بـ"التخلي الكامل" يبقى قراءة تحليلية مطروحة من بعض الخبراء، وليس موقفاً رسمياً معلناً من الجانبين، في ظل استمرار قنوات التنسيق السياسي والعسكري بين البلدين.
ثالثاً: عضوية مصر في بريكس.. مكاسب أم توريط؟
الجدل حول جدوى انضمام مصر لبريكس منقسم بدوره بين معسكرين توثقهما التقارير الاقتصادية. فمن ناحية المكاسب، تشير بيانات حديثة إلى أن صادرات مصر إلى دول بريكس بلغت 13.8 مليار دولار خلال عام 2025، مع تسجيل مصر عضوية نافذة في بنك التنمية الجديد للتكتل منذ 2023، ما يتيح لها الاستفادة من تمويل مشروعات التنمية والبنية الأساسية.
في المقابل، يرى منتقدون أن التكتل يعاني من إشكاليات بنيوية تحدّ من فائدته الفعلية؛ إذ يعتبر بعض الخبراء بريكس مبادرة قصيرة المدى تفتقر إلى استراتيجية جماعية موحدة، وسط تباين كبير في أولويات التنمية بين أعضائه وتنافس متصاعد بين روسيا والصين والهند على النفوذ. كما تواجه مصر أعباء اقتصادية موازية، إذ سدد البنك المركزي المصري نحو 6.4 مليار دولار كفوائد وأقساط ديون خارجية بنهاية الربع الأول من العام المالي الحالي.
لا يوجد إجماع بين الاقتصاديين على أن العضوية "بلا استفادة"؛ فالأرقام الرسمية تُظهر نمواً في التبادل التجاري، بينما يرى منتقدون أن هذه المكاسب لم ترقَ بعد إلى مستوى التوقعات السياسية التي رافقت الانضمام.
ختاما
الوقائع الموثقة تؤكد نشاطاً روسياً فعلياً وممنهجاً في قطاع الذهب بدول أفريقية محددة (السودان، مالي)، وتوتراً حقيقياً في الملف المائي بين موسكو والقاهرة لصالح أديس أبابا. أما وصف هذه التطورات كمخطط شامل يستهدف "توريط" مصر في بريكس أو "التخلي عنها" كلياً، فهو إطار تفسيري تتبناه بعض التحليلات، فيما تشير مؤشرات أخرى (لقاءات القمة الأخيرة، أرقام التجارة) إلى علاقة أكثر تعقيداً من ثنائية رابح-خاسر.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك