زهرتي
البيت فسيح، بارد، قاسٍ، هدوئه قاتل. منذ أن غادرتِ وأنا أبحث عنكِ في أركانه.
خواء موحش، يعصف بي الحنين إلى صوتكِ وضمتكِ، وتتلقفني الذكريات، أتذكر آخر طلب لكِ بأن أضمكِ، أتذكر بكاءكِ خوفًا لا أعلم سببه، محيط هائج اندفع بكل اتجاه، هكذا كانت دموعكِ، ضممتكِ، وبثثتُ فيكِ كل ما أملك من قوة.
هنا تسامرنا، وعلى ذلك التخت ضحكنا، تتحسس قدماي خطاكِ في كل مكان بالبيت، ذلك البيت الذي كان يملؤه النور والضحك وأصبح ظلامًا باردًا يُهلك روحي.
تعثرت قدماي بشرشف السرير، فتذكرت أني ألقيت به هنا.
غطّي ده.
ألقيتُ به لأحجب عنكِ ما رأيته، فقد رُفع عنكِ غطاؤكِ، وبصركِ اليوم حديد. لم تكن تلك أول مرة؛ فأمس أمرتِني أن أجمع القطط، وتكرر ذلك أكثر من مرة، ونحن لا نملك أي حيوانات في البيت.
طرق الباب بقوة، فذهبت إليه ولم أجد أحدًا، ولكنكِ كففتِ عن الصراخ بطلب فتحه. تعجبتُ من تصرفاتكِ، حتى ذلك المساء، حين لفظتِ آخر أنفاسكِ بين ذراعي. ألم ومرارة بحلقي حتى الغثيان. هرولتُ إلى النافذة وأفرغت ما بجوفي. وقفت أمام جسدكِ مشدوهة، مصعوقة، لا أعي ما يحدث. لا أعلم لماذا لم تقاومي وتتحملي، بل صرتِ كزهراتكِ: مال ساقها وانحنى بورقاتها للطين، أو كصباركِ الذي جف وفرغ صبره من قلة الماء.
تعلقتُ بثوبكِ الأبيض فوجدته مهترئًا يتمزق. بحثتُ عن يدكِ ولم أجدها، فكان الثوب بلا أكمام. تعلقتُ بخصلات شعركِ فلم أجدها. أخذوكِ من بين ذراعي رغماً عني، ودثروكِ تحت التراب، وتركوني في رحاب الحياة أعاني آلام فقدكِ وحدي وأواجه صراعات الأنين. التحفت السماء بالسواد حدادًا على فراقكِ، وتحول البيت إلى ثقب أسود بدونك. امتلأ البيت بالناس، ولكني أشعر بفراغ مؤلم.
في أعماق عقلي، خلف أبواب موصدة، يسكن مارد غاضب، وفي ثنايا عقلي تختبئ طفلة حزينة باكية. أكبح الاثنين ليظل ذلك الوجه المبتسم مسيطرًا على ملامحي. جروح قلبي لا تنضب، وعقلي مثقل بالذكريات، وأناملي مقيدة بهموم الحياة.
أتدرين يا أمي؟ بعد أن انتقلتِ إلى دنيا الخلود قضيت أيامًا أجاهد فيها نفسي وأحاول فهم ما حدث. أشعر بألم مبرح في قلبي، ويومض عقلي بأن أختبئ بين ذراعيكِ لأحمي روحي من الألم. أجول في البيت بحثًا عنكِ، ولا أجد سوى الفراغ القاتل.
مُحيت ذاكرتي، دموعي حبيسة أحداقي، صرخاتي مكتومة في صدري. اندثرت مشاعري، أم ماتت؟ لا أدري! أمسيت كتلة من المشاعر والضحك والحيوية، وأصبحت قالب ثلج لا تشرق عليه شمس. شدني الألم من ثقب الذكريات وألقى بي في سجن الحنين إلى حضنكِ الدافئ. كنتِ زهرتي وفلكي ومحور كوني. ثم صرتِ ابنتي أهتم بها وأرعاها. ماذا أفعل بدونك الآن؟!
دائمًا ما كنت أراكِ كالعنقاء، طائرًا أسطوريًا خلابًا. أنتظركِ أن تعودي من رمادكِ مثله إلى الحياة الدنيا مرة أخرى. بينما أنتظر عودتكِ، غسلتُ وكويتُ منشفتكِ وملابسكِ، ووضعتهم على سريركِ، وفرشاة شعركِ التي لا تزال تحمل بعض خصلاتكِ. أتجول بهاتفي أشاهد صورنا.
ومض هاتفي فجأة، فأصبح وجهكِ أكثر وهجًا يشع نورًا خلفه. بقلبي صفاء لا أدرك مصدره.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك