الفصل السادس
نانسي:
- إذن والد ليديا علم بكل شيء.
- نعم بكل شيء نانسي.
- وأنت ماذا قررت؟
- قررت أن أسير وفق ماوعدت به ليديا.
- وهل هذا يكفي أستاذنا الجليل؟
- ستعرفين كل شيء من باقي حكايتي.
- بالطبع، استمع لك أستاذي.. تفضل.
.........
مرّت أيام قليلة لم نفترق فيها، لكن شيئًا خفيًا كان يتغير.
لم تعد لقاءاتنا عفوية كما كانت في البداية.
أصبحنا نحسب الوقت، ونختار الأماكن بعناية، ونلتفت خلفنا أكثر من مرة ونحن نسير
لم يكن أحد يلاحقنا....
لكن الخوف هو من بدأ يلاحقنا!
في مساء يوم خميس، اتصلت بي ليديا، وعلى غير عادتها الأخيرة، كان صوتها يحمل حماسًا حقيقيًا.
- الليلة الكبيرة لمولد سيدي المرسي أبو العباس اليوم!
ابتسمت.. - وإنتِ عرفتي منين؟
قالت بثقة:
- إسكندرية قالتلي!
- يعني؟
- المدينة دي بتحكي للي يحب يسمعها.
أضافت، وفي عينيها رغبة هادئة:
- عايزه أشوف المولد معاك.
- معايا أنا، مع انني لم أذهب إلى المولد في حياتي.
---
وصلنا إلى ميدان مسجد المرسي أبو العباس بعد غروب الشمس، ومنذ اللحظة الأولى شعرت أننا دخلنا عالمًا آخر.
كانت تلك زيارتي الأولى للمولد، أما هي فكانت غريبة عن هذا العالم، لكنها
دخلته بابتسامة هادئة، فقط لأنها أرادت أن نتشارك هذه اللحظة.
الأنوار الملونة تتدلى فوق الشوارع كأنها نجوم اقتربت من الأرض، وروائح
البخور تختلط برائحة البحر، وأصوات الباعة والمنشدين تتشابك في لحن واحد
لا يشبه أي مكان آخر.
الأنوار الملونة تتدلى فوق الشوارع كأنها نجوم اقتربت من الأرض، وروائح البخور تختلط برائحة البحر، وأصوات الباعة والمنشدين تتشابك في لحن واحد لا يشبه أي مكان آخر.
كانت ليديا تدور بعينيها في كل اتجاه.
تتأمل الوجوه... تتأمل الوجوه...
تبتسم للأطفال، فيبتسمون لها، وكأنها واحدة منهم.
وتتوقف فجأة أمام كل مشهد يثير دهشتها.
قالت وهي تمسك بذراعي:
- الناس هنا جميعهم سعداء... كأنهم نسوا الدنيا.
ابتسمت وقلت:
- ربما لأن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى شيء كبير... أحيانًا يكون في أبسط الأشياء.
وقفنا أمام حلقة ذكر.
كان عشرات الرجال يرددون الأذكار بصوت واحد، في انسجام يملأ المكان سكينة.
الله الله الله الله الله.........
أغمضت ليديا عينيها للحظات، ثم همست:
- هناك سلام... لا أعرف كيف أصفه.
نظرت إليها، ثم قلت بهدوء:
- عندما يقترب الإنسان من الله... يطمئن قلبه.
فتحت عينيها، وظلت صامتة لثوانٍ، ثم قالت.
- لهذا أظن أن الدين خُلق ليجمع الناس... لا ليفرقهم.
"خرجت كلماتها صادقة، كأنها كرت بعقول العالم قبل أن تخرج من قلبها"
لم أجد ما أقوله بعدها، فاكتفيت بالنظر إليها، بينما استمرت الأذكار تدور من حولنا، وكأنها تُكمل الحديث بدلًا منا.
---
واصلنا السير بين السرادقات.
اشترينا حمصًا ساخنًا، ثم وقفنا نشاهد راقص التنورة.
كانت عيناه مغمضتين، بينما يدور بلا توقف.
قالت ليديا:
- إزاي مش بيقع؟
قلت ضاحكًا:
- لأنه مركز على اللي جواه... مش اللي حواليه.
التفتت إليّ:
- يا بخت اللي يعرف يعمل كده.
- طيب.. "بصي في ورقتك"
انفجرنا من الضحك، وسرنا نكمل طريقنا في جنبات المولد.
---
توقفت أمام شيخ مسن يبيع سبحًا وخواتم وأحجارًا صغيرة.
تناولت سبحة خشبية بسيطة.
قالت:
- شكلها جميل.
قلت:
.- خديها
هزت رأسها
- لا...
إنت اللي هتشتريهالي.
- اشتريتهالك .. قبل ماتشاوري عليها.
أخذتها بين يديها، وأخذت تقلب حباتها برفق، وكأنها احتضنتي.
- تعرف...
أنا مش بافرق بين الحاجة بقيمتها
ولا بسعرها.
أنا هاحتفظ بيها لآخر يوم في عمري.
- قلت:
السبحة لك، وثمنها للبائع، وأنا من فزت.
تحبي اشتري لك 100 سبحة؟
ضحكنا .. تعبنا من السير.
ثم:
جلسنا على مقعدين خشبيين أمام بائع شاي.
وضع أمامنا كوبين من الشاي بالنعناع.
كان الهواء يحمل رائحة البحر، بينما ظل المولد من حولنا يعج بالحياة.
راحت ليديا تراقب العائلات المارة، ثم قالت بهدوء:
- أتمنى بيتًا بسيطًا.
ابتسمت وسألتها:
- هذا كل ما تتمنينه؟
هزت رأسها وقالت:
- نعم... بيت يمتلئ بالضحك.
سكتت قليلًا، ثم أضافت بصوت أكثر هدوءًا:
- وبالراحة.
نظرت إليها وقلت:
- وأنا... أتمنى البيت نفسه.
رفعت رأسها نحوي، وابتسمت ابتسامة دافئة
- بالتأكيد .. نحلم بالحلم نفسه.
---
وبينما كنا نستعد للمغادرة، مرت بجوارنا امرأة مسنّة تحمل سلة صغيرة من الياسمين
توقفت أمام ليديا، ثم التقطت زهرة بيضاء وقدمتها إليها قائلة:
- هذه لكِ يا ابنتي.
سارعت ليديا إلى إخراج بعض النقود، لكن المرأة هزت رأسها برفق، ورفضت
ثم ابتسمت ابتسامة دافئة، وقالت وهي تنظر إلينا معًا:
- تمسّكا ببعضكما... فالأيام لا تمنح القلوب الصادقة فرصة كل مرة.
ومضت بين الزحام، حتى ابتلعتها الوجوه والأضواء.
ظلت ليديا تتابعها بعينيها إلى أن اختفت.
سألتها::
- ماذا بك؟
نظرت إلى زهرة الياسمين بين أصابعها، وقالت بصوت خافت:
- شعرت... وكأنها تعرفنا منذ زمن.
ابتسمت وقلت:
- ربما لم تعرف أسماءنا... لكنها رأت ما كان في عيوننا.
---
في طريق العودة، كانت الشوارع قد هدأت.
سرنا بمحاذاة البحر، بينما كان القمر مكتملًا، يرسم على صفحة الماء شريطًا طويلًا من الضوء الفضي.
توقفت ليديا فجأة.
التفتت إليّ، ثم اقتربت خطوة صغيرة، حتى كادت أصابعها تلامس يدي.
رفعت بصرها إلى السماء لحظة، ثم عادت تنظر إليّ، وكأنها تبحث في عيني عن إجابة تعرفها مسبقًا.
قالت بصوت خافت:
- أوعدني بشيء.
ابتسمت وقلت:
- لك كل الوعد لو كان بمقدوري.
ظلت تنظر إليّ، ثم همست:
- مهما فعلت بنا الأيام... لا تكرهني.
شعرت أن الكلمات أثقل من أن تُقال.
وبعد صمت قصير، قلت:
- وهل يكره الإنسان قلبه، نفسه؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، لكنها لم تدم طويلًا.
خانتها دمعة صغيرة، فمسحتها سريعًا، كأنها لا تريدني أن أراها، لكنني رأيتها.
لم أقل شيئًا، واكتفيت بأن أمسكت يدها برفق.
أكملت السير إلى جواري، وأصابعها تشبثت بأصابعي في صمت، بينما كان البحر يردد همسه، والقمر يراقبنا من بعيد.
لم أكن أعلم...
أن تلك الدمعة لم تكن خوفًا من الحاضر،
بل كانت خوفًا من مستقبلٍ كان يقترب منا في هدوء، دون أن يشعر به أحد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك