من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

زلزال اليمن .. تهاوي الردع .. الألوية الوهمية وأزمة التحالفات في الممرات المائية

خالد بيومي
زلزال اليمن .. تهاوي الردع .. الألوية الوهمية وأزمة التحالفات في الممرات المائية


إن السيطرة السريعة على ساحل اليمن الغربي وميناء المخا وجزيرة بريم في غضون 36 ساعة  تعد تحولاً جيوستراتيجياً حاداً تجاوز حدود الإرباك الميداني ليفرز واقعاً أمنياً جديداً يهدد حرية الملاحة الدولية.

لم يكن هذا السقوط المباغت وليد لحظة عسكرية خاطفة فحسب، بل تمثيلاً لهشاشة هيكلية وسياسية ونواة لخلل عميق في إدارة الحروب بالوكالة؛ حيث التقت التكتيكات غير المتوافقة مع تهاوي خطوط الدفاع التي اتضح أنها لم تكن سوى واجهة لكتائب مصنوعة من الورق.

​يكشف الانهيار السريع عن أزمة استشراء ظاهرة "الجيوش الوهمية" أو "الجنود الفضائيين"، وهي الظاهرة التاريخية المتكررة التي تعاني منها القوات المدعومة خارجياً حين تقترن رعاية الدول بالغياب المؤسسي والرقابي.

لقد دأبت القيادات على رفع كشوفات تضم أرقاماً مضاعفة لضباط وجنود غير موجودين على  أرض الواقع بهدف تحصيل المخصصات والرواتب، حتى باتت القوة الفعلية على الأرض لا تتجاوز خُمس المسجل رسمياً.

وفيما يظل هذا التزييف مخفياً في فترات الهدوء، أدى أول اختبار حقيقي إلى انكشاف الفراغ الدفاعي وتحول الخطوط العسكرية إلى ممرات مفتوحة، على نحو يذكر بسقوط الموصل عام 2014 وكابول عام 2021 وسايغون عام 1975، حيث تهاوت المنظومات الأجنبية التسليح في لحظات  معدودة أمام ضربات مركزة بسبب تآكل البنية البشرية من الداخل.

​وقد فاقم هذا الفراغ الهيكلي طبيعة التحركات الميدانية التي شابهت إلى حد كبير تكتيكات "الحرب الخاطفة" عبر المناورة السريعة، وتفادي المواجهات المباشرة ، والالتفاف الحاد على مراكز القوة لإشاعة الرعب النفسي وإيهام المدافعين بالحصار الوشيك.

ومما فاقم الهزيمة هو التخبط اللوجستي والسياسي المتراكم؛ إذ أدى انسحاب القوات الإماراتية دون أن تقوم الرياض باستبدالها بقوات برية منظمة وموحدة العقيدة، إلى ترك شريط ساحلي حيوي عرضة للانكشاف الاستراتيجي، ليحل الفراغ الأمني محل غطاء حماية الساحل في وقت قصير جداً.

​ومن ناحيةأخرى إن الرهان الاستراتيجي الحاضر لدى حلفاء واشنطن التقليديين، جاء امتناع الإدارة الأمريكية عن التدخل المباشر وتوجيه ضربات جوية رغم الاتصالات المتكررة، ليعيد التذكير بحدود المظلة الأمنية الخارجية.

تؤكد هذه الوقائع أن الاستراتيجية الأمريكية باتت أكثر حذراً تجاه الانخراط في صراعات استنزاف نيابة عن أطراف أخرى، وأن الغطاء الجوي الخارجي عاجز عن تعويض الغياب الميداني أو ترميم التشكيلات العسكرية المفككة، مما يضع المنطقة أمام حقيقة واضحة مفادها أن الاستجابة الأمريكية تخضع لحسابات المصالح المباشرة وليس لالتزامات الأمان المفتوحة.

​من الناحية العسكرية، تسلط هذه التطورات الضوء على طبيعة الحرب غير المتكافئة وأسطورة الردع البحري التقليدي في المضايق الضيقة.

وبالرغم من  كون مضيق باب المندب لا يتعدى عرضه 20 كيلومتراً في أضيق نقاطه، فإن إغلاق الحركة البحرية لا يتطلب ترسانة معقدة، بل يمكن لأسلحة بسيطة محملة على آليات خفيفة أو زوارق مسيرة أن تشل حركة الملاحة.

أثبتت هذه المعادلة أن الأساطيل والقواعد البحرية العملاقة، رغم تكاليفها الباهظة، تعجز عن توفير أمن مائي كامل إذا خَسِرت السيطرة على اليابسة المحاذية، وهو ما ينسجم مع الأطروحات الاستراتيجية التي تؤكد أن السيادة البحرية تظل رهينة للسيطرة الساحلية والبرية الفاعلة.

​إن اكتمال المشهد بالسيطرة على الساحل الغربي وميناء المخا يمنح النفوذ الإيراني قدرة غير مسبوقة على ممارسة ضغط جيوستراتيجي مزدوج وكماشة محكمة تستهدف مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد،  مما وضع شرايين التجارة وإمدادات الطاقة العالمية تحت رحمة التهديد المباشر.

يضع هذا الواقع القوى الإقليمية والدولية أمام خيارات أحلاها مر؛ فإما التعايش مع كلفة أمنية واقتصادية باهظة تُلقي بظلالها على سلاسل الإمداد والتأمين البحري، أو الدخول في حملات تصعيد واسعة النطاق تتطلب إعادة تأهيل البنية العسكرية البرية  بداية من نقطة الصفر، مما يرسخ حقيقة أن الحماية الخارجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء مؤسسات أمنية محلية متماسكة وذات استقلالية استراتيجية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11086
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.