"إنسان الترند": ضحية سباق محموم نحو اللاشيء.. حين تتحول الخصوصية إلى استعراض
ensan-eltrend-khosousiya-digital-2026.jpg،
"إنسان الترند بين الاستعراض الرقمي وفقدان الخصوصية".
إنسان الترند ليس مجرد مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، بل هو ضحية لسباق محموم نحو اللاشيء. لقد استبدلنا الحكمة باللقطة، والخصوصية بالاستعراض، وأصبحنا نعيش حياتنا وكأننا في تجربة أداء مستمرة أمام جمهور لا يرحم، ينسى غداً ما صفق له اليوم.
هذا المشهد لم يعد انطباعاً ذاتياً أو رأياً عابراً، بل تؤكده أرقام وبيانات ودراسات علمية حديثة ترصد كيف تحوّلت شاشة الهاتف من نافذة للتواصل إلى مسرح دائم للأداء، تُستهلك فيه الخصوصية والوقت والصحة النفسية على حد سواء.
أرقام تكشف حجم الظاهرة
بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم مطلع عام 2026 نحو 5.79 مليار هوية مستخدم، وفق منصة "DataReportal" المتخصصة في رصد بيانات العالم الرقمي، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن هذا الرقم يمثل نحو 69% من سكان الكوكب. ووفقاً لتقرير "الرقمية 2026: نظرة عالمية عامة"، فإن أكثر من 6 مليارات شخص يستخدمون الإنترنت حول العالم، وأن اثنين من كل ثلاثة أشخاص على وجه الأرض يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي كل شهر.
أما في ما يخص الوقت المستقطَع من حياة "إنسان الترند" يومياً، فتشير البيانات إلى أن المستخدم يقضي في المتوسط نحو ساعتين و23 دقيقة يومياً متنقلاً بين 7 إلى 8 منصات مختلفة. وفي منطقتنا العربية، رصدت بيانات "We Are Social" أن المستخدم السعودي يقضي أكثر من 3 ساعات و10 دقائق يومياً على هذه المنصات، بل إن النساء يقضين في المتوسط 16 دقيقة أكثر يومياً من الرجال على هذه المنصات، في مؤشر على اتساع رقعة هذا "الأداء المستمر" ليشمل شرائح اجتماعية متزايدة.
الخصوصية.. الضحية الأولى على مذبح الاستعراض
لم تعد قضية فقدان الخصوصية شأناً هامشياً، بل باتت – بحسب الدكتور عمرو الغفاري، أستاذ الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي بجامعة عين شمس – أحد أبرز التحديات الأمنية والأخلاقية في العصر الرقمي. ويرجع الغفاري في تحليله فقدان الخصوصية إلى ثلاثة عوامل رئيسية: تقنية، ونفسية، واقتصادية، وهو ما يفسر ذلك الاندفاع الجماعي نحو كشف التفاصيل الشخصية طلباً للمشاهدة والتفاعل، حتى لو كان الثمن هو الخصوصية ذاتها.
هذا التحليل الأكاديمي يمنح البُعد الوجداني الذي افتتحنا به هذا التقرير سنداً علمياً؛ فـ"استبدال الخصوصية بالاستعراض" ليس مجازاً أدبياً فحسب، بل ظاهرة موثقة تدرسها مراكز بحثية متخصصة بوصفها نتاجاً لتفاعل الدافع التقني مع الحاجة النفسية إلى الظهور والتقدير الاجتماعي.
الكلفة المعرفية والنفسية لهذا "الأداء" الدائم
لا يقتصر أثر هذا السباق على البالغين وحدهم، بل يمتد إلى الأجيال الناشئة بصورة أكثر خطورة. فقد توصلت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، شملت بيانات أكثر من 6000 طفل، إلى أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول على التطبيقات يسجلون درجات أقل في اختبارات القراءة والمفردات والذاكرة، وأن أداءهم ينخفض كلما طالت مدة التصفح. وهي نتيجة تكشف أن "سباق اللاشيء" لا يستنزف فقط الحكمة والخصوصية عند الكبار، بل يعيد تشكيل القدرات المعرفية الأساسية لدى الصغار.
إلى أين يمضي "إنسان الترند"؟
تشير التوقعات إلى أن عام 2026 يمثل نقطة تحوّل جديدة، إذ يندمج الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز بصورة أعمق في تجربة المستخدم، ما يعني على الأرجح مزيداً من إدمان "الاستعراض" لا تراجعه. فالمنصات الجديدة، بحسب بيانات "Global WebIndex"، باتت تستقطب جيلي "Z" و"ألفا" على وجه الخصوص، نظراً لارتباطهما الوثيق بعالم الألعاب والمحتوى التفاعلي، ما يرجّح أن يتجدد هذا السباق بأدوات أكثر جاذبية وإغراءً، لا أن ينتهي.
وهنا يبقى السؤال الذي تطرحه هذه البيانات مجتمعة: هل ما زال بإمكان الإنسان استعادة "اللقطة" لتكون وسيلة لا غاية، أم أن التجربة الأدائية أمام الجمهور الرقمي باتت قدراً لا فكاك منه؟
#ensan-eltrend
#khosousiya
#istiraad-2026

التعليقات
أضف تعليقك