من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لرواية " ليديا "للأديب عادل التوني

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لرواية


منذ الصفحات الأولى لراوية " ليديا" يدرك القارئ انه لا يدخل عالم حكائي تقليدي، بلدر ما ادخل في فضاء تتجاوز فيه الحكاية مع السؤال الفلسفي، ويصبح الحب مدخلًا إلى أسئلة أكبر من العاطفة ذاتها: الدين و الاختيار ، والإيمان والحرية والمسؤولية ، وحدود قدرة الإنسان على احتمال نتائج اختيارته، ولعل اكثر ما يمنح الرواية خصوصيتها ، أن هذه الأسئلة لا تطرح في صورة مباشرة ، وإنما تتسلل عبر التفاصيل والشخصيات والأماكن والكتب ، حتى يبدو كل عنصر في العالم الروائي ، وكأنه يحمل وظيفة تتجاوز حضوره الظاهري.


ويأتي " ليديا" في مقدمة هذه العلامات ، فالاسم ليس مجرد علامة تعريفية للبطلة ، وإنما يبدو منذ البداية محملًا بإيحاءات تتصل بالهُوية والمكان والإيمان والعبور بين العوالم ، وهنا يُصبح أكثر دلالة حين نتأمل أن البطلة مسيحية، بينما يظل البطل بلا اسم ، وتترك هُويته الدينية أيضًا للاستدلال من السياق لا التصريح المباشر ، إن غياب الاسم عن البطل لا يبدو نقصًا في التسمية ، بقدر ما يحرره من حدوده ، ليجعله  قابلًا لأن يمثل الإنسان في مواجهة سؤال الاختيار ، بينما تستحوذ ليديا على الاسم والحضور والذاكرة ، حتى ينتهي الأمر بأن يُصبح اسمها هو اسم الحكاية نفسها.


وتتأكد هذه الفكرة من خلال علاقة " ليديا" بالكتابة ، فهى تحتفظ بدفتر صغير، وحين يسألها البطل عمل تكتبه، تجيبه:  بكتب "  الحاجات اللي بخاف انساها" ، تبدو الجملة بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح واحدة من أهم دوائر الرواية : الكتابة بوصفها  مقاومة للنسيان؛ ليديا تكتب الأشياء التي تخشى فقدانها، ثم يأتي البطل لاحقًا ليكتب ليديا نفسها، وكان ما كانت تخشى ان  تنساه يتحول في النهاية إلى شيء يرفض هو أن يُنسى، ومن هنا لا يعود عنوان الرواية مجرد  اسم لبطلة ، بل فعلًا من أفعال إنقاذها من الغياب ، فحين تحمل الرواية اسم " ليديا" تكون الشخصية قد انتقلت من تجربة عاشها البطل إلى أثر أدبي قابل للبقاء.


وفي هذا السياق تحديدًا يكسب حضور الأدب الإنجليزي في الرواية قيمة تتجاوز كونه ملمحًا ثقافيًا ، أو وسيلة لإظهار ثقافة البطلة ، فالأدب الإنجليزي يبدو بوصفه مرآة واقعية تعكس تطور الفكر الإنساني، وتكشف  كيف تتغير نظرة الإنسان إلى الحب والحرية والمجتمع والآخر عبر الزمن، وليديا لا تتعامل مع الأدب بوصفه معرفة محفوظة ، وإنما طريقًا لفهم الإنسان؛ ولذلك  حين تعطي البطل كتابًا لبايرون وتقول:" أقرأه وهتفهم الناس بتحبه ليه "، فأنها تكشف عن تصورها لوظيفة الأدب : أن يفتح داخل النص طريقًا إلى الإنسان،  وفي المقابل يأتي نزار قباني بوصفه المرجعية الشعرية الأقرب إلى البطل ، فلا تكون المقارنة بين بايرون ونزار قباني مفاضلة ثقافية ، وإنما اختلافًا في المرجعيات التي تُشكل الوجدان ، إنهما طريقان للوصول إلى السؤال نفسه : كيف يفهم الإنسان الحب ، وكيف يرى نفسه والآخر من خلاله؟.


وتزداد أهمية الأدب حين نصل إلى بيت " منير " والد ليديا ، بما يحتويه من مكتبه تزخر بالأدب الإنجليزي ، هنا تنتقل الكتب من كونها جزءًا من ذائقة الأبنة، إلى كونها جزءًا من تكوين الأب نفسه ،  بما يربط الثقافة بالتجربة، فالأب ليس رجلًا يرفض الحب لأنه يجهله ، ولا يضع الدين في مواجهة المشاعر في بصورة سطحية ، انه رجل مثقف، شكلته المعرفة والتجربة ، لذلك تأتي أسئلته في منطقة أكثر عمقًا ، ماذا بعد الحب ؟، ماذا عن الزواج؟، ماذا عن الأبناء؟، ماذا عن الدين الذي سيختارونه؟ ، وماذا عن مجتمع لا يرحم؟، وهنا تبدو الرواية وكانها تضع الأدب في مواجهة الحياة، لا لكي تنتصر الحياة عليه ، وإنما لكي تختبر الأفكار التي منحتها  الكتب للإنسان، فالأدب يفتح السؤال، بينما التجربة تمنح السؤال ثقله الأخلاقي والواقعي .


ومن هنا لا يُصبح " منير" أكثر من مجرد أب يقف في طريق علاقة عاطفية، فهو الوعى الذي يرى ما وراء اللحظة حتى عبارته:" اللي بيحب بالشكل ده... بيتكسر ... وانا مش عايز أشوف حد فيكم مكسور " تكشف أن موقفه لا يقوم على الإقصاء ، وإنما على الخوف من الألم ، والأكثر دلالة كلمة " فيكم" ، فهو لا يضع البطل موقع الخصم ، بل يراه إنسانًا معرضًا للإنكسار مثل ابنته،  ولذلك فإن الصراع في الرواية لا يُبنى على طرف يمتلك الحق ، وطرف يمتلك الباطل، وإنما على حقوق متعارضة ، لكل منها مشروعيتها الإنسانية .


ولذلك فإن حضور الدين بالرواية ، لا يأتي بوصفه جدارًا جاهزًا بين الشخصيات ، وإنما بوصفه سؤالًا إنسانيًا يتقاطع مع الحب والمصير والمسؤولية، وتكتسب زيارة ليديا لمولد سيدي المرسي أبو العباس دلالة خاصة في هذا السياق، فهى ؛ المسيحية تغمض عينيها وسط الذكر وتشعر بسكينة لا تستطيع وصفها، لا تقدم الرواية هذا المشهد باعتباره إعلانًا عن تحول عقائدي، وإنما تتركه في منطقة أعمق: منطقة التجربة الروحية التي قد يعجز الاختلاف الديني عن احتوائها باللغة وحدها، وكأن الرواية تفرق بين العقيدة بوصفها انتماء ، و الروح بوصفها بحثًا إنسانيًا عن السكينة .


أما عن الأماكن والأشياء  التي تتكرر بالرواية ، بوصفها حوامل للذاكرة ، لا مجرد ديكورات سردية : البحر الذي تراه ليديا حياة ، يتحول إلى شاهدًا على التجربة كلها ، فهو شاهد اللقاء ، والحب والاعتراف والخوف،  لابد أن يكون كذلك شاهدًا على الفراق.

والنافذة التي يجلس عندها البطل ، وينظر إل  البحر تضعه في منطقة فاصلة بين الداخل والخارج، بين ما حدث وما بقي منه، بين الذاكرة والواقع ؛ اما القهوة فتمنح العلاقة ملمسها اليومي البسيط، ذلك الذي جعل الحب قابلًا لأن يُتذكر بوصفه لا فكرة مجردة ، وإنما بوصفه تفاصيل صغيرة عاشها جسدان وروحان في زمن محدد، وهكذا تتحول الأشياء العادية إلى شواهد على ما لم يعد موجودًا.


وهنا تصل الرواية إلى أحد أكثر أسئلتها الفلسفية قسوة ، ليست أصعب القرارات تلك التي نختار فيها بين الصواب والخطأ، وإنما تلك التي يكون فيها الجميع على حق ، البطل يوقن أن الأب قال الحقيقة ، لكنه في الوقت نفسه يحب ليديا ، وليديا لا تطلب ان تنتصر على أبيها بقدر ما تواجه السؤال نفسه، هل يمكن أن تكون تحقيق سعادتنا سبب في تعاسة من نحب ؟ ، وحين يسأل الأب ابنته إن كانت تقبل بأن تكون سعادتها على حساب تعاسته ، ينتقل الحب من كون رغبة في الامتلاك إلى كونه إمتحانًا أخلاقيًا، لذلك تأتي كلمة ليديا: " الحب حين تضعه الحياة على المحك لا يسأل ماذا أريد؟،  بل يسأل ما الذي ينبغي أن أحميه، حتى لو كان الثمن قطعة من قلبي؟ "،  بوصفها خلاصة التحول الداخلي التي تصنعه الرواية؛  الحب هنا لا يقاس بقدرته على الإحتفاظ بالآخر ، و إنما بقدرته على حمايته حتى من رغباتنا نحن.


وحين يعود البطل لمدينة الأسكندرية ، فإن المدينة لا تعود المدينة نفسها، لقد بقي المكان وغاب الإنسان الذي كان يمنحه  معناه، يذهب إلى البحر ، يغلق عينيه ، فيستعيد رائحتها، وكأن الذاكرة تعيد حضور الغائب ، ثم يدخل المكتبة الصغيرة ويشتري كتابًا لنزار وآخر في الأدب الإنجليزي، في البداية كان لكل منهما كتابه ، وكل منهما عالمه الثقافي، اما الآن فقد أصبح البطل يحمل العالمين معًا ، وهنا تبلغ دلالة الأدب ذروتها، فما كان اختلافًا بينهما صار جزءًا من ذاكرته هو ، وما كان ينتمي إليها أصبح جزءًا من تكوينه، وحين تسقط زهرة الياسمين من كتاب نزار  تستدعي في لحظة واحدة ذكرى قديمة من مولد سيدي المرسي أبو العباس،  ليتبادر في ذهنه السؤال كيف أتت الزهرة إلى الكتاب ؟،  ومَن تكون الشبدة المسنة التي اعطتت لليديا الزهرة؟، هنا التقى الكاتب بالمكان، والحاضر  بالماضي ، والحب بالذاكرة .


لقد كانت الرموز السابقة " البحر والكتب والنافذة والقهوة وزهرة الياسمين " عبارة عن شبكة واحدة للذاكرة .

وتأتي النهاية بوصفها تحولًا في معنى الحب ذاته، فالبطل لا يطلب امتلاك ليديا ، بل يرفع يده للسماء بعد مرور سنون للدعاء لها بالسعادة ، ثم يترك أمنية اللقاء مُعلقة بين الدنيا والآخرة،  هنا ينتقل الحب من الرغبة في الوصول إليها، إلى القدرة على الدعاء ، ومن الحضور الجسدي إلى الحضور في الذاكرة .


ومن ثم، يمكننا قراءة " ليديا" لا بوصفها رواية عن الحب، بقدر ما هى رواية عن الوعي الذي يصنعه الحب، ثم تُعيد الحياة تشكيله ، إنها لا تُقدم لنا إجابة سهلة عن الاختيار ، بل تجعل القارئ يعيش اشكالية أخلاقية، فلا يوجد شخص برئ تمامًا، ولا قلب مخطأ تمامًا، فالجميع يحب ، والجميع يخشى، والجميع يريد حماية مَن يحب ، لكن المأساة ان الحماية نفسها قد تُصبح شكلًا من اشكال الفقد، وفي قلب هذه الإشكالية، يقف الأدب بوصفه المرآة التي ترى فيها الإنسان عبر العصور، ثم تقف الحياة أمام المرآة لتسألها: ماذا تفعل أفكارنا حين تصبح لها أجساد وقلوب وعواقب؟.


ولعل أجمل ما تنتهي إليه الرواية ، أن ليديا التي كانت تكتب " الحاجات التي تخاف أن تنساها" ، تنجح في النهاية في ألا تُنسى، لا لأنها بقيت مع مَن أحبها، وإنما لأنها تحولت إلى حكاية ، لقد خرجت من دفترها الصغير، إلى ذاكرة البطل، ومن ذاكرته إلى الكتاب ، ومن الكتاب إلى عنوان الرواية ، وذلك لا تصبح ليديا  اسمًا لشخصية فحسب، بل اسمًا لذاكرة قاومت النسيان، وانتقلت من الحياة إلى الأدب، وكأن الرواية كلها محاولة للإجابة عن سؤال واحد خفي:

هل يستطيع الأدب أن يمنح ما فقدناه مرة أخرى؟، في ليديا تصبح الإجابة ممكنة، لأن ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به ، قد تستطيع الكتابة أن تمنحه شكلًا آخر من البقاء

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11092
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.