أهكذا تحسب الأعمار؟
في جريدة الأيام الفلسطينية، التي تصدر في رام الله كتب الدكتور عادل الأسطة بتاريخ 13/ أيلول 2026 مقالًا بعنوان "في احتساب الأعمار فلسطينيًا" انطلق فيه من نقل أحد الصحافيين عن أهل غزة، إجابتهم على سؤاله عن أعمارهم، بأن معظمهم ينتقصون منها سنوات الحرب الثلاث، وآخرين يزيدون عليها ثلاثة عقود.
تناول الأسطة المثل الشعبي الفلسطيني المعروف عن جبر (رحمه الله) ونصه:" جبر من بطن أمه إلى القبر" الذي يشير إلى احتساب العمر بعدد اللحظات الجميلة أو الأيام السعيدة، التي يقضيها الإنسان بعيدًا عن الفقر والمرض، والشقاء والحروب.
وقصة المثل يتداولها الناس بطرق مختلفة، وملخصها بأن رجلًا اسمه جبر زار مدينة، وشارك أهلها في تشييع رجلٍ مسنّ. وعندما وصل إلى المقبرة، لاحظ أن شاهد قبره يقول إنه عاش ستين يومًا فقط، مع أنه كان طاعنًا في السن. تعجّب جبر وسأل عن السبب، فقيل له إن أهل المدينة لا يحسبون عمر الإنسان بعدد السنوات التي قضاها حيًّا، وإنما بعدد الأيام التي عاشها سعيدًا. ولذلك قد يعيش الرجل منهم سبعين سنة، لكنهم يكتبون على قبره أنه عاش أيامًا قليلة؛ لأنها وحدها كانت أيام سعادته الحقيقية.
يطبق الأسطة المثل "جبر من بطن أمه إلى القبر" على أهل غزة، الذين عاشوا حروبًا متتالية منذ انتفاضة الأقصى عام 2000م، حتى حرب المجزرة الأخيرة. يقول في مقاله:" في كتابتي تساءلت:- ماذا لو طبقنا الأمر(ما جاء في المثل) على أهل قطاع غزة، الذين عاشوا حروبًا متتالية منذ انتفاضة الأقصى (٢٨/ ٩/ ٢٠٠٠)؟ من المؤكد أن العبارة الغالبة هي «من بطن أمه للقبر"
ويكرر الدكتور عادل الفكرة في كتاباته الكثيرة، كما ورد في قصته القصيرة، التي أرسلها إلي، وذكرها في المقال، وكانت بعنوان "جبر الغزاوي من بطن أمه إلى القبر" كتبها عام 2024م وأورد في نهايتها وصية جبر ليس لأهل غزة فحسب بل للفلسطينيين جميعهم" ينبغي أن يكتب كل فلسطيني يقيم في الأرض الفلسطينية على شاهد قبره حين يموت: الفلسطيني من بطن أمه إلى القبر."
ووجه الغرابة أن الأسطة لا ينسى أنه طبق هذه الحسبة على احتساب عمره. فيذكر أنه في أجواء ترقب الحرب بين إسرائيل وإيران وحزب الله كان يردد:" يا ساتر استر، وإن لم تستر فاكتبوا على شاهد قبري - إن حظيت بقبر-: عادل الأسطة من بطن أمه للقبر"
من المعروف، كما قيل في المثل الشعبي" أبو المثل ماخلى شيء ماكاله". بمعنى أن المثل يقال في أي جانب من جوانب الحياة أقوالًا متناقضة تُرضي العقول كافة. والحقيقة أن الإنسان أي إنسان، يكابد الحياة، "لقد خلقنا الإنسان في كبد" فيمكن إذا سايرنا الناس في استخدام المثل أن ينطبق ما قاله جبر على كل إنسان، وليس على جماعة معينة من البشر. هذا الفهم نستطيع قبوله، ونحن نسمع ترداد المثل على ألسنة الناس في أحاديثم الشاكية والباكية. لكن من غير الصواب قبوله في مقال نقدي، ونقله إلى عالم الفكر والحقيقة، للتعبير عن بؤس الإنسان وشقائه في الحياة؛ فإن النظر إلى العمر حسب نظرة جبر، واحتسابه كما حسبه ظلم واضح، وبخاصة في وصف أعمار أهل غزة الصامدين على أرصهم، والصابرين على الجوع والظمأ، والمقاومين ظلم الاحتلال وبطشه. فليس من الصواب أو المناسب وطنيًا وعربيًا وإنسانيًا القول بأنهم يحسبون أعمارهم، بأنها بلا معنى كما حسب جبر عمره في المثل، فعمرهم لا يحسب هذه الحسبة، إنما يحسب، كما أرى، بمقدار ما قدموا من تضحيات، وبمقدار ما أظهروا من بطولات، في المقاومة والصمود دفاعًا عن وطنهم وكرامتهم، تلك الأعمال موطن عظمتهم، وتجلي ذكرياتهم ستبقى في عقول الناس، ويستمر تأثيرها في الأجيال القادمة، ويخلدها التاريخ، لقد مروا من بطون أمهاتهم إلى حيث الحياة والخلود. قضوا نحبهم شهداء.
كما ليس من المعقول أن يحسب عمر أهل غزة بمقياس المثل الشعبي فإن من غير المعقول أيضًا أن يحسب الدكتور عادل عمره بمثل تلك الحسبة، فقد امتلأ عمره بالإنجازات الأكاديمية والأدبية، وما زال عطاؤه مستمرًا، وليس له أن يقيسه بعدد الأيام الجميلة كما جبر، ولا حتى بملاعق القهوة المقياس الزمني للشاعر ت. س. إليوت في قصيدته "أغنية حب ج. ألفرد بروفروك" التي يقول فيها "كِلتُ حياتي بملاعق القهوة" “I have measured out my life with coffee spoons.” فبطله بروفروك استهلك عمره في وحدات صغيرة متشابهة: فنجان بعد فنجان، وزيارة بعد زيارة، وحديث اجتماعي بعد حديث، من غير حدث كبير، أو قرار خطير. فلم يكن يخطر ببال إليوت مقياس جبر وهو ينظم قصيدته، إنه يحتج على المؤسسات الرأسمالية العسكرية، التي تحكمت بالناس، وجعلت حياتهم مملة وقاسية بسبب ويلات الحرب العالمية الثانية التي شنتها أثارتها تلك المؤسسات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك