في ندوة «لقاء مع المهرجانات» بـ «ميدفست مصر».. خبراء سينمائيون يكشفون كواليس اختيار الأفلام القصيرة وآليات دعم صناعها
شهدت فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان «ميدفست مصر» تنظيم ندوة موسعة بعنوان «لقاء مع المهرجانات»، سلطت الضوء على الكواليس الخفية لعمليات برمجة وتصفية الأفلام القصيرة، والمعايير التي تعتمد عليها المهرجانات الدولية في تقييم الأعمال المتقدمة.
وشارك في الندوة نخبة من خبراء وصناع السينما حول العالم، هم: مارييت ريسنبيك، وآنا فيستيل، ويوكا بيكا لاكسو، ومينا النجار، بينما أدار الجلسة الناقد والبرمجي محمد طارق، وسط حضور مكثف من صناع الأفلام والمهتمين بالصناعة السينمائية.
كسر الغموض حول قرارات البرمجة
افتتح مدير الندوة محمد طارق اللقاء بالتأكيد على أن المهرجانات المتخصصة في الأفلام القصيرة تعد المساحة الأنسب لإدارة حوار شفاف بين المبرمجين وصناع السينما، خاصة في ظل التساؤلات المستمرة حول أسباب قبول الأعمال أو استبعادها.
وأوضح طارق أن عملية البرمجة تتأثر بعدة عوامل معقدة تتجاوز مجرد جودة الفيلم الفنية، من بينها رؤية المهرجان، وطبيعة الجمهور المستهدف، والتوازن المطلوب داخل البرنامج النهائي. وشدد على أن عدم اختيار فيلم ما في مهرجان كبير لا يعني بالضرورة أنه فيلم سيئ، مؤكداً أن العمل الجماعي داخل فرق البرمجة يسهم في تقليل القرارات الفردية وتوسيع زوايا الرؤية لتناسب مختلف الذوائق.
ما هو «الفيلم الجيد»؟.. رؤى وتجارب عابرة للحدود
خلال مناقشة مفهوم الجودة في السينما القصيرة، أجمع المتحدثون على أن الحكم على الأعمال يظل أمراً نسبياً يرتبط بالتأثير العاطفي والفكري لدى المتلقي:
مارييت ريسنبيك: أكدت أن «الفيلم الجيد» لا يخضع لتعريف مطلق ولا يرتبط بحجم الميزانية أو الأرباح المالية، بل بقدرته على نقل القصة وإثارة فضول المشاهد ودفعه لمعرفة المزيد. وأشارت إلى أن مهرجان برلين يستفيد من مقره في مدينة متعددة الثقافات لتقديم سينما متنوعة، مع التركيز على التعامل مع الجمهور الشاب بوعي ونضج دون تبسيط للمحتوى.

آنا فيستيل: رأت أن الفيلم الناجح هو الذي يتجاوز المألوف ويجرب في الأشكال والأنواع السينمائية. وأوضحت أن العيوب الفنية الصغيرة قد تمنح الفيلم خصوصية وتفتح نافذة للمشاهد على عوالم وثقافات جديدة، مشيرة إلى تجربة مهرجان هامبورغ في جذب الجماهير عبر برامج الأطفال والتواصل الإيجابي مع المدارس والمبادرات المحلية.
يوكا بيكا لاكسو: أوضح أن الاستجابة العاطفية هي المعيار الأول في تقييم الفيلم، لافتاً إلى أن تحليل أسباب الإعجاب يأتي في مرحلة لاحقة. وأكد أن مهارة صانع العمل تكمن في تقديم رؤية تجعل المشاهد يرى الواقع من زاوية مغايرة، مشيراً إلى أن تنوع الأفلام القصيرة في المدة والشكل يمنح المهرجانات حرية واسعة للتجريب.
مينا النجار: شدد على أن أصالة الرؤية وصدق التجربة هما المحرك الأساسي لنجاح الفيلم القصير، موضحاً أن كثرة مشاهدة الأفلام تطور لدى المبرمج حساً نقدياً أدق للتمييز بين التجارب المتشابهة دون النظر إلى حجم الإنتاج.
أرقام ضخمة وكواليس معقدة خلف شاشات العرض
كشفت الندوة عن حجم الجهود والمسؤوليات التي تقع على عاتق فرق البرمجة أمام الأعداد الهائلة من الطلبات المقدمة سنوياً:
في مهرجان هامبورغ، كشفت آنا فيستيل أن فريق البرمجة المكون من 10 أشخاص من خلفيات جغرافية متعددة شاهد نحو 6600 فيلم خلال الدورة الحالية، جرت تصفيتها عبر مناقشات مكثفة للوصول إلى قائمة نهائية تضم 45 فيلماً فقط للمسابقة الدولية. وأضافت أن المهرجان يمتلك أرشيفاً يضم أكثر من 60 ألف عنوان، يتيح الاستفادة من الأفلام وإعادة توجيهها لبرامج مستقبلية.
ومن جانبه، أوضح يوكا بيكا لاكسو أن مهرجان تامبيري استقبل نحو 7400 فيلم للمسابقة الدولية هذا العام. تمر هذه الأعمال بفرز أولي لتصل إلى قائمة قصيرة تضم 250 فيلماً، قبل أن تختار لجنة خاصة القائمة النهائية المكونة من 60 فيلماً. وأكد لاكسو أن الهدف ليس البحث عن "أفضل 60 فيلماً" بشكل مطلق، بل تكوين برنامج متوازن يعكس تنوع السينما العالمية ويراعي مختلف الأنواع والدول.
المهرجانات كجهات راعية للأفلام وليست منصات للاستبعاد
في محور الحوار حول مستقبل الأفلام، اتحدت آراء المشاركين على أهمية تغيير مفهوم المهرجان من مجرد أداة للاختيار أو الرفض إلى «جهة راعية» تصحبن الفيلم في رحلته:
وأشار مينا النجار إلى أن الهوس بالعروض الأولى والحصريات يضر بمسيرة الفيلم القصير، داعياً صناع الأفلام إلى خوض التجربة وعرض أعمالهم في مختلف المحافل دون انتظار طويلاً. واستعرض النجار تجربة مهرجان «ميدفست مصر» في الاحتفاظ بقاعدة بيانات الأعمال غير المقبولة لإعادة تقديمها في فعاليات على مدار العام، فضلاً عن تجربة عروض «زاوية» المنفردة التي تمنح كل فيلم فرصة حميمية للتفاعل مع الجمهور بغض النظر عن مدته.
واختتم المتحدثون الندوة بالشدشدة على أن العمل الجماعي والحوار المستمر هما الركيزة الأساسية لبرمجة ناجحة، وأن دعم السينما القصيرة يتطلب التفكير الدائم في فتح آفاق جديدة للانتشار وتوصيل كل عمل إلى الجمهور الذي يبحث عنه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك