من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

د. وفاء عبدالرحمن.. عقلٌ بمرتبة الشرف، وقلبٌ بمرتبة الوفاء

بقلم: د. شيرين النوساني - مدير مكتب الاتحاد العربي للثقافة (AUC) في مصر ومدير تطويره
د. وفاء عبدالرحمن.. عقلٌ بمرتبة الشرف، وقلبٌ بمرتبة الوفاء









سلسلة #مبدعو_أرض_الكنانة


#الصفحة_السادسة_عشرة



في أول حديث جمعني بها حول كتابها «الجغرافيا حياة»، أدركت أنني لست أمام باحثة أكاديمية تعرض إنجازًا علميًا فحسب، بل أمام إنسانة تروي قصة حب طويلة مع علمٍ ظُلم كثيرًا.


كانت تتحدث عن الجغرافيا لا باعتبارها مجرد مادة تُدرَّس، وإنما كروح تسكن تفاصيل حياتنا اليومية. في تلك اللحظة، لم أكن أمام دكتورة تحمل شهادات عليا فقط، بل أمام معلمة عشقت مهنتها، وأرادت أن تمنح الأطفال ما منحها إياه العلم: عينين تريان العالم بوضوح، وعقلًا يتساءل، وقلبًا يكتشف.


هكذا تعرفت إلى الدكتورة وفاء عبد الرحمن. لكن هذا المشهد، على دلالته، لم يكن سوى مدخل لفهم رحلة أعمق وأغنى.


فوفاء عبد الرحمن ليست كاتبة ظهرت فجأة على رفوف المكتبات، وإنما هي ابنة كلية الآداب بجامعة القاهرة، التي بدأت رحلتها المهنية برسم الخرائط في كبرى الشركات الهندسية، ثم انتقلت إلى ميدان التعليم، حيث درّست الجغرافيا في مدارس مرموقة، من بينها مدارس النيل الخاصة ومدارس الهدى الحديثة.


ولم تكن تلك السنوات مجرد وظيفة، بل كانت مدرسة حقيقية في فهم عقل الطفل، ومعرفة كيف تصل المعلومة إلى قلبه قبل عقله، وكيف يتحول الدرس من مادة للحفظ إلى تجربة تستحق أن تُعاش.


لكن شغفها بالعلم لم يتوقف عند حدود الفصل الدراسي.


واصلت الدكتورة وفاء مسيرتها في البحث العلمي، حتى نالت درجة الدكتوراه في الجغرافيا البيئية من جامعة القاهرة بتقدير مرتبة الشرف الأولى في يناير 2024، بعد حصولها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز في يناير 2020.


ولم يكن هذا التتويج مجرد شهادة أكاديمية، بل جاء امتدادًا لمسيرة بحثية حافلة، تُوِّجت بحصولها على المركز الثاني لجائزة أفضل رسالة دكتوراه في الجغرافيا البيئية من الجمعية الجغرافية المصرية.


وهي كذلك عضوة فاعلة في الجمعية الجغرافية المصرية والمجموعة المناخية، ولها أبحاث منشورة في مجلات عربية محكَّمة تناولت موضوعات من بينها تلوث الهواء والمياه، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الجغرافيا.


لكن اللافت حقًا أن هذا العمق الأكاديمي لم يُبعدها عن هموم الناس، بل على العكس؛ كان العلم هو الدافع الذي جعلها تغادر قاعة البحث إلى مساحة أرحب، لتقدم كتابًا مختلفًا.


«الجغرافيا حياة» ليس كتابًا مدرسيًا تقليديًا، بل محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى مادة ظُلمت طويلًا، وتحويلها من مجموعة من الخرائط والمصطلحات إلى عالم نابض بالحياة.


تعتمد الدكتورة وفاء في كتابها على فكرة «شجرة الجغرافيا»، حيث تتحول فروع الجغرافيا الطبيعية والبشرية إلى أغصان متشابكة تنمو من جذع واحد. ومن خلال رسوم ثلاثية الأبعاد جذابة، وأسلوب قصصي ممتع، تقدم المفاهيم التي قد تبدو صعبة للطفل بطريقة تساعده على فهم العلاقة بين الجغرافيا وحياته اليومية.


د.شيرين النوساني 

وما يمنح الكتاب قيمة إضافية أن محتواه خضع لمراجعة علمية دقيقة من أساتذة متخصصين في الجغرافيا الطبيعية بجامعة القاهرة، وهما الأستاذة الدكتورة آمال شاور، والأستاذة الدكتورة عزة أحمد عبد الله، بما يؤكد أن تبسيط المعرفة لم يكن على حساب الدقة العلمية.


لكن ما يجعل «الجغرافيا حياة» مختلفًا ليس محتواه وحده، وإنما روحه.


ففي صفحاته الأولى نجد إهداءً مؤثرًا من الدكتورة وفاء إلى روح زوجها الراحل، تصفه فيه بأنه كان وطنًا آمنًا، وحاضرًا في روحها وقلبها. ويمنح هذا الإهداء العمل بُعدًا إنسانيًا عميقًا، يجعل القارئ يشعر أن الكتاب ليس مجرد جهد أكاديمي، وإنما يحمل في داخله مشاعر الوفاء والحب، وكأنه أثر طيب يبقى بعد رحيل صاحبه.


وثمة شيء آخر.


عندما تتصفح كتابها، تدرك أن الجغرافيا عند وفاء ليست أرقامًا وإحصاءات، بل فعل فهم ومحبة.


تقدم العلم برفق، كمن يحمل بين يديه شيئًا ثمينًا يخشى أن ينكسر، ويريد له أن يطير في عقول الصغار بدلًا من أن يُحبس بين صفحات جافة.


تشرح الظاهرات الطبيعية من جبال وبحار وأنهار ومضائق، وتتناول فروع الجغرافيا البشرية من سكان واقتصاد وزراعة وسياحة، لكنها تفعل ذلك كمن يروي حكاية، لا كمن يلقي درسًا.


وهذا المنهج، في زمن كثر فيه التعليم القائم على الحفظ والتلقين، يكاد يكون استثناءً.


ويتجلى هذا النهج في صفحات الكتاب، حيث تختار الكلمات بعناية، وتنتقي الصور والأمثلة التي تساعد المعلومة على الوصول إلى قلب الطفل قبل عقله. وهو ما يفسر رؤيتها التعليمية التي تميل إلى التشويق والاكتشاف أكثر من التلقين.


وقد يتساءل البعض:


هل يمكن تبسيط الجغرافيا دون الإخلال بعمقها؟


والإجابة تأتي من الكتاب نفسه: نعم.


فالتبسيط ليس تفاهة، والقدرة على تحويل المعرفة المعقدة إلى فكرة واضحة وممتعة تحتاج إلى فهم عميق للعلم، وقدرة أكبر على التواصل مع المتلقي.


واللافت أن هذا المنهج لا يقتصر على علاقتها بالكتب، بل يمتد إلى علاقتها بالبشر.


في سنوات تدريسها، وفي تعاملها مع طلابها، وفي إشرافها على الأبحاث، وفي مشاركاتها في المؤتمرات العلمية... ستجد الامتداد نفسه.


العالمة التي تبسط الجغرافيا للأطفال هي نفسها الباحثة التي تدرس قضايا تلوث المياه والهواء، والمعلمة التي تشرح المضائق والبحار هي نفسها الباحثة التي تغوص في تفاصيل العلم الدقيقة.


وهذا ليس تناقضًا، بل فلسفة حياة.


فالتعليم عندها ليس مهنة فحسب، وإنما موقف من العالم؛ موقف يقوم على أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تصبح قادرة على الوصول إلى الإنسان.


ومن يفهم هذه الفكرة، يفهم جانبًا مهمًا من سر وفاء عبد الرحمن.


وهكذا، لا تكون وفاء عبد الرحمن مجرد أكاديمية بارزة، ولا مجرد كاتبة حاضرة في المشهد، بل تصبح تجربة تعليمية وإنسانية تستحق أن نتوقف عندها في زمن يعج بالضجيج.


امرأة تصنع مساحة للعلم فتبسطه، وللطفل فتحتضنه، وللمعرفة فتبنيها، لا بالحفظ وحده، وإنما بإشعال شغف الاكتشاف.


وكتابها «الجغرافيا حياة» ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل هو تجربة تستحق أن تصل إلى كل بيت، وكل مدرسة، وكل طفل.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11124
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.