من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة في كتاب"ذاكرتي الأدبية" للكاتب د. ناصر عبدالله تركي البكر

د. بسيم عبدالعظيم عبدالقادر - شاعر وناقد أكاديمي كلية الآداب ـ جامعة المنوفيةرئيس لجنة العلاقات الخارجية باتحاد كتاب مصر
قراءة في كتاب



"ذاكرتي الأدبية" للكاتب د. ناصر عبدالله تركي البكر، رحلة ذاتية توثق علاقة المؤلف الوجدانية بالكلمة المكتوبة وعوالم القراءة، ويمزج العمل بين السيرة الذاتية والنقد الأدبي، حيث يستعرض بأسلوب سردي أنيق بدايات شغفه باللغة منذ الطفولة وتأثير المكتبة في تشكيل وعيه، كما يتضمن الكتاب رسائل تقديرية وجهها المؤلف لأدباء وشعراء رحلوا، معرجًا على محطات إلهام من الأدب العربي الكلاسيكي والحديث، ويبرز النص دور القراءة والكتابة كأدوات لبناء الهوية وتحقيق السلام الروحي، مؤكدًا على قيمة الأدب كجسر يربط بين الذات والعالم.


تشكلتْ الذاكرة الأدبية للكاتب عبر روافد غنية من قراءات متنوعة ومؤثرين بارزين:


أبرز الكتب والأدباء الذين شكلوا ذاكرته الأدبية


أسهمتْ العديد من المؤلفات والرموز الأدبية الكلاسيكية والحديثة في بناء وعي الكاتب وتوجيه قلمه، ومِنْ أهمها:


صيد الخاطر لابن الجوزي: هو الكتاب الفريد الذي يصفه المؤلف بأنه لم يطرق بابَ فكره فحسب، بل دخل إلى قلبه بسكينة وضياء، وترك فيه أثرًا لا يُمْحَى.


الكامل في اللغة والأدب للمبرد: علَّمه هذا الكتاب كيف يتجاور البيان مع السخرية، وكيف يكون الأدب تذوقًا حيًّا وليس مجرد تصنيفات جافة.


طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي: غرس فيه احترام التراكم الأدبي، ووعي التنوع في الأصوات الشعرية، ودرَّبه على الفهم النسبي لمستويات الجودة.


النظرات للمنفلوطي: يمثل للكاتب "أبوة أدبية" سبقتْ مرحلة كتابته الخاصة؛ حيث تعلم منه أنَّ البلاغة صدق لا صخب، وأنَّ الأدبَ رهافةُ حِسٍّ لا فخامة تعبير.




أدب الكاتب لابن قتيبة الدينوري: كان بمثابة مفتاح لأدبِ اللغة، وعلَّمه أنَّ الكاتب لا يُقاس بطول سطوره بل بسلامة بيانه وصدق منطقه.


البيان والتبيين للجاحظ: يراه المؤلف كعالم متكامل من الفكر المدهش، تلتقي فيه العبقرية بالجنون الجميل.


وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي: يعتبره كتاب الروح العربية المكتوب بلغة النقاء والبيان الصادق، وهو الكتاب الذي طور إحساسه بالعبارة وعلمه أنْ يكتبَ ليقول ويعبر لا ليملأ الصفحات.


والده (عبد الله تركي البكر): هو المؤثرُ الأكبر ومهندس لغته الأول، الذي صنع في داخله نواة اللغة وشرارة الشغف وبوصلة التوجه الأدبي والأكاديمي.


المتنبي وأبو العتاهية والإمام الشافعي: استقى مِنْ الشافعي الحكمة الممتزجة بالفصاحة، ومِنْ أبي العتاهية عمق الزهد والصدق الذي يخرج من القلب، ومِنْ المتنبي روح التطلع والصمود وقوة الفروسية والفكر.


مجموعة من المفكرين والأدباء الآخرين: تأثر كذلك بروَّاد مثل دوستويفسكي، والطبري، وابن الأثير، وابن القيم، وكونفوشيوس، والأديب السعودي عبد الكريم الجهيمان الذي استلهم منه صدقَ الكتابة والارتباط بالبيئة المحلية.


علاقة الكاتب باللغة العربية وتأثير المجالس الأدبية


العلاقة باللغة العربية:


يرى الكاتب أنَّ اللغة ليستْ مجرد أداة تواصل أو وعاء للمعنى، بل هي "وطن" و"هوية". 


يصف كتابته بالعربية بأنه يكتبُ بروحه، معتبرًا العربية هي الأم، وصوت القلب، ونداء الماضي، وحبل النجاة.


تأسستْ هذه العلاقة الوثيقة بفضل والده الذي جعله ينشأ على رفيع الأدب، ومارسَ معه أسلوبًا تربويًّا ذكيًّا من خلال تخبئة المصروف داخل الكتب ليربط أبناءه بالكتاب وجدانيًّا وثقافيًّا.


تأثير المجالس الأدبية عليه:


يصف الكاتب هذه المجالس بأنَّها لم تكن مناسبات اجتماعية عابرة، بل كانت "مدارسَ روح وفكر وأدب" يمتزج فيها نور العقل بدفء الروح.


تعلَّم في مجالس الشعراء والروائيين والعلماء أنَّ البلاغة لا تسكنُ بطونَ الكتب وحدَها بل تجسدتْ أمامه في هيئة شيوخ مُهابين وأساتذة هادئين.


كان يخرج من كل مجلس وهو يحمل احترامًا أكبرَ للعقل وحُبًّا أشدَّ للحرف، ومُوقنًا بأنَّ الفكر إذا خالط القلوب صار زادًا لا يُشترى.


وتمثل له هذه المجالس مساحة معرفية راقية لا يعلو فيها صوتٌ فوق صوت المعرفة، ولا يُكرم فيها أحد كما يُكرم السؤال.


الفرق بين كتابة الشعر وكتابة النثر


يرى المؤلف فرقًا جوهريًّا وحالة شعورية متباينة في التعامل مع كل مِنْ الفنّين:


يصف الشعر بأنه وسيلة للنجاة يلجأ إليها رغمًا عنه عندما تكون المشاعر طاغية وعاصفة.


في المقابل، يجد في النثر مُتَّسَعًا وفضاءً رحبًا لقول ما يعجز الشعر عن التعبير عنه وتصويره.


ويلخص هذا الفرق بصورة جمالية بليغة قائلًا: "النثر يمنحك الفضاء المفتوح، بينما الشعر يحملك في قارب صغير وسط عاصفة من المشاعر".


أثر والده في تشكيل شخصيته


لم يكن والد الكاتب، الأستاذ عبد الله بن تركي البكر، مجرد أب عابر، بل كان "الروح ومهندس اللغويين وشيخه" وصانع هويته الأدبية والأكاديمية الأول، ويتجلى هذا التأثير العميق في عدة جوانب:


مهندس اللغة والشغف الأول: يصف الكاتب والده بأنه كان "كائنًا لغويًّا يمشي على الأرض"، تنبعثُ القواعدُ من صوته والبيان من صمته، لم يدرس الكاتب النحو في منزله كمادة جافة، بل كان لغةً حيةً يتنفسها؛ حيث كان والده يعلمه فلسفة الحياة من خلال بنية الجملة، مُرددًا: "جملة العربية لا تكون فاعلة حتى تعرف فاعلها، وكذلك الإنسان"، كما علمه تذوقَ البلاغة بالقلب لا بمجرد الحفظ، قائلًا له: "فربما الاستعارة لم تدهشك إذا لم تقرأها بقلبك".

مهارات تربوية ذكية (خدعة المصروف المخبأ): اتبع الوالد أسلوبًا تربويًّا مبتكرًا لربط أبنائه بالكتاب وجدانيًّا وثقافيًّا في "مكتبته التي كانت ذاكرة القلب ونبض البيت"، فكان يخبئ مصروفهم اليومي بعناية داخل كتب محددة العناوين والمؤلفين، وبحثًا عن النقود، اضطر الأبناء لحفظ أسماء المؤلفين وعناوين الكتب والاعتياد على رائحة الورق، مما رسخ لديهم علاقة وجدانية وثيقة بالمعرفة.


القدوة والمسار الأكاديمي: كان والده خطيبًا مُفوَّهًا يشار إليه بالبنان، واللسان المتحدث باسم أهالي حائل في المحافل وزيارات الملوك (الملك فيصل، والملك خالد، والملك فهد)، وهذا الحضور المَهيب شجع الكاتب لفظيًّا ومعنويًّا حتى حصل بفضل الله ثم بفضل توجيهه على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي، ليقفَ اليوم في ذاتِ المنابر التي وقف فيها والده.


كتاب "إطلالة على المجتمع" وأدبه الاجتماعي: كان لكتاب والده "إطلالة على المجتمع" أثرٌ بالغٌ في توجيه فكر الكاتب؛ إذ تعلم منه أنَّ المثقف الحقيقي لا يعيش في برج عاجي، بل يكتب للناس ومِنْ داخل صفوفهم، مما شكل اللبنات الأولى لاهتمامه بالأدبِ الاجتماعي.


خلاصة الفضل: يلخص الكاتب أثر والده بعبارة وجدانية بليغة: "إنْ كان لك من فضل عليَّ، فهو أنك لم تعلمني كيف أتحدثُ، بل كيف أكونُ".


أبرز القصائد التي غيرتْ حياة الكاتب


يقف الكاتب في ذاكرته عند قصائد معينة لم تمر عليه مرورًا عابرًا، بل "أعادتْ ترتيب ذاكرته، وأيقظتْ فيه بصيرة نائمة، وغرستْ مبادئ بقيتْ حية فيه":


1 ـ قصيدة العباس بن مرداس (رضي الله عنه):


أبرز أبياتها:


ترى الرجل النحيف فتزدريه / وفي أثوابه أسد هصور


   أثرها: لفتتْ انتباهه في مقتبل وعيه وأعادتْ تعريف مفهوم "الهيبة" لديه؛ فتعلَّم ألا يزن الرجال بالمظاهر والأحجام بل بالمواقف والجوهر، وصارتْ هذه القصيدة بمثابة "ميزان التقدير" الذي يحمله معه دائمًا.


2 ـ قصيدة معروف الرصافي "هي الأخلاق":


   أبرز أبياتها:


هي الأخلاق تنبت كالنبات / إذا سقيت بماء المكرمات


   أثرها: غيرتْ طريقته في النظر إلى السلوك البشري؛ إذ أدرك أنَّ الأخلاقَ نتيجة تربية وسِقاية مستمرة وليستْ أمرًا مفاجئًا، ومثلتْ نقطة تحول في فهمه للعلاقة الوثيقة بين الأدب والتربية.


3 ـ قصيدة طرفة بن العبد "إذا كنتَ في حاجة مرسلًا":


   أبرز أبياتها:


إذا كنت في حاجة مرسلًا / فأرسل حكيمًا ولا توصه


   أثرها: مثلتْ له "دليل السلوك النبيل"، وعلمته كيف يكون الإنسان صادقًا ومحلًّا للثقة، وصارتْ مرجعًا ذاتيًّا له عند اتخاذ القراراتِ ومراجعة مواقف الثقة.


4 ـ قصيدة بشامة بن حزن النهشلي:


   أبرز أبياتها:


إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا / ولو نسام بها في الأمن أغلينا


   أثرها: علمته التوازن الأخلاقي الرفيع؛ حيث الكرم الحقيقي هو بذل النفس دون تردد وقت الخطر، بينما تظل النفس العزيزة غالية لا تقدر بثمن وقت السلم.


5 ـ معلقة زهير بن أبي سلمى:


   أبرز أبياتها:


تداركتما عبسًا وذبيان بعدما / تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم


   أثرها: علمته فلسفة الأخلاق ورصانة الحكمة؛ فالمجد الحقيقي يكمن في إنهاء القتال والصلح لا في إشعاله، والانتصار الحقيقي هو انتصار العقل لا السيف.


6 ـ قصيدة حافظ إبراهيم (شكوى اللغة العربية):


   أبرز أبياتها:


رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي / وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي


   أثرها: نزلتْ عليه كبلسم في لحظات انكساره، وغرستْ فيه وعيًا بأنَّ الدفاع عن اللغة العربية ليس دفاعًا عن مجرد مفردات، بل هو دفاع عن الهوية، والأخلاق، والذاكرة الجمعية.


7 ـ قصيدة أبي إسحاق الإلبيري:


   أبرز أبياتها:


تفتُّ فؤادَك الأيامُ فتا / وتنحت جسمك الساعات نحتا


وكيف تحب ما فيه سجنتا؟


   أثرها: كانتْ بمثابة صرخة وعي أيقظته من غفلة التعلق بالدنيا الزائلة (السجن)، وغرستْ فيه رهبة المصير وجدية الرحلة، مكملةً أثر قصيدة المتنبي "الحُمَّى" التي أيقظتْ فيه الكبرياء النبيل.


تأثير كتاب "صيد الخاطر" على المؤلف


يحتل كتاب "صيد الخاطر" لابن الجوزي مكانة متفردة وقدسية خاصة في قلب الكاتب، فهو الكتاب الذي "لم يطرق باب فكره فحسب، بل دخل إلى قلبه بسكينة وضياء، وترك فيه أثرًا لا يُمْحَى"، ويتسع هذا التأثير في الوجدان الفكري للكاتب عبر نقاط جوهرية:


طبيب القلوب الصادق: يرى الكاتب في ابن الجوزي طبيبًا حقيقيًّا للقلوب، يخاطب النفس البشرية بضعفها ورغباتها دون تزييف أو ادعاء للمثالية المطلقة.


مرآة تكشف الإنسان كما هو: من خلال هذا الكتاب، تعلم الكاتب أنْ يرى الإنسان بضعفه البشري الحقيقي لا بما يدعيه من أقنعة، فأسلوبُ ابن الجوزي الساحر يمزجُ بين الضحك والدموع، لكنه يقود القارئ دومًا للتفكير المُعَمَّق.


الوعي بحقيقة الدنيا كـ "سجن": تأثر الكاتب بعمق بمفهوم الزهد المعتدل الذي يطرحه ابن الجوزي، متأملًا في مقولته الشهيرة الواردة في الكتاب: "يا هذا! ما لك وللدنيا؟! خُلِقْتَ للآخرة، وسُجنتَ في الدنيا، وأنتَ تحبُّ سجنك؟!"، وقد عمقتْ هذه الرؤية فهمه للتناقض الإنساني الذي يطلب الراحة ممن سلبه إياها (الدنيا).


صياغة فلسفته حول الكتابة والشعر: تعلم من الكتاب أنَّ الكتابة والشعر لا يكونان مؤثِرَين إلا إذا خرجا من القلب مباشرة لا مِنْ القاموس البارد، كما علَّمه أنَّ الحياة ليستْ مسرحًا للبطولات الوهمية والاستعراض، بل هي ممر ومعبر للمتأملين.


قصة "المصروف المخبأ"


تُعد هذه القصة واحدة من أذكى اللمسات التربوية لوالد الكاتب في مكتبته العامرة التي كانت تمثل قلب البيت النابض، فقد كان الوالد يخبئ مصروف أبنائه اليومي بعناية داخل أحد الكتب في زوايا المكتبة، ولم يكن يفعل ذلك عَشوائيًّا، بل يضعه داخل كتابٍ مُحددِ العنوان والمؤلف.


وكان الهدف مِنْ هذه الحيلة ربط الأبناء بالكتاب ربطًا وجدانيًّا وتربويًّا؛ حيث كان عليهم حفظ اسم المؤلف وعنوان الكتاب ليعرفوا أين يبحثون عن مصروفهم، مما جعلهم يعتادون رائحة الورق ويبحثون عن رزقهم بين دفتي العلم والمعرفة، وبهذه الطريقة الذكية، ربط الوالد بين الرغبة والمعرفة، فصار الأبناءُ لا ينسونَ الكتا

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11144
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.