صراعات المياه: حين تتحوّل الأنهار المشتركة إلى ساحة نفوذ جيوسياسي
في وقتٍ تتصاعد فيه أزمات المياه العابرة للحدود من حوض النيل إلى نهري دجلة والفرات، يطرح كتاب "صراعات المياه: التحدي الجيوسياسي الكبير للسنوات المقبلة" للكاتب خافيير ديل فالي (الصادر عن دار Rosamerón) أطروحة تخالف التفسير الشائع لهذه الأزمات، إذ يرى أن المياه لا تتحول إلى مصدر نزاع بفعل ندرتها وحدها، بل بفعل طريقة إدارتها والقواعد التي تمكّن الدول الأقوى من التحكّم في توزيعها.
من "حروب الندرة" إلى "حروب الحوكمة"
تعود فكرة أن المياه ستكون سبب الحروب القادمة إلى تصريح شهير نُسب إلى الدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي في الثمانينيات، حين تحدث عن أن الحرب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون بسبب المياه لا السياسة. هذا الطرح سيطر على الأدبيات السياسية لعقود، لكن الكتاب موضوع هذا التقرير يقترب أكثر من تيار بحثي أحدث يربط النزاع المائي بغياب الحوكمة العادلة أكثر من ربطه بكمية الموارد المتاحة نفسها.
هذا التحول في الإطار التحليلي يجد سندًا في بيانات حديثة: فبحسب معهد المحيط الهادئ (Pacific Institute)، الذي يدير قاعدة البيانات الأشمل عالميًا حول العنف المرتبط بالمياه، شهد العالم مستويات قياسية من العنف المرتبط بموارد المياه، إذ سُجّل 420 حادثًا في عام 2024 وحده، بزيادة نحو 20% عن عام 2023 و78% عن عام 2022، مقارنة بـ24 حادثًا فقط سُجّلت عالميًا في عام 2000. واللافت في هذه البيانات أن 61% من حوادث 2024 كانت هجمات على البنية التحتية المائية، بينما نشأ 34% منها عن نزاعات حول الوصول إلى المياه أو التحكم فيها، ولم تتجاوز نسبة استخدام المياه كسلاح حرب مباشر 5% فقط — وهو ما يدعم أطروحة الكتاب بأن جوهر الأزمة يكمن في السيطرة والإدارة، لا في ندرة المورد بحد ذاته.
كما يشير المعهد إلى أن النزاعات دون الوطنية بين المزارعين والرعاة في أفريقيا، ومستخدمي المياه في المدن والريف، والجماعات الدينية والعشائرية، تفوق عدديًا بكثير النزاعات بين الدول، وهو تفصيل يعزز فكرة أن اختلال موازين القوة المحلية لا الدولية وحدها هو ما يشعل التوتر حول الموارد المشتركة.
النيل نموذجًا: حين تصبح القواعد ساحة الصراع الحقيقية
يجد هذا الإطار التحليلي مصداقية مباشرة في الملف الأكثر إلحاحًا بالنسبة للقارئ المصري: سد النهضة الإثيوبي. فقد دشّنت إثيوبيا رسميًا سد النهضة الكبير في سبتمبر 2025 دون التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيله، ما أثار مخاوف عميقة على أمن المياه في دول المصب. حفل التدشين حضره عدد من رؤساء دول المنطقة، بينما اكتفت القاهرة، بحسب تغطيات إعلامية، بمتابعة التطورات دون مشاركة رسمية في الحفل.
هذا المثال يجسّد بدقة أطروحة ديل فالي المركزية: فالنزاع هنا لا ينشأ عن شح مطلق في المياه بقدر ما ينشأ عن غياب إطار قانوني وتنظيمي متفق عليه يحدد قواعد الملء والتشغيل بين دول المنبع والمصب — أي أن المعركة الحقيقية هي معركة على "من يكتب القواعد"، تمامًا كما يذهب الكتاب.
بُعد عالمي متنامي
الأزمة ليست إقليمية محصورة؛ إذ يؤكد "برنامج الأمم المتحدة للمياه" أن نحو 60% من مياه العالم العذبة تأتي من مسطحات مائية عابرة للحدود، ما يجعل التعاون بين الدول المتشاطئة شرطًا أساسيًا للاستقرار، بينما لا يزال واحد من كل أربعة أشخاص في العالم يفتقر إلى مياه شرب مُدارة بأمان بحسب بيانات اليونيسف لعام 2025.
يظل السؤال مطروحًا حول إمكانية الفصل الكامل بين "سوء الإدارة واختلال موازين القوة" من جهة و"الندرة" من جهة أخرى، ذلك أن الندرة الشديدة هي ما يرفع أصلاً قيمة السيطرة على المنبع ويجعل اختلال ميزان القوة أكثر كلفة على الطرف الأضعف. الكتاب، في هذا السياق، لا ينفي دور الندرة بقدر ما يعيد ترتيب أولويتها في التفسير، واضعًا الحوكمة والقواعد الدولية في صدارة المشهد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك