"النظرية البرامجية" .. نظرية نقدية مقترحة
.
بحثا عن نظرية نقدية جديدة لا تماثل نظريات الغرب ولا الشرق
أو تاخذ منهما وتضيف
ادعو الى الالتفات إلى دور الجزء اللاواعي من العقل او اختصارا اللاوعى فى العملية الابداعية
فاللاوعى هو صانع الإبداع وهو صانع الجمال
ولا يمكن للتفكير الواعي - حتى الان على الاقل - أن يفسر الإبداع او الجمال
واللاوعي يصنع الإبداع والجمال ليحقق تكيف ذات المبدع مع العالم
والمتلقى يتلقى الإبداع بلاوعيه ليحقق التكيف ايضا
فهو حوار بين لا وعي الكاتب ولا وعي القارئ
وعلى الناقد ان يحاول تفسير رموز اللاوعى ليقترب من فهم النص
ويمكنه أن يستفيد كقارئ من عناصر التكيف الذي حدث له من خلال لاوعيه كقارئ
فإذا لم يستمتع الناقد بالعمل فمعنى هذا أنه لم يجده جميلا اى لم يستقبله بلاوعيه
هذه بعض ملامح نظرية نقدية اقترحها
………………
امثلة تطبيقية لنظرية اللاوعي النقدية المقترحة:
.
المثال الاول:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
هنا الشاعر يحاول أن يخلي مسؤوليته عما يحدث له
فالذنب ذنب الرياح
فهذا البيت تكيف لاواع من الشاعر مع شعوره بالفشل
وانقاذ لماء وجهه
والشجن الذي ينقله لنا البيت هو شجن الحسرة
مشفوعا بكبرياء ذات مجروحة
فيتفاعل معه لاوعينا ويطرب له
لأنه ينقذ ماء وجهنا نحن أيضا
ونهز رؤوسنا متفقين مع منطق البيت
فهذا البيت يحقق تكيفا لا واعيا للكاتب ثم للقارئ
وطبعا هناك جمال الصياغة الذي يشكل المخدر الذي يمر من خلاله وهم التكيف
ويعد مكافأة إضافية للمكافأة الأصلية
وهي التكيف مع تجاربنا الفاشلة
وهذا التكيف تكيف مؤقت يحدث اثناء قراءة البيت
ثم يزول بالعودة للواقع
كما يحدث لنا اثناء مشاهدة فيلم
ثم نفيق عند انتهاء الفيلم
........
المثال الثاني:
دور اللاوعى فى شعر عزت الطيري
.
قصائد الشاعر الكبير عزت الطيري توحي بأنه فى مراهقته لم يستطع أن يقترب من المرأة بسبب خجله الريفي
وهو فى بعض قصائده يلوم نفسه على عدم شجاعته
فظلت بنات الثانوى وساكنات مدينة الطالبات يمثلن له حلمه عن الانثى الملئ بالمباهج والملذات
وهذا الحلم هو الذى أنطقه شعرا
فهو يبحث فى كل شعره عن "زينب" التي تجسد له ذلك الحلم الرومانسي الشهواني فى نفس الوقت
وربما لو أنه كان شجاعا واقترب من تلك الفتيات فلعله كان سيصير واقعيا وتزول من امامه غشاوة الحلم ويكف عن كتابة الشعر
فكتاباته هي مطاردة لا واعية لذلك الحلم الذى حرم من مباهجه ولذاته
المثال الثالث:
صلاح جاهين ودور اللاوعى في الادب
.
فى اغنية "يا واد يا تقيل" يتخيل صلاح جاهين ان المرأة هى التى تبدأ اعلان عملية الحب
وهذا التخيل "يريح" امثال صلاح جاهين الذين عانوا فى شبابهم من عدم الجرأة على التعامل مع الجنس الآخر
فقد قال ذات مرة:"كنت فى شبابي اتساءل ماذا يقول الشباب للبنات عندما يتعرفون عليهن ثم اكتشفت انهم يقولون اى حاجة" وهذا يكشف معاناته فى هذه المسألة ولعل خجله نبع من عقدة سمنته
وتلك الاغنية تكشف كيف ان الاديب فى ادبه قد يصنع عالما يريحه ويحل له مشاكله كأنه نوع من الاحلام التى يحل فيها النائم بعض مشكلات يقظته
وكل هذا من الواضح انه من تدبير وتنفيذ الجزء غير الواعي من العقل
فاحد وظائف اللاوعى إحداث التكيف للذات مع الواقع من خلال وسائل متعددة منها الفن والادب والمشاعر
فاللاوعى هو رحمة من الله يحقق مصالح الذات ويخفف عنها ما كتبه الله عليها من ابتلاءات
المثال الرابع:
قصة "كشكشها .. طفيها"
للكاتب الكبير منير عتيبه
المنشورة فى مجلة الكلمة اللندنية عدد اغسطس 2022
.
فى قصة "كشكشها .. طفيها"
البطل يشكو كل شيء
ويشكو من كل شيء
أبيه وامه والناظر وحبيبته والعمدة والضابط وشيخ الجامع وغيرهم
ويرفع شكواه الى ولىّ القرية الشيخ احمد
والشيخ احمد يتقبل شكواه بحزن يخرج من عينيه
والبطل يتلقى النصح من ابيه وامه وحبيبته وغيرهم أن يكشكش أحلامه ويطفيها
لقد لام الجميع
لكنه لم يلم نفسه
فهو ضحية لكل تلك الظروف
وحتى السماء ممثلة فى الشيخ احمد لم تقدم له حلا
فكيف يحقق هذا النص التكيف اللاواعي للكاتب من خلال البطل؟
إن الكاتب يرفع ذاته فوق كل تلك المشكلات من خلال وصفه لها كأنها تحدث لغيره
وكأنه بعلمه وادراكه صار أعلى من تلك "الصغائر"
وهو ينفي مسئوليته عما يحدث له و تقصيره فى دفعه
والقارئ يحدث له نفس التكيف اللاواعي بعد قراءة النص
وكذلك فالكاتب من خلال صياغة هذه القصة البارعة التى ستجذب القارئ الى عطائها التكيفى والجمالى
سيعلى من ذاته ككاتب متمكن
وهذه المكانة الادبية سوف تعطيه بعض التعويض عن ضياع احلامه
كل هذا التكيف من تخطيط وصناعة اللاوعي
وكأننا أمام أوديب الذى يشكو من قدره
أو المتنبي الذى يشكو من الرياح التى تأتى بما لا تشتهي السفن
وكأن الجزء الابداعى اللاواعى من العقل يتوارث الاساليب التكيفية
او يتعلمها من خلال الثقافة
واذا نظرنا الى جماليات القصة فانها ايضا من صنع اللاوعى
فهى براعة لا يمكن نقلها الى غير الكاتب
مهما حاولنا استخراج "المحسنات البديعية" للنص ونصحنا بها الكتاب الاخرين
واذا استخدمنا مثلا مصطلح "الواقعية السحرية" فاننا فقط نطلق اسما على اسلوب ابتكره او اختاره لاوعي الكاتب
لكننا لا يمكن تعريف هذا المصطلح تعريفا دقيقا بحيث لو كرره كاتب آخر سيأتي نصه "جميلا"
هذه القصة جميلة وكفى
ولاوعى هذا الكاتب بارع وكفى
يمكننا ان نصف الاسلوب او نؤرخ له لكن لا يمكننا ادعاء اننا كشفنا سر "الجمال".
.
وهكذا فإن الالتفات إلى دور الجزء اللاواعي من العقل او اللاوعي في الإبداع يغير من نظرتنا النقدية الى العملية الابداعية
.
وقد اقترحت اسما لهذه النظرية المقترحة
وهو "النظرية البرامجية"
حيث ننظر لعمل العقل كبرامج مثل برامج الكمبيوتر
وهذه البرامج software تعمل في المخ hardware
ومنها برامج تشغيل الجسم
وبرامج توجيه السلوك
والبرامج الابداعية
وتعمل هذه البرامج بعيدا عن الوعي
ثم ترسل نتائج عملها الى الوعي
ومن هنا جاء دور "اللاوعي" كمصطلح
.
وأرجو ان تنال هذه النظرية المقترحة الاهتمام
وان تشكل إضافة مجدية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك