من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الخامس : " خلف الأبواب المغلقة"

عادل التوني
الفصل الخامس :


لم يعد حديثنا يدور حول البحر، أو الكتب، أو الأماكن التي سنزورها، بل صار يحمل أسئلة لم يكن أحدنا يملك لها إجابة.

منذ ذلك اليوم، تغير شيء!..

.... ليديا التي ضحك كما اعتادت، ضحكتها أصبحت تنتهي بسرعة.

تبتسم كدمية.. فور رفع يدك عن الزر .. تعود أدراجها.

ثم تغرق في صمت طويل.

ألاحظ ذلك، لكنها كانت تسبق سؤالي دائمًا بابتسامة تقول لي إن كل شيء بخير

بدوري – أتظاهر- بالتصديق.

---

 اتصلت بي.

جاء صوتها خافتًا على غير عادته.


 - محتاجة أشوفك . فاضي؟

لم أسألها لماذا.

من نبرة صوتها أدركت أن الأمر أكبر من أن يُقال عبر الهاتف.

التقينا في المقهى المطل على البحر.

وصلت قبلها بقليل.

كانت السماء ملبدة بالغيوم، والريح تدفع الأمواج بعنف، رغم أنه ليس وقت شتاء 

للمرة الأولى منذ عرفتها، جاءت متأخرة.

جلست أمامي بصمت.

لم تطلب شيئًا.

اكتفت بالنظر إلى كوب الماء الموضوع أمامها.

قلت بهدوء:

  - حصل إيه؟

تنهدت طويلًا.

رفعت عينيها نحوي 

فيهما أثر بكاء حاولت إخفاءه.

قالت بصوت متعب:

  - بابا عرف إننا بنتقابل.

  - وبعدين؟

سكتت لحظات 

ثم قالت:

  - سألني عنك.

حكيت له كل حاجة.

كل حاجة.

وأكدت عليه مرارًا .. إنك محترم، ومتعلم، و بتعاملني باحترام.

ابتسمت ابتسامة باهتة 

  - بابا سمعني للآخر.

 وبعدين سكت

  - وبعدها؟

أطرقت برأسها.

  قال لي: هو شاب كويس... لكن الطريق ده نهايته وجع.

---

لم أدري ماذا أقول؟

ظللت أنظر إليها في صمت.


تابعت وهي تعبث بملعقة صغيرة فوق الطاولة 

  - بابا عمره ما رفع صوته عليّ.

حتى وهو بيرفض... بيرفض بحب.

- قلت له بحزم:

  - بابا .. يمكن محتاج وقت.

"هز رأسه" 

، أكبر من كل شيء. - المشكلة أكبر من الوقت

    - وضِّح لي يا بابا.

تنهّد طويلًا، ثم قال بهدوء:

- المشكلة أنكما تنتميان إلى عالمين مختلفين.

  - اسمعيني جيدًا، لا يهمني أي شيء آخر. 

كل ما يحدث يمكن أن يُواجه بالهدوء والصبر، وأثق أنكما ستمرّان بهذا الامتحان. سأكون إلى جانبكما في كل شيء، إلا أن تخرجي من تحت عباءة الدين، دين عائلتك.

  أما أن تقابليه، فلي معك حديث آخر، لكن ليس الآن.

---

ساد الصمت بيننا.

كان المقهى مكتظًا بالناس، ومع ذلك بدا كل شيء ساكنًا. 

اختفت الأصوات من حولي، ولم يبقَ في أذني سوى كلمات والدها. 

همست ليديا، وكأنها تستعيد ذلك المشهد من جديد:

"سأكون إلى جانبكما في كل شيء، إلا أن تخرجي من تحت عباءة الدين، دين عائلتك. 

  أما أن تقابليه... فلي معك حديث آخر، لكن ليس الآن.

رفعت عيني إليها

  - وما الجديد يا ليديا؟

ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم قالت:

  الجديد... أنني أخطأت

قطبت حاجبي

  أخطأتِ؟

هزّت رأسها بسرعة

  - لا... لا، أرجوك، لا تفهمني خطأ.

توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت أثقل من أن يخفي ندمه:

  - أخطأت لأنني لم أقل لبابا الحقيقة كاملة... لم أحدثه عنك كما ينبغي.

صمتت، ثم أضافت بصعوبة:

  - للأسف... أخفيت عنه أهم حقيقة.

خرجت كلماتها ببطء، وكأنها تنطق حكمًا لا سبيل إلى استئنافه

ابتسمت بهدوء:

  - أعرف أن هذا سيحدث عاجلًا أم آجلًا.

نظرت إليّ باستغراب

  - وده مفرقش معاك؟

- ولا ثانية.

كانت هذه اللحظة تمر أمامي يوميًا.

ليتك تشعرين بما أشعر به الآن.

هناك مزيج من الخوف والتردد يراودني؛ خشية أن يرفض والدك علاقتنا أو يعارضها

بشدة. 

وربما يفرض عليك قيودًا صارمة، أو يمنعك من التواصل، بل قد يصل الأمر إلى معاقبتك، حتى لو كان ذلك بحبسك في المنزل.

مددت يدي فوق الطاولة

ترددت لحظة. 

لامست أصابعها.

وضعت يدها في يدي.

"كانت أصابعها باردة"

قلت:

- أنظري لعيني.

- رفعت عينيها.

- مش بوعدك إن الطريق هيكون سهل.

لكن أوعدك بحاجة واحدة.

مهما حصل .

لن أترك يديك بإرادتي.

امتلأت عيناها بالدموع.

ابتسمت رغم ذلك.

وقالت:

  - أوعدك .. وأنا كمان.

---

لكن دعني أخبرك بشيء.

أبي يثق بي كثيرًا، ومع ذلك ترك الباب مواربًا. 

ربما أراد أن يضعني أمام اختبار، أو أن يتركني أواجه الواقع وأتخذ قراري بنفسي.

أما أن يكون قد تركني لك، فلا أظن ذلك. 

أنا أعرف طريقة تفكيره جيدًا.

ثم إن عقابه المعنوي، مهما كان، لا يُقارن بعقابه المادي.

- تأخرتِ.

- أوصلني للبيت.

عندما خرجنا من المقهى، كان رذاذ مطر 

يشبه الدموع التي تحاول أن تبدو مطرًا.

مشينا تحت المظلات القديمة بمحاذاة الكورنيش

لم نهرب من الرذاذ

تركناه يغسل وجوهنا

قالت فجأة:

  - تعرف؟

أنا أول مرة أخاف من المستقبل.

- وأنا أول مرة أفكر فيه.

- كنت فاكرة الحب بيبدأ لما اتنين يقابلوا بعض.

واضح إنه بيبدأ لما الدنيا تقرر تمتحنهم.

---

وصلنا إلى محطة الترام.

توقفنا

كان علينا أن يفترق كل منا في اتجاه

لكن أحدًا منا لم يتحرك.

مرت دقيقة.

ثم أخرى.

قالت وهي تحاول الابتسام:

  - هنتقابل بكرة؟

- هنتقابل بكرة؟

  - أكيد ليديا .. هنقابل. 

ثم استدارت

خطت بضع خطوات.

وفجأة عادت.

وقفت أمامي مرة أخرى.

قالت:

  - لو الأيام غيرتنا.

افتكر إن أنا.

حبيتك بصدق.

لم أستطع الرد

اكتفيت بالنظر إليها 

ركبت الترام.

وأغُلقت الأبواب.

ظلت واقفة وكأنها تودعني بكلمتها

لو الأيام غيرتنا.

افتكر إن أنا.

حبيتك بصدق.

وفي تلك الليلة. 

لأول مرة.

شعرت أن البحر يبكي مع السماء.

كان يبدو بعيدًا.

حزينًا...

كأنّه كان يعرف، قبلنا جميعًا، أن الحبّ الحقيقي لا يواجه العاشقين وحدهما، بل يواجه العالم كلّه... وأن العالم، في الغالب، لا يرحّب بما لا يستطيع فهمه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11111
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.