الأشباه
حين يصبح الوهم شبهاً … والتصفيق إنجازاً !
«أنا شبيهة زبيدة ثروت»…
«أنا شبيهة سماح أنور»…
«أنا شبيهة نيللي كريم»…
«أنا شبيهة ياسمين عبد العزيز»…
«أنا شبيهة نيرمين الفقي»…
«أنا شبيه عبد الحليم حافظ»!
لحظة واحدة بس … هو إحنا دخلنا فعلاً عصر الأشباه ؟
ولا دخلنا عصر «أنا شايفة نفسي كده … ومحدش له دعوة»؟!
زمان ، لما حد يقول لك : «إنتِ شبه فلانة» ، كان لازم على الأقل يكون فيه شبه !
ملامح متقاربة ، ابتسامة متشابهة ، عيون تذكّر بالشخصية … حاجة كده تخليك تقول :
«آه والله… فيه شبه!»
إنما دلوقتي الموضوع اتطور بشكل مذهل .
الشبه لم يعد يحتاج إلى شبه !
يكفي أن يقرر شخص ما أنه يشبه فناناً مشهوراً ، ثم تبدأ الرحلة …
صورة هنا ،
لقاء هناك ،
دعوة إلى مناسبة ،
تكريم في حفل ،
درع يتصور به ،
وبعدها يصبح الاسم متداولاً وكأننا أمام موهبة فنية اكتُشفت للتو !
والأجمل أن الحكاية لا تتوقف عند مجرد «شبيه» .
بعضهم يبدو وكأنه دخل في علاقة رسمية مع الشخصية التي يشبهها …
يقلد الملابس ،
والتسريحة ،
والوقفات ،
وطريقة التصوير ،
وربما لو أُتيح له الأمر لاختلف معها على ذكريات الطفولة أيضاً !
لكن المثير للجدل والتعجب أن بعض «الأشباه» لا تتوقف حكايتهم عند حدود : «أنا شبه فلانة» .
لا لا …
الحكاية أحياناً تدخل مراحل متقدمة جداً !
المرحلة الأولى :
«أنا شبيهة فلانة» .
المرحلة الثانية :
«بصراحة أنا أجمل منها بكتير!»
وهنا تبدأ الثقة تأخذ منحنى آخر …
فلم يعد الأمر مجرد تشابه في الملامح ، بل أصبح هناك تفوق معلن على صاحبة الاسم الأصلي نفسها !

أما المرحلة الثالثة ، فهي الأخطر والأكثر إثارة للدهشة :
«هي واقفة في طريق مستقبلي !»
هنا بقى الموضوع لم يعد «شبهاً» من الأساس …
لقد تحولت الشخصية الأصلية إلى منافسة مفترضة !
يعني حضرتكِ كنتِ شبيهة بها منذ قليل ، ثم أصبحتِ أجمل منها ،
ثم اكتشفتِ فجأة أنها السبب في تأخر مستقبلكِ !
طب معلش …
هي أصلاً تعرف إنكِ موجودة ؟!
وهنا نكتشف أن المشكلة لم تعد في أن شخصاً يرى نفسه شبيهاً بفنان أو فنانة ، وإنما في أن هذا الوهم يمكن أن يكبر تدريجياً حتى يصنع لصاحبه حكاية كاملة :
شَبَه …
ثم منافسة …
ثم مقارنة …
ثم مظلومية …
ثم تكريم !
وكأننا أمام بطولة فنية لم تبدأ من الأساس !
لكن السؤال الأهم هنا :
فين الإنجاز ؟
يعني حضرتك شبيه فنان … طيب وبعدين ؟
هل قدمت فناً ؟
هل أبدعت ؟
هل كتبت ؟
هل مثلت ؟
هل غنيت ؟
هل صنعت شيئاً يستحق أن يُذكر ؟
أم أن كل الحكاية أن هناك شخصاً أقنع نفسه بأنه نسخة من شخصية شهيرة ، فقررنا نحن أيضاً أن نصدقه ؟
المشكلة الحقيقية ليست في الشخص الذي يرى نفسه شبيهاً .
هو حر .
المشكلة في المجتمع الذي قرر أن يمنح هذا الوهم قيمة حقيقية .
فمنذ متى أصبح التشابه المزعوم إنجازاً ؟
ومنذ متى أصبحت كثرة الدعوات دليلاً على الموهبة ؟
ومنذ متى أصبح الدرع الذي يُسلَّم فوق المسرح شهادة بأن صاحبه قدم شيئاً يستحق التقدير ؟
أصبحنا أحياناً نعيش في زمن غريب …
الظهور فيه أهم من الإنجاز ،
والصورة أهم من الموهبة ،
واللقب أهم من الاستحقاق ،
والتكريم أهم من السبب الذي من أجله تم التكريم !
والأغرب أن أصحاب المواهب الحقيقية قد يعملون سنوات في صمت .
كاتب يكتب ولا يجد من يقرأ .
فنان يتعلم ويجتهد ويبحث عن فرصة .
شاