التغير المناخي يهدد إنتاج الكاكاو.. ليس الجفاف وحده بل توقيت الأمطار
كشفت دراسة أمريكية جديدة أن أحد أكبر التهديدات المناخية لإنتاج الكاكاو لا يتمثل في الحرارة أو الجفاف فحسب، بل في هطول أمطار غزيرة في التوقيت الخاطئ من دورة نمو الشجرة، بحسب دراسة نُشرت في دورية "بي إن إيه إس" (PNAS) العلمية المرموقة.
تفاصيل الدراسة ونتائجها الأساسية
قادت الدراسة الباحثة آنا ليا ألبرايت من قسم علوم الأرض والكواكب بجامعة هارفارد الأمريكية، حيث أشارت إلى أن البحث ينقل التركيز من متوسط الأحوال المناخية إلى الظواهر الجوية القصيرة والمكثفة. وبعبارة أخرى، فإن المسألة لا تتعلق فقط بكمية الأمطار الهاطلة خلال العام، بل بتوقيت سقوطها، خصوصًا حين يتزامن مع مراحل حساسة من نمو الشجرة كالإزهار وتشكل القرون الصغيرة.
بدأ فريق البحث دراسته من غانا، ثاني أكبر منتج للكاكاو عالميًا بعد ساحل العاج، مستخدمًا سجلات إنتاج على مستوى المقاطعات صادرة عن مجلس الكاكاو الغاني، وتغطي 66 مقاطعة منتجة للكاكاو خلال الفترة من موسم 2000/2001 حتى موسم 2022/2023، إضافة إلى تقدير حجم الخسائر في موسم 2023/2024 الذي شهد خسائر حصاد كبيرة في غرب أفريقيا.
وعند مطابقة سجلات الإنتاج ببيانات الأمطار ودرجات الحرارة اليومية، توصل الباحثون إلى أن إشارتين مناخيتين مجتمعتين تفسران نحو 68% من التفاوت السنوي في محصول الكاكاو بغانا: هطول أمطار مفرطة خلال موسم الأمطار الرئيسي (من أبريل إلى يونيو)، وظروف أكثر جفافًا خلال الموسم الجاف (من نوفمبر إلى فبراير).
كيف تضر الأمطار الغزيرة بأشجار الكاكاو؟
تكشف النتائج صورة أكثر تعقيدًا من الفكرة الشائعة القائلة إن الكاكاو يحتاج ببساطة إلى مزيد من الأمطار. صحيح أن أشجار الكاكاو تتطلب رطوبة مستمرة، لكن الأمطار الغزيرة في التوقيت غير المناسب قد تكون مدمرة. ففي غانا، يتزامن موسم الأمطار من أبريل إلى يونيو مع مرحلة الإزهار وتكوّن القرون الصغيرة التي تسهم لاحقًا في الحصاد الرئيسي.
ويمكن للأمطار الغزيرة أن تُلحق ضررًا ماديًا بالأزهار والقرون الصغيرة، وأن تعطل عملية التلقيح، كما تهيئ ظروفًا مواتية لانتشار أمراض فطرية مثل مرض تعفن القرون الأسود (black pod disease)، إذ يساعد اندفاع مياه الأمطار على نقل العدوى من النباتات أو التربة المصابة إلى القرون السليمة.
واختبر الفريق البحثي الأنماط ذاتها خارج غرب أفريقيا، مستخدمين بيانات إنتاج وطنية من الإكوادور وإندونيسيا، فوجدوا علاقة سلبية ثابتة بين غزارة أمطار الموسم الرطب وإنتاجية الكاكاو. وكانت هذه العلاقة أوضح في الإكوادور، بينما جاءت الإشارة أضعف في إندونيسيا، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى عوامل غير مناخية، من بينها تحول بعض المزارعين من زراعة الكاكاو إلى محاصيل أخرى كزيت النخيل والقرنفل.
صلة الظاهرة بالتغير المناخي
يرتبط جزء من موجات الأمطار الغزيرة المتطرفة بأنماط مناخية واسعة النطاق مثل ظاهرة النينيو وتغيرات درجة حرارة سطح البحر. ومع ارتفاع درجة حرارة الهواء، تزداد قدرته على حمل الرطوبة، وتُظهر النماذج المناخية عمومًا توقعات بتكثف ظواهر الأمطار الغزيرة في مناطق عديدة مع استمرار الاحترار العالمي، وهو ما قد يشكل خطرًا متزايد الأهمية على الكاكاو، لا سيما في غرب أفريقيا التي رصدت الدراسة فيها مؤشرات على تصاعد وتيرة الأمطار الغزيرة خلال العقود الأخيرة.
وأقر الباحثون بعدة حدود منهجية لدراستهم؛ إذ استخدموا بيانات الإنتاج على مستوى المقاطعات في غانا كبديل عن بيانات الغلة الفعلية لعدم توفر بيانات موثوقة عن المساحات المحصودة سنويًا بالدقة نفسها. كما تباينت نتائج تحليل الأمطار بحسب قاعدة البيانات المستخدمة، إذ أظهرت قاعدة بيانات "تامسات" (TAMSAT) إشارة أوضح للأمطار الغزيرة مقارنة بقاعدتي "تشيربس" (CHIRPS) و"بيرسيان" (PERSIANN). كذلك لم يستبعد الباحثون تأثير عوامل غير مناخية أخرى، منها تقادم الأشجار والتعدين والتهريب والأمراض وضعف التلقيح وتقلب الأسعار وممارسات إدارة المزارع.
ما علاقة ذلك بصناعة الشوكولاتة؟
لا يقتصر الكاكاو على كونه المادة الخام لصناعة الشوكولاتة، بل يمثل مصدر الدخل الرئيسي لنحو ستة ملايين مزارع صغير حول العالم، ويُعيل عشرات الملايين ممن ترتبط سبل عيشهم بزراعة الكاكاو وتجارته وتصنيعه. وقد سبق أن حذرت أبحاث أخرى من أن ارتفاع درجات الحرارة قد يقلص مساحات الأراضي الصالحة لزراعة الكاكاو في غانا وساحل العاج بحلول عام 2050، في وقت تعتمد فيه هاتان الدولتان على الكاكاو كمصدر رئيس للدخل الزراعي.
حلول مقترحة لمواجهة التهديد
يرى فريق ألبرايت أن النتائج يمكن أن تسهم في تحسين أنظمة الإنذار المبكر لمزارعي الكاكاو؛ فإذا استطاعت التنبؤات الموسمية تحديد الفترات التي يُرجَّح فيها هطول أمطار مضرة، يصبح بمقدور المزارعين والمرشدين الزراعيين التحرك مبكرًا عبر تكثيف مراقبة الأمراض، وضبط توقيت استخدام المبيدات الفطرية، وإدارة الظل وكثافة الأشجار، وحماية الأزهار والقرون الهشة.
وتتقاطع هذه المقترحات مع توصيات دراسات ميدانية أخرى أُجريت في مناطق زراعة الكاكاو الغانية، من أبرزها:
زراعة أصناف مقاومة للجفاف والتبكير في زراعة البذور، إلى جانب التحميل الزراعي (intercropping) والتغطية بالمهاد (mulching) كأساليب تكيف يعتمدها المزارعون فعليًا.
توسيع أنظمة الزراعة الحرجية (agroforestry) عبر الحفاظ على أشجار الظل، وهي ممارسة تبناها بالفعل أكثر من 70% من المزارعين في دراسات ميدانية كاستجابة للتغير المناخي.
الاستثمار في الري التكميلي، إذ تشير أبحاث حديثة تعتمد نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد إلى وجود إمكانات لتوفير مياه جوفية وسطحية يمكن توجيهها لدعم الري الذكي مناخيًا في حزام الكاكاو الغاني.
تنويع مصادر الدخل للمزارعين بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على الكاكاو، خصوصًا في المناطق الأكثر جفافًا حيث تنخفض الغلة بشكل ملحوظ مقارنة بالمناطق الرطبة.
إعادة توجيه سياسات التكيف المناخي نحو مزارعي الكاكاو أنفسهم وليس الأشجار فقط؛ إذ دعا بحث آخر أجراه فريق يضم باحثين من جامعة هارفارد وجامعة كوامي نكروما الغانية للعلوم والتكنولوجيا إلى توسيع مفهوم "الصمود" ليشمل الصحة وظروف العمل والوصول إلى التمويل وأمن المياه، لا الإنتاجية وحدها.
يبقى التحدي الأكبر، بحسب الباحثين، هو تحويل هذه النتائج العلمية إلى أدوات عملية تصل إلى صغار المزارعين في الوقت المناسب، قبل أن تتحول موجات الأمطار الغزيرة المتزايدة إلى تهديد بنيوي لسلسلة إمداد الشوكولاتة عالميًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك