برنامج الأغذية العالمي: تمويل عمليات السودان يتراجع إلى النصف وسط تصاعد حدة الجوع
كشف المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، كارل سكاو، أن تمويل عمليات البرنامج في السودان تراجع بنحو النصف خلال العام الحالي مقارنة بالعام الماضي، في وقت تدفع فيه الحرب المستمرة مزيداً من السكان نحو الجوع، وسط تحذيرات من أن نقص الموارد المالية يحول دون الاستفادة الكاملة من إمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة.
تفاصيل الفجوة التمويلية
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن تصريحات سكاو، فقد تلقى البرنامج العام الماضي نحو 645 مليون دولار، في حين لم يتجاوز التمويل حتى الآن هذا العام 206 ملايين دولار فقط، رغم أن العام شارف على إتمام ثلاثة أرباعه. وقال سكاو في تصريحاته: "هذا العام نحن عند نحو نصف ما كنا عليه من تمويل العام الماضي".
وأوضح المسؤول الأممي، الذي تحدث من إقليم دارفور عقب جولة شملت عدة مناطق في البلاد، أن الفجوة اللازمة لاستمرار العمليات الحالية للبرنامج تقترب من 300 مليون دولار. ونقلت وكالة الأنباء الأممية "يو إن نيوز" عن سكاو، في تصريحات لاحقة للصحفيين في نيويورك عقب زيارة استمرت ثمانية أيام للسودان، تحذيره من وجود "خطر أن نضطر إلى تقليص عملياتنا بشكل كبير خلال الأسابيع المقبلة ما لم يتم توفير مزيد من التمويل".
تحول في طبيعة العائق: من الوصول إلى التمويل
لفت سكاو إلى تحول لافت في طبيعة العقبات التي تواجه العمل الإنساني في السودان، إذ قال إنه في حين كان الوصول إلى المناطق المتضررة يمثل في السابق العائق الأكبر أمام العاملين في المجال الإنساني، فإن البرنامج بات اليوم يملك "حضوراً لا نستغله بشكل كامل بسبب نقص التمويل"، بحسب ما نقلته صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية.
أرقام الأزمة الإنسانية
ووفقاً لتقديرات نقلتها عدة وسائل إعلام عن سكاو، فإن الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي اندلعت في أبريل 2023، تسببت في نزوح ما يصل إلى 14 مليون شخص، إضافة إلى تدمير المحاصيل الزراعية وإنهاك الاقتصاد الوطني. ويواجه ما يقرب من 20 مليون شخص في السودان الجوع، فيما يعيش نحو 5 ملايين شخص مستويات طارئة منه، بينهم قرابة 200 ألف شخص يعانون من مستويات كارثية من نقص الغذاء.
ورغم أن دفعت التخفيضات في الموازنة البرنامجَ إلى تركيز جهوده على الفئات الأكثر احتياجاً من بين الخمسة ملايين شخص، فإنه تمكن مؤخراً من توسيع نطاق مساعداته ليصل إلى نحو 4 ملايين شخص، ويصل البرنامج شهرياً إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص، من بينهم نحو 2.5 مليون في بعض أصعب المناطق وصولاً في البلاد، بحسب صحيفة "ذا ناشونال".
نماذج ميدانية: تاويلا والأبيض والفاشر
في مدينة تاويلا بشمال دارفور، التي تؤوي حالياً نحو مليون نازح، أشار سكاو إلى أن البرنامج يقدم المساعدة لنحو 950 ألف شخص شهرياً، لكن بحصص غذائية مخفضة لا تغطي سوى نصف الاحتياج، أي ما يكفي لأسبوعين فقط من الشهر. وقال في هذا الصدد: "ليس واضحاً كيف يتدبرون أمرهم فعلياً خلال الأسبوعين المتبقيين"، بحسب ما نقلته وكالة رويترز وصحيفة "آراب نيوز".
أما في مدينة الأبيض بوسط السودان، التي استقبلت نحو مليون نازح ولا يزال عددهم في تزايد منذ اندلاع الحرب، فأوضح سكاو أن البرنامج بات قادراً فقط على تقديم المساعدة لمن وصلوا خلال الأشهر القليلة الماضية، مضيفاً: "نحن نقدم المساعدة، لكن بشكل أقل فأقل. قبل عام كان الوضع أفضل بسبب توفر الموارد".
وفي مدينة الفاشر، التي كانت تضم نحو مليون نسمة قبل الحرب وتعرضت لهجوم من قوات الدعم السريع العام الماضي وصفه محققون بأنه "يحمل سمات الإبادة الجماعية"، بدأ البرنامج مؤخراً تقديم مساعدات محدودة، فيما قال سكاو إن "لا مؤشرات تذكر" على عودة الحياة إلى المدينة. وبحسب صحيفة "ذا ناشونال"، فإن 20 ألف شخص فقط في الفاشر يتلقون حالياً مساعدات غذائية منقذة للحياة.
تحذيرات أممية موازية
لم يقتصر التحذير على برنامج الأغذية العالمي، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن الإمدادات الإغاثية الطارئة الموجهة لمئات الآلاف من النازحين جراء الحرب قد تنفد خلال أسابيع ما لم يتدخل المانحون بتمويل عاجل، بحسب ما ورد في تقرير لوكالة رويترز. كما أشارت وكالة الأنباء الأممية إلى أن نظام "خط الأنابيب الإنساني المشترك"، الذي تديره المنظمة الدولية للهجرة ويتيح لأكثر من 100 شريك تقديم المساعدات، وصل إلى 2.84 مليون شخص منذ يوليو 2023، إلا أن نطاق تغطيته يتقلص عاماً بعد عام بسبب تراجع التبرعات وسط تنافس أزمات عالمية أخرى على الاهتمام الدولي.
ونقلت "يو إن نيوز" عن سكاو قوله إن أزمة السودان "لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه على الإطلاق"، مضيفاً أن برنامج الأغذية العالمي في السودان ممول بنحو الثلث فقط من احتياجاته.
وطبقا لما ذكرته منصة "دابنقا" الإخبارية السودانية، فإن سكاو ربط بين عدة عوامل متزامنة تفاقم من صعوبة الوضع في السودان، من بينها استمرار النزاع الذي يغذي النزوح ويعطل الأسواق وحركة التجارة، إضافة إلى الاضطرابات الملاحية في محيطي باب المندب وهرمز التي تؤثر على بلد يعتمد بشكل كبير على موانئه على البحر الأحمر، فضلاً عن الصدمات المناخية التي باتت تهدد الإنتاج الزراعي.
جدير بالذكر أن أزمة السودان الإنسانية، بحسب تصنيف الأمم المتحدة، تعد أكبر أزمتي جوع ونزوح في العالم حالياً.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك