حرب الأفيون: كيف حوّلت بريطانيا تجارة المخدرات إلى أداة لإخضاع الإمبراطورية الصينية بدون إطلاق رصاصة واحدة
حرب الأفيون الأولى
حرب الافيون المخدر حرب قذره وشرسة شنتها بريطانيا ولم تطلق فيها رصاصه واحده و حطمت ملايين المواطنين
الصينيين.
عندما رفضت الصين العالم
لم تكن مواجهة عام 1793 بين الملك جورج الثالث والإمبراطور الصيني الأولى من نوعها. فقد أوفد جورج الثالث بعثة دبلوماسية برئاسة اللورد جورج ماكارتني إلى بلاط الإمبراطور تشيان لونغ (Qianlong)، طالبًا فتح موانئ إضافية أمام التجارة البريطانية وإقامة سفارة دائمة في بكين. غير أن تشيان لونغ رفض الطلب في خطابه الشهير، مؤكدًا أن الإمبراطورية السماوية تملك كل شيء بوفرة ولا تحتاج إلى صناعات "البرابرة" من الخارج وهو ما أعقب مغادرة بعثة ماكارتني بكين، ليعبّر عن وجهة النظر الصينية آنذاك. هذا الرفض لم يكن حادثة معزولة، بل ترسيخًا لنظام "كانتون" الذي حصر التجارة الأجنبية كلها في ميناء واحد هو قوانغتشو، تحت رقابة صارمة قائمة منذ القرن السابع عشر.
اختلال الميزان وتجارة الأفيون كحل بريطاني
مع الثورة الصناعية، تصاعدت حاجة بريطانيا لأسواق جديدة، لكن الطلب الصيني على المنتجات البريطانية ظل ضئيلًا، بينما كان الطلب الأوروبي على الشاي والحرير الصيني هائلًا. لتغطية هذا العجز، لجأت شركة الهند الشرقية البريطانية إلى زراعة الأفيون في مناطق الهند الخاضعة لسيطرتها وتهريبه إلى الصين، ما أدى إلى تفشي الإدمان ونزيف حاد في احتياطي الفضة الصيني.
حرق أفيون هومن على ضفاف نهر اللؤلؤ
لين تسه شو وحرق أفيون هومن
في مواجهة أزمة الإدمان المتفاقمة، عيّن الإمبراطور داوغوانغ المفوض لين تسه شو لوقف التجارة. بدأت عملية إتلاف الأفيون في هومن بمقاطعة قوانغدونغ في 3 يونيو 1839 واستمرت 23 يومًا، حيث صادر لين أكثر من 20 ألف صندوق أفيون بوزن يقارب 1200 طن متري من التجار البريطانيين وغيرهم. ووفق روايات موثقة، استغرق الأمر 500 عامل 22 يومًا لإتمام عملية الإتلاف، إذ مزج الأفيون بالجير والملح والماء قبل تصريفه في البحر لضمان إبادته الكاملة. شكّلت هذه الحادثة الذريعة التي استندت إليها بريطانيا لإعلان الحرب على الصين.
حرب الأفيون الأولى ومعاهدة نانكين (1839-1842)
انتهت الحرب بهزيمة صينية ساحقة، تُوّجت بتوقيع معاهدة نانكين في 29 أغسطس 1842 على متن السفينة الحربية البريطانية "كورنواليس". نصّت المعاهدة على تنازل الصين عن جزيرة هونغ كونغ لبريطانيا بشكل دائم، وفتح خمسة موانئ هي كانتون وآموي وفوتشو ونينغبو وشنغهاي أمام التجارة والإقامة البريطانية، إضافة إلى تعويض مالي قدره 21 مليون دولار فضي، تفصيلها 6 ملايين دولار ثمنًا للأفيون المتلف، و3 ملايين ديونًا غير مسددة، و12 مليونًا تكاليف حربية. واللافت أن المعاهدة، رغم كونها نتاج حرب الأفيون، لم تتطرق مطلقًا لتنظيم تجارة الأفيون نفسها، ما مهّد لتضاعف وارداته لاحقًا.
حرب الأفيون الثانية وحرق القصر الصيفي (1856-1860)
سعت بريطانيا وفرنسا لانتزاع مزيد من الامتيازات، أبرزها تقنين تجارة الأفيون رسميًا. أفضت الحرب الثانية إلى معاهدة تيانجين عام 1858، التي فتحت موانئ إضافية وسمحت ببعثات دبلوماسية أجنبية في بكين ونشاط التبشير المسيحي، وقنّنت استيراد الأفيون. لكن رفض الإمبراطور شيانفنغ التصديق عليها أشعل جولة قتال جديدة، انتهت باحتلال القوات البريطانية والفرنسية لبكين في أكتوبر 1860، حيث أقدمت قواتهما على نهب وحرق "القصر الصيفي القديم" (يوانمينغ يوان)، أحد أعظم الصروح المعمارية في تاريخ الصين.
harb-al-afyoun lin-zexu.jpg
وثّق الأديب الفرنسي فيكتور هوغو هذه الواقعة في رسالة شهيرة بعث بها إلى النقيب بتلر في نوفمبر 1861، واصفًا الحدث بأنه سطو مشترك قامت به "الإمبراطوريتان" الفرنسية والبريطانية معًا: إحداهما نهبت والأخرى أحرقت، معتبرًا القصر الصيفي تحفة استثنائية توازي البارثينون اليوناني والأهرامات المصرية والكولوسيوم الروماني، ومعربًا عن أمله في أن تعيد فرنسا يومًا ما ما نهبته إلى الصين المنكوبة.
انتهت الحرب باتفاقية بكين في 24 أكتوبر 1860، التي منحت بريطانيا شبه جزيرة كولون، وسمحت بسفارات أجنبية دائمة في بكين، وشرّعت المسيحية، وقننت تجارة الأفيون رسميًا. كما اضطرت الصين، في سياق موازٍ، إلى التنازل عن أكثر من 1.5 مليون كيلومتر مربع من أراضيها في الشمال الشرقي والشمال الغربي لصالح روسيا عبر معاهدات منفصلة معها.
الإرث: بداية "قرن الإذلال"
شكّلت حربا الأفيون نقطة التحول التي أطلق عليها المؤرخون الصينيون "قرن الإذلال"، إذ فرضت سلسلة من "المعاهدات غير المتكافئة" التي قوّضت السيادة الصينية لعقود، وفتحت الباب أمام تدخلات القوى الغربية المتكررة في شؤون البلاد، وهي الذاكرة التاريخية التي لا تزال تشكّل جزءًا مهمًا من الخطاب السياسي والقومي الصيني حتى اليوم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك