من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

عمى الدبب!

خالد بيومي
عمى الدبب!

غلاف الطبعة الأولى من الكتاب 


«إمتاع الأسماع» للمقريزي: رحلة تاريخية بين دقة «محمود شاكر» ومعركة «المقدمة المفقودة»


​يظل كتاب «إمتاع الأسماع» للعلامة تقي الدين المقريزي واحدًا من أنفس السير النبوية التي جمعت بين استيعاب الروايات وتدقيق المآخذ، غير أن الطبعة الأولى لجزئه الأول بتحقيق العلامة «أبي فهر» محمود محمد شاكر تحوّلت إلى علامة فارقة في تاريخ التحقيق العربي؛ لما كشفت عنه من دقة منهجية رصينة، وكواليس حادة انتهت بصدور المجلد بدون مقدمة وتحقيق، وانقطاع المحقق عن إتمام  تحقيق السفر العظيم.

​عبقرية النص وأمانة المحقق

​سرد المقريزي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بمنهج حريص على إيراد الأقوال المتعددة ومناقشة عللها، كإلماعه لشذوذ قول الزبير بن بكار في ولادته عليه الصلاة والسلام في رمضان رغم موافقته زمن الحمل.

وقد جاء تحقيق محمود شاكر صادرًا عن «لجنة التأليف والترجمة والنشر» بصورة تعكس أعلى درجات الرسوخ العلمي؛ بدءًا من العناية بالنص وتدقيق السقط والتحريف، وصولًا إلى صناعة فهارس كاشفة ختمها بـ (13) صفحة للاستدراكات على عمله الشخصي، في مشهد يجسد أسمى صور  الحرص على أمانة الكلمة وإجلال العلم.

​«عمى الدبب».. كواليس أزمة أجهضت المشروع

​على الرغم من القيمة العلمية العالية للطبعة، لاحظ القراء خلوها التام من مقدمة منهجية تُبيّن قيمة الكتاب وإضاءة نسخته المعتمدة.

وتعود أسباب هذه الظاهرة — وفق ما رواه الأستاذ منصور مهران جليس المحقق — إلى نزاع حاد نشب بين محمود شاكر ورئيس اللجنة آنذاك الكاتب أحمد أمين؛ إذ رغب الأخير في وضع اسمه إلى جوار اسم شاكر على غلاف الكتاب.

​أثار هذا الموقف غضب «أبي فهر» الذي رأى فيه اعتداءً على جهده، ووقعت بينهما ملاسنة شهيرة قال فيها أمين: «عيب يا محمود دا أنا عمك!»، ليرد عليه شاكر بعبارته الحادة: «عمى الدبب!»، وينصرف مغاضبًا، حارمًا النشرة من مقدمتها وممتنعًا عن إكمال التحقيق لبقية الأجزاء.


​سوق النشر وحاجة التراث لطبعة منقحة 


​تتجدد اليوم الدعوات العلمية إلى ضرورة إخراج طبعة تامة محققة تليق بكتاب المقريزي؛ حيث إن الطبعات التالية — ومنها طبعة دار الكتب العلمية في 15 جزءًا بتحقيق محمد عبد الحميد النميسي — لم تسلم من السقطات والخلل المنهجي، وهو ما كشف عنه الدكتور محمد شمس عقاب في كتابه «المراثي النبوية في أشعار الصحابة»، ليبقى «إمتاع الأسماع» بانتظار مشروع علمي جاد يبعثه كما أراد له مؤلفه ومحققه الأول.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11184
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.