مفهوم العشق عند ابن سينا
العشق لا يقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة، بل العشق حالة تعم كل شيء في الكون .
رسالة ابن سينا في ماهية العشق: قراءة تحليلية في بنيتها الفلسفية ومصادرها ومكانتها في الدراسات الاستشراقية الحديثة
أولاً: السياق التأليفي والبنية النصية
كتب ابن سينا هذه الرسالة القصيرة استجابةً لطلبٍ مباشر من صاحبٍ له، فقد افتتحها بتوجيهها إلى الفقيه أبي عبد الله المعصومي الذي طلب منه تأليف رسالة موجزة وواضحة في العشق، وقد وردت هذه الإشارة في افتتاحية الرسالة نفسها التي تحمل طابع الإهداء الشخصي المباشر. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية منهجية إذ تكشف أن النص لم يُصَغ بوصفه مصنَّفًا مستقلاً ضمن دائرة كتبه الكبرى كـ"الشفاء" أو "الإشارات والتنبيهات"، بل جاء رسالة عرضية (occasional treatise) تعكس مع ذلك اكتمال نسقه الفلسفي.
من الناحية النصية، فقد حظيت الرسالة بعناية استشراقية مبكرة، فقام إيميل فاكنهايم (Emil L. Fackenheim) بترجمتها إلى الإنجليزية ونشرها في مجلة Mediaeval Studies عام 1945متحت عنوان A Treatise on Love by Ibn Sina، وهي الترجمة التي ظلت المرجع الأساسي للباحثين الغربيين في هذا الحقل لعقود.
وفي التحقيقات العربية الحديثة، صدرت طبعة محققة بعنوان "الرسالة في العشق" بتحقيق حسين الصديق وراوية جاموس عن دار الفكر بدمشق سنة 2005م. (Academia.edu)
ثانياً: الإطار الفلسفي العام: تعميم العشق على سلّم الموجودات
تقوم الرسالة على فرضية مركزية هي أن العشق - بمعنى الميل نحو الكمال المناسب لكل موجود - ليس ظاهرة نفسية أو إنسانية محضة، بل قانون كوني يسري في جميع طبقات الموجودات، من الجماد والنبات إلى الحيوان فالإنسان، وصولاً إلى مبدأ الكمال المطلق الذي هو الله. وهذا التصور ليس ابتكاراً معزولاً عن السياق الفلسفي الذي نشأ فيه ابن سينا، بل يتصل بخطين رئيسين:
الخط الأول هو الموروث الأفلاطوني المحدَث (Neoplatonic) الذي يرى في "العشق" (Eros) قوة كونية دافعة نحو الواحد، وهو تصور انتقل إلى الفلسفة الإسلامية عبر ترجمات أفلوطين المنسوبة زوراً إلى أرسطو ("أثولوجيا").
الخط الثاني هو رسائل إخوان الصفا، وبخاصة رسالتهم السابعة والثلاثون المعروفة بـ"رسالة في ماهية العشق" أيضاً، والتي تناولت العشق بوصفه قوة تسري في الأفلاك والعناصر قبل أن تتجلى في النفوس البشرية.
وترى الدراسات المقارنة الحديثة أن هذا الفرع من الأدب الفلسفي الإسلامي - رسائل إخوان الصفا، وابن سينا، ثم لاحقاً السهروردي وملا صدرا - يشكل تقليداً متصلاً في نظرية العشق، لكل مدرسة فيه (المشائية، الإشراقية، الحكمة المتعالية) موقفها الخاص من علاقة العشق الإنساني بالعشق الإلهي، فقد لاحظ الباحثون أن هذا الأدب يقارن بين معالجات ابن سينا والسهروردي وملا صدرا كممثلين للمدارس المشائية والإشراقية والمتعالية على التوالي.
ثالثاً: درجات العشق في نسق ابن سينا
يمكن تلخيص السلّم التصاعدي للعشق في الرسالة على النحو الآتي، مع إضافة ما استقر عليه الشرح الأكاديمي الحديث لهذه المراتب:
العشق في الموجودات البسيطة (الجماد):
يتمثل في نزوع كل عنصر إلى وضعه الطبيعي (كنزول الماء وصعود النار)، وهو أدنى درجات الميل وأخفاها ظهوراً.
