من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الشَّاعِرُ الفَصِيح

بقلم: صلاح الدين عثمان
الشَّاعِرُ الفَصِيح



التَّمْهِيد

يَطُلُّ اسمُ مَهْدِي مُحَمَّد سَعِيد عَبَّاس فِي سِجِلِّ الشِّعْرِ السُّودَانِيِّ كَصَوْتٍ فَرِيدٍ جَمَعَ بَيْنَ الكَلِمَةِ وَالمشاعر.

وُلِدَ فِي بِيئَةٍ مُشْبَعَةٍ بِالثَّقَافَةِ وَاللُّغَةِ، وَتَخَرَّجَ فِي كُلِّيَّةِ الآدَابِ بِجَامِعَةِ القَاهِرَةِ فَرْعِ الخُرْطُومِ، حَيْثُ صَقَلَ مَوْهِبَتَهُ بِالدَّرْسِ الأَكادِيمِيِّ العَمِيقِ.

عَمِلَ مُعَلِّمًا لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَكَانَ يَغْرِسُ فِي تَلاَمِيذِهِ حُبَّ البَيَانِ.

ثُمَّ تَوَلَّى رِئَاسَةَ تَحْرِيرِ مَجَلَّةِ الثَّقَافَةِ السُّودَانِيَّةِ، فَكَانَ لَهُ دَوْرٌ بَارِزٌ فِي إِثْرَاءِ المَشْهَدِ الأَدَبِيِّ، وَجَعَلَ مِنَ المَجَلَّةِ مَنْبَرًا يُعَبِّرُ عَنْ أَصْوَاتِ الشُّعَرَاءِ وَالمُفَكِّرِينَ.


النَّصُّ الشِّعْرِيُّ

إِذَا حَيَّيْتُهُ بِسَمَا

وَدِيعٌ فِي الجَمَالِ نَمَا

رَشِيقٌ شَائِقٌ عَبِقٌ

كَحِيلٌ مَالَ وَانْقَسَمَا

تَدَلَّى وَانْثَنَى وَرَنَا

وَصَوَّبَ سَهْمَهُ وَرَمَى

كَأَنَّ اللَّيْلَ كَحَّلَهُ وَبَاحَ بِهِ وَمَا كَتَمَا

كَأَنَّ بِثَغْرِهِ المُزْدَاءِ بَرْقًا ذَابَ وَاقْتَسَمَا

غَرِيرٌ بَيْنَ تَرْبِيهِ يُعِيدُ القَوْلَ مُحْتَشِمَا

أَمِيلُ إِلَيْهِ عَنْ كَلَفٍ وَأَخْطُو نَحْوَهُ قُدُمَا

وَحِينَ أَرَاهُ أَرْهَبُهُ فَلا أُبْدِي لَهُ كَلِمَا

وَتَذْهَبُ فِكْرَتِي بَدَدًا وَيَبْدُو القَوْلُ مُنْبَهِمَا

أُدَارِي لَوْعَتِي حَتَّى يَرَانِي النَّاسُ مُبْتَسِمَا

فَيَا وَيْلَاهُ مِنْ حُبِّي وَيَا وَيْلَاهُ إِنْ عَلِمَا


التَّأْوِيل

إِشْرَاقَةُ البِدَايَةِ

إِذَا حَيَّيْتُهُ بِسَمَا

وَدِيعٌ فِي الجَمَالِ نَمَا

الابتسامةُ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الصَّبَاحِ.

هادئة فِي حُضُورِهَا، رَقِيقَةٌ فِي أَثَرِهَا، زَرْعٌ يُورِقُ فِي أَرْضٍ خَصْبَةٍ، يَفِيضُ بِالحَيَاةِ.

إِنَّهَا نُورٌ يَتَّسِعُ فِي العُيُونِ، وَيَغْمُرُ القَلْبَ بِالسَّكِينَةِ.

فِي لَحْظَةٍ يَتَجَلَّى فِيهَا البهاء بِلَا وَسَائِطَ، حَيْثُ الوَجْهُ يُصْبِحُ مِرْآةً لِلرُّوحِ، وَالرُّوحُ تُعْلِنُ نَفْسَهَا فِي صُورَةٍ نَاصِعَةٍ تُغْنِي عَنْ كُلِّ قَوْلٍ.


مَلامِحُ الحُضُورِ

رَشِيقٌ شَائِقٌ عَبِقٌ

كَحِيلٌ مَالَ وَانْقَسَمَا

حَسَنَةُ القِوَامِ يَنْسَابُ جَسَدُهَا فِي حَرَكَةٍ تَتَمَاوَجُ مَعَ نَغْمَةٍ تُعْزَفُ فِي فَضَاءٍ صَامِتٍ.

يَفُوحُ مِنْهَا العِطْرُ وَيَنْتَشِرُ.

مَسْوَدَّةُ الأَجْفَانِ خِلْقَةً، تَحْمِلُ سِرَّ اللَّيْلِ.

أَحْدَثَتْ رَجَّةً تُحَرِّكُ الوِجْدَانَ وَتُشْعِلُ الخَيَالَ.

اِنْحِنَاءَةٌ تُحَوِّلُ النَّظْرَةَ إِلَى رَقْصَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا، تُغْنِي عَنِ الكَلَامِ وَتُعْلِنُ الحُضُورَ فِي لَوْحَةً مِنَ السِّحْرِ وَالفِتْنَةِ.


سِهَامُ النَّظَرِ

تَدَلَّى وَانْثَنَى وَرَنَا

وَصَوَّبَ سَهْمَهُ وَرَمَى

الحُضُورُ يَتَحَوَّلُ إِلَى فِعْلٍ نَافِذٍ، يَنْحَنِي ثُمَّ يَنْطَلِقُ، فَيُصِيبُ القَلْبَ بِلَا اسْتِئْذَانٍ.

إِنَّهُ اِندِفَاعٌ دَاخِلِيٌّ يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى النَّفَاذِ، حَيْثُ النَّظْرَةُ نَفْسُهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى جُرْحٍ فِي الوِجْدَانِ. فَتَخْتَرِقُ دِفَاعَاتِهِ وَتَتْرُكُهُ أَسِيرًا لِسُطْوَةٍ لا تُقَاوَمُ.


سِرُّ الشَّعْرِ وَبَرْقُ الثَّغْرِ

كَأَنَّ اللَّيْلَ كَحَّلَهُ وَبَاحَ بِهِ وَمَا كَتَمَا

كَأَنَّ بِثَغْرِهِ المُزْدَاءِ بَرْقًا ذَابَ وَاقْتَسَمَا

اللَّيْلُ أَوْدَعَ خُصْلَاتِهَا سِرَّهُ، فَانْسَكَبَ فِي جَدَائِلِهَا عُمْقٌ غَامِضٌ.

وَحَوَّلَ السَّوَادَ إِلَى إِطَارٍ يُضَاعِفُ إِشْرَاقَ الوَجْهِ وَيُبْرِزُ جَمَالَهُ.

يَجْعَلُ مِنْ كُلِّ خُصْلَةٍ مَجَالًا لِبَوْحٍ جَدِيدٍ لا يَعْرِفُ الكِتْمَانَ.

اِبْتِسَامَتُهَا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ فِي إِشْرَاقٍ يَشُقُّ سَوَادَ اللَّيْلِ، وَالقَمَرُ شَاهِدٌ عَلَى انْعِكَاسِهِ.


وَقَارُ الحَيَاءِ

غَرِيرٌ بَيْنَ تَرْبِيهِ يُعِيدُ القَوْلَ مُحْتَشِمَا

حَدِيثُهَا يَخْرُجُ مَحْدُودًا، إِذْ تَضْبِطُ الكَلَامَ وَتَجْعَلُهُ مُتَقَطِّعًا، وَتَتْرُكُ الجَوَّ مُشْبَعًا بِالسَّكِينَةِ وَالصَّفَاءِ.

تُضِيءُ بِحُضُورِهَا النَّقِيِّ، تُوَجِّهُ العِبَارَةَ وَتَزِيدُهَا إِشْرَاقًا فِي صَمْتِهَا.


مُجَازَفَةُ التَّلَاقِي

أَمِيلُ إِلَيْهِ عَنْ كَلَفٍ وَأَخْطُو نَحْوَهُ قُدُمَا

وَحِينَ أَرَاهُ أَرْهَبُهُ فَلا أُبْدِي لَهُ كَلِمَا

وَتَذْهَبُ فِكْرَتِي بَدَدًا وَيَبْدُو القَوْلُ مُنْبَهِمَا

اللِّقَاءُ يَتَحَوَّلُ إِلَى صِرَاعٍ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالهَيْبَةِ، بَيْنَ البَوْحِ وَالكِتْمَانِ، فَيَغْدُو المَشْهَدُ لَوْحَةً مِنَ التَّرَدُّدِ وَالاِرْتِبَاكِ، وَالقَوْلُ يَخْرُجُ مُبْهَمًا فِي ارْتِجَافٍ.

حَيْثُ العَاشِقُ يَقْتَرِبُ ثُمَّ يَتَرَاجَعُ، يَخْطُو ثُمَّ يَتَعَثَّرُ، وَيَغْدُو الصَّمْتُ نَفْسُهُ لُغَةً مُشْبَعَةً بِالخَوْفِ.


قِنَاعُ البَسْمَةِ وَصَرْخَةُ الحُبِّ

أُدَارِي لَوْعَتِي حَتَّى يَرَانِي النَّاسُ مُبْتَسِمَا

فَيَا وَيْلَاهُ مِنْ حُبِّي وَيَا وَيْلَاهُ إِنْ عَلِمَا

حُرْقَةُ القَلْبِ تُغَلِّفُهَا الاِبْتِسَامَةُ لِتُصْبِحَ صَرْخَةً لِحُبٍّ مَكْتُومٍ يُخْشَى افْتِضَاحُهُ.

وَيَحْمِلُهُ ابْتِلَاءٌ يُضَاعِفُ الوَجَعَ.


الخَاتِمَةُ

يَرْحَمُ اللهُ الشَّاعِرَ مَهْدِي مُحَمَّد سَعِيد عَبَّاس، الَّذِي جَعَلَ مِنَ الشِّعْرِ نُصُوصًا تَفِيضُ بِالمَعَانِي، تُكْتَبُ بِالحُرُوفِ وَتُقْرَأُ بِالعواطف.


الإسكندرية 14 سبتمبر 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11127
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.