من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الأشباه

منى بغدادي
الأشباه


حين يصبح الوهم شبهاً … والتصفيق إنجازاً !


«أنا شبيهة زبيدة ثروت»…

«أنا شبيهة سماح أنور»…

«أنا شبيهة نيللي كريم»… 

«أنا شبيهة ياسمين عبد العزيز»…

«أنا شبيهة نيرمين الفقي»…

«أنا شبيه عبد الحليم حافظ»!


لحظة واحدة بس … هو إحنا دخلنا فعلاً عصر الأشباه ؟

ولا دخلنا عصر «أنا شايفة نفسي كده … ومحدش له دعوة»؟! 


زمان ، لما حد يقول لك : «إنتِ شبه فلانة» ، كان لازم على الأقل يكون فيه شبه !


ملامح متقاربة ، ابتسامة متشابهة ، عيون تذكّر بالشخصية … حاجة كده تخليك تقول :

«آه والله… فيه شبه!»


إنما دلوقتي الموضوع اتطور بشكل مذهل .


الشبه لم يعد يحتاج إلى شبه !


يكفي أن يقرر شخص ما أنه يشبه فناناً مشهوراً ، ثم تبدأ الرحلة …


صورة هنا ،

لقاء هناك ،

دعوة إلى مناسبة ،

تكريم في حفل ،

درع يتصور به ،

وبعدها يصبح الاسم متداولاً وكأننا أمام موهبة فنية اكتُشفت للتو !


والأجمل أن الحكاية لا تتوقف عند مجرد «شبيه» .


بعضهم يبدو وكأنه دخل في علاقة رسمية مع الشخصية التي يشبهها …

يقلد الملابس ،

والتسريحة ،

والوقفات ،

وطريقة التصوير ،

وربما لو أُتيح له الأمر لاختلف معها على ذكريات الطفولة أيضاً ! 


لكن المثير للجدل والتعجب أن بعض «الأشباه» لا تتوقف حكايتهم عند حدود : «أنا شبه فلانة» .


لا لا …

الحكاية أحياناً تدخل مراحل متقدمة جداً ! 


المرحلة الأولى :

«أنا شبيهة فلانة» .


المرحلة الثانية :

«بصراحة أنا أجمل منها بكتير!»


وهنا تبدأ الثقة تأخذ منحنى آخر …

فلم يعد الأمر مجرد تشابه في الملامح ، بل أصبح هناك تفوق معلن على صاحبة الاسم الأصلي نفسها !




أما المرحلة الثالثة ، فهي الأخطر والأكثر إثارة للدهشة :


«هي واقفة في طريق مستقبلي !»


هنا بقى الموضوع لم يعد «شبهاً» من الأساس …

لقد تحولت الشخصية الأصلية إلى منافسة مفترضة !


يعني حضرتكِ كنتِ شبيهة بها منذ قليل ، ثم أصبحتِ أجمل منها ،

ثم اكتشفتِ فجأة أنها السبب في تأخر مستقبلكِ !


طب معلش …

هي أصلاً تعرف إنكِ موجودة ؟! 


وهنا نكتشف أن المشكلة لم تعد في أن شخصاً يرى نفسه شبيهاً بفنان أو فنانة ، وإنما في أن هذا الوهم يمكن أن يكبر تدريجياً حتى يصنع لصاحبه حكاية كاملة :


شَبَه …

ثم منافسة …

ثم مقارنة …

ثم مظلومية …

ثم تكريم !


وكأننا أمام بطولة فنية لم تبدأ من الأساس !


لكن السؤال الأهم هنا :


فين الإنجاز ؟


يعني حضرتك شبيه فنان … طيب وبعدين ؟


هل قدمت فناً ؟

هل أبدعت ؟

هل كتبت ؟

هل مثلت ؟

هل غنيت ؟

هل صنعت شيئاً يستحق أن يُذكر ؟


أم أن كل الحكاية أن هناك شخصاً أقنع نفسه بأنه نسخة من شخصية شهيرة ، فقررنا نحن أيضاً أن نصدقه ؟


المشكلة الحقيقية ليست في الشخص الذي يرى نفسه شبيهاً .


هو حر .


المشكلة في المجتمع الذي قرر أن يمنح هذا الوهم قيمة حقيقية .


فمنذ متى أصبح التشابه المزعوم إنجازاً ؟


ومنذ متى أصبحت كثرة الدعوات دليلاً على الموهبة ؟


ومنذ متى أصبح الدرع الذي يُسلَّم فوق المسرح شهادة بأن صاحبه قدم شيئاً يستحق التقدير ؟


أصبحنا أحياناً نعيش في زمن غريب …


الظهور فيه أهم من الإنجاز ،

والصورة أهم من الموهبة ،

واللقب أهم من الاستحقاق ،

والتكريم أهم من السبب الذي من أجله تم التكريم !


والأغرب أن أصحاب المواهب الحقيقية قد يعملون سنوات في صمت .


كاتب يكتب ولا يجد من يقرأ .

فنان يتعلم ويجتهد ويبحث عن فرصة .

شاعر يصنع عالماً كاملاً من الكلمات .

باحث يدرس ويقدم شيئاً حقيقياً .


وفي المقابل …


قد يحصل شخص لمجرد ادعائه شبهاً بشخصية مشهورة على مساحة من الضوء ، ودعوة ، وصورة ، وربما تكريم أيضاً !


هنا فعلاً يصبح السؤال مشروعاً :


هل نحن نكرّم الأشخاص … أم نكرّم قدرتهم على الظهور ؟


أنا شخصياً لا أرى مشكلة في أن يقول أحدهم :

«أنا أحب فلاناً وأشعر أن بيننا شبهاً».


جميل .


قلها ، اضحك ، اتصور ، استمتع .


لكن لا تجعل من هذا الشبه ــ سواء كان موجوداً أصلاً أو كان مجرد خيال شخصي ــ بديلاً عن أن يكون لك أنت شيء يستحق أن تُعرف به .


لأن أجمل شيء في الإنسان في النهاية … أن يكون له ملامحه الخاصة ، وصوته الخاص ، وحكايته الخاصة ، وإنجازه الخاص .


مش لازم تبقي شبه زبيدة ثروت .


ولا سماح أنور .


ولا نيللي كريم .


ولا عبد الحليم حافظ .


كن أنت .


اعمل حاجة تخلي الناس تقول :


«هو ده مين ؟»


ثم يبحثون عن اسمك …


بدل ما تقول لهم :


«أنا شبه مين ؟»


لكن الأخطر من كل ما سبق … أن تتحول هذه الظاهرة من مجرد حالة فردية إلى صناعة إعلامية وسوشيال ميديا .


فحين تكرر المنصات ظهور شخص لمجرد ادعائه الشبه بشخصية مشهورة ، ثم تتوالى حوله الدعوات والتكريمات والألقاب ، يبدأ الأمر في أخذ شكل آخر تماماً .


فجأة يصبح الشخص رمزاً … وقدوة … وشخصية يُحتفى بها !


وهنا لا بد أن نتوقف قليلاً .


لأن الرسالة التي تصل إلى الشباب والنشئ قد تكون أخطر مما نتخيل :


أن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة ،

وأن الظهور يمكن أن يحل محل الإنجاز ،

وأن التقليد يكفي لصناعة القيمة ،

وأن التكريم وحده دليل على الاستحقاق .


وقد ينظر شاب أو فتاة إلى هذا المشهد فيقول لنفسه :


«ولماذا أتعب وأتعلم وأطور نفسي ؟

يكفي أن أقلد شخصاً مشهوراً ، أو أبحث عن شبه يجذب الانتباه ، وربما أصبحت مشهوراً ومكرماً أيضاً !»


وهنا تتحول المسألة من ظاهرة تثير الضحك إلى ظاهرة تستحق أن نناقش تأثيرها .


الإعلام والسوشيال ميديا لا يقدمان مجرد أشخاص أمام الكاميرا ؛ هما ، شئنا أم أبينا ، يساهمان في تشكيل ما يراه الناس نموذجاً للنجاح والتميز .


ولذلك فإن صناعة القدوة مسؤولية .


فليس كل من حصد المشاهدات جديراً بأن يصبح قدوة ، وليس كل من امتلأت صفحته بالصور جديراً بأن يصبح رمزاً ،

وليس كل من اعتلى منصة التكريم قدّم بالضرورة إنجازاً يستحق أن يحتذى به .


نحن لا نحارب الشهرة … نحن فقط نسأل : ماذا نُشهِّر ؟ وماذا نُكرِّم ؟ وماذا نضع أمام عيون أبنائنا باعتباره نموذجاً للنجاح ؟


لأن المجتمع الذي يجعل الصورة أهم من الموهبة ، والظهور أهم من الإنجاز ، والتقليد أهم من صناعة الذات … قد يصنع جيلاً يبحث عن الأضواء قبل أن يبحث عن نفسه .


لأن الحقيقة التي يبدو أننا نسيناها وسط كل هذا الضجيج :


الشَّبَه قد يجلب لك صورة …

لكن الإنجاز هو الذي يصنع لك قيمة .


أما التكريم لمجرد التكريم …


فأخشى أن يأتي يوم نحتاج فيه إلى تكريم التكريم نفسه!

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

1 تعليق
سعود الغرابي 20/09/2026 - 04:05 PM
مقال هادف شامل،تشكرين عليه..
هو عصر التفاهة والتافهين…لديَّ يقين أن تطبيع التفاهة وصناعة التافهين وتسطيح العقول ورعاية السفهاء وإشهار الرِّعاع،هو عمل(ممنهج)هدفه تخدير الأدمغة وهدم القدوة الحسنة وتهميش الإبداع…فإذا كان الإعلام اللاّ مسئول-بكافة أدواته ووسائله-هو من يقود هذا النهج ويعززه،دون رادع من حياءٍ أو ضميرٍ أو قانون،فعلينا أن ننتظر لشبابنا مستقبلاً موحشاً أكثر سوءاً من حاضرهم..نهضة الأمة تتحقق عندما يعلو الوعي ويسود،وتُحتقرُ التفاهةُ ويُكبتُ رعاتُها….دام قلمُك👍

أضف تعليقك

11185
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.