العشق في النفس النباتية:
يتجلى في نزوع النبات إلى الغذاء والنمو والتكاثر، وهو ما مثّل له ابن سينا بميل النبات نحو الماء والضوء.
العشق في النفس الحيوانية:
يظهر بصورة أوضح في حركة الحيوان الطلبية نحو ملائمه ونفوره من المنافر، أي في الشهوة والغضب بما هما قوتان غائيتان.
العشق في النفس الناطقة (الإنسان):
وهنا يميّز ابن سينا بدقة بين عشق بوهيمي متصل باللذة الحسية، وعشق عقلي (أو "إلهي" بالمعنى الاصطلاحي) هدفه اتصال النفس بالخير الأول. وقد شدّد الباحثون المعاصرون - في مقدمتهم إيتين أنور (Etin Anwar) في دراستها المنشورة عام 2003 في مجلة Islamic Studies - على أن ابن سينا لم يُحرّم اللذة الحسية بإطلاق، بل جعلها مشروطة بضوابط الشريعة، بينما اعتبر العشق العقلي الخالص من مقتضيات كمال النفس الناطقة.
العشق الإلهي المطلق:
وهو غاية التسلّيم كله؛ فالله - بوصفه الكمال الذي لا نقص فيه - هو المعشوق الحقيقي الذي تتجه إليه، من غير وعي مباشر في أغلب الأحيان، عشقيّة كل الموجودات دون استثناء.
رابعاً: خصوصية معالجة ابن سينا ومكانتها من التصوف:
من اللافت أن ابن سينا - الفيلسوف المشائي المعروف بحذره من الخطاب الصوفي المباشر - استعمل في هذه الرسالة لغة تقترب من مفردات أهل التصوف (الوصال، الاتحاد، الشوق)، وهو ما دفع بعض الباحثين، مثل جوزيف نورمنت بل (Joseph Norment Bell) في مقالته المنشورة في مجلة Der Islam عام 1986م بعنوان "Avicenna's Treatise on Love and the Nonphilosophical Muslim Tradition"، إلى تتبّع أثر هذه الرسالة في الأدبيات الصوفية والشعبية غير الفلسفية، لا في الحلقات المشائية الصرفة وحدها. وهذا يفسر جانباً من الانتشار الواسع الذي لقيته الرسالة خارج أسوار المدرسة الفلسفية الرسمية.
ومن جهة أخرى، وضع ديمتري غوتاس (Dimitri Gutas) في كتابه المرجعي "Avicenna and the Aristotelian Tradition" هذه الرسالة ضمن قائمة موثقة من أعمال ابن سينا الرسائلية الصغرى، مؤكداً صحة نسبتها إليه ومحدداً موقعها الزمني في مسار تطور فكره الناضج.
خاتمة
تكشف "الرسالة في ماهية العشق" عن قدرة ابن سينا على تحويل مفهوم شعبي وأدبي - هو العشق - إلى مقولة ميتافيزيقية منضبطة، عبر ربطه بنظرية الكمال والنفس والمراتب الوجودية التي بناها في نسقه الفلسفي الأشمل. وما تزال الرسالة، على قصرها، موضع دراسة مستمرة في تاريخ الفلسفة الإسلامية لكونها نقطة تقاطع بين الميراث الأفلاطوني المحدَث والفكر المشائي والحساسية الصوفية معاً.
قائمة المصادر :
Fackenheim, Emil L., "A Treatise on Love by Ibn Sina", Mediaeval Studies, 7 (1945), pp. 208–228.
Anwar, Etin, "Ibn Sīnā's Philosophical Theology of Love: A Study of the Risālah fī al-ʿIshq", Islamic Studies, 42 (2003), pp. 331–345.
Bell, Joseph Norment, "Avicenna's Treatise on Love and the Nonphilosophical Muslim Tradition", Der Islam, 63 (1986), pp. 73–89.
Gutas, Dimitri, Avicenna and the Aristotelian Tradition, 2nd ed., Brill, 2014, pp. 480–481.
ابن سينا، الرسالة في العشق، تحقيق حسين الصديق وراوية جاموس، دار الفكر، دمشق، 2005.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك