هل القراءة في الحمام تُحسّن استيعاب المعلومات فعلاً؟ الحقيقة العلمية وراء ادعاء متداول
انتشر مؤخرًا عبر منصات التواصل الاجتماعي ادعاءٌ يقول إن استيعاب المعلومات النصية يتحسّن بنسبة 75% عند القراءة في الحمام، غير أن البحث في الأدبيات العلمية والدراسات المتاحة لم يُظهر وجود أي مصدر أكاديمي موثّق يدعم هذا الرقم تحديدًا. ويبدو أن الادعاء أقرب إلى مزحة متداولة على الإنترنت منها إلى نتيجة بحثية فعلية.
عادة قديمة قِدَم الكتابة نفسها
القراءة أثناء الجلوس في الحمام ليست ظاهرة حديثة، إذ ترجع جذورها إلى قرون مضت. فقد وثّق فيليب ستانهوب، إيرل تشيسترفيلد الرابع، حكاية عن رجل حرص على استثمار الوقت حتى في لحظات قضاء الحاجة، فكان يقرأ الشعراء اللاتينيين خلالها، وهو ما يشير إلى أن هذه العادة ضاربة في التاريخ.
ومع دخول الهواتف الذكية إلى حياة الناس، تصاعدت هذه العادة بشكل ملحوظ؛ إذ أظهرت دراسة أُجريت في إسرائيل عام 2009 أن غالبية البالغين يقرأون من هواتفهم أثناء الجلوس على المرحاض، فيما كشفت دراسة لشركة فيرايزون عام 2015 أن 90% من مستخدمي الهواتف المحمولة يعترفون بالقراءة من هواتفهم في الحمام. كما وصفت الكاتبة الكندية مارغريت أتوود عام 2011 القراءة في الحمام بأنها نوع خاص من القراءة المتقطعة، يمنح الشخص عزلة لا يقدر أحد على مقاطعتها فيها. (Wikipedia)
ما تقوله الأبحاث فعلاً عن تحسين الاستيعاب والتذكّر
رغم غياب رقم موثّق يخص "القراءة في الحمام" تحديدًا، توجد أبحاث جادة تناولت عوامل تُحسّن استيعاب المعلومات وتثبيتها في الذاكرة:
تأثير الإنتاج (Production Effect): توصلت دراسة أجرتها جامعة واترلو الكندية إلى أن قراءة المعلومات بصوت مرتفع تزيد احتمال تذكرها مقارنة بالقراءة الصامتة. وأوضح الباحث كولن ماكلاود، رئيس قسم علم النفس بالجامعة والمُشارك في إعداد الدراسة مع الباحث نوح فورين، أن الجمع بين النطق والاستماع لصوت الذات هو ما يمنح التأثير الأكبر على الذاكرة. واختبرت الدراسة، التي شملت 95 مشاركًا، أربعة أساليب للتعلم هي: القراءة الصامتة، والاستماع لشخص آخر يقرأ، والاستماع لتسجيل صوتي للشخص نفسه، والقراءة بصوت مرتفع في الوقت الفعلي، وأظهرت النتائج أن القراءة بصوت مرتفع كانت الأسلوب الأكثر فاعلية في التذكر. (Study finds reading information aloud to yourself improves memory +2)
القراءة المنتظمة وحماية الذاكرة: أشارت دراسة نُشرت في دورية JAMA Psychiatry عام 2018، أجراها باحثون من هونغ كونغ، إلى أن القراءة اليومية قد تسهم في خفض خطر الإصابة بالخرف. كما بيّنت دراسة أحدث نُشرت عام 2023 في دورية Frontiers in Psychology، بقيادة الباحثة ليز ستاين-موريسون، أن القراءة الترفيهية المنتظمة والمُنخرط فيها بجدية يمكن أن تعزز مهارات الذاكرة لدى كبار السن.
تغيير مكان الاستذكار: يشير علماء نفس منذ زمن إلى أن تبديل مكان المذاكرة أو القراءة المعتاد قد يحسّن التثبيت الذهني للمعلومة، وهو مبدأ عام في علم النفس المعرفي لا يقتصر على الحمام تحديدًا، لكنه يُطبَّق أحيانًا كنصيحة طريفة لطلاب الامتحانات المهنية.
ختاما
لا يوجد حتى الآن أي دليل علمي يدعم رقم "75%" المتداول بخصوص القراءة في الحمام. لكن العزلة والهدوء اللذين يوفرهما هذا المكان، إلى جانب عوامل مثبتة علميًا كالقراءة بصوت مرتفع والقراءة المنتظمة وتغيير بيئة الاستذكار، قد تفسر لماذا يشعر كثيرون بأنهم يستوعبون ما يقرؤونه بشكل أفضل في تلك اللحظات الهادئة، حتى وإن كان السبب نفسيًا وسلوكيًا أكثر منه معجزة فسيولوجية مرتبطة بالمكان تحديدًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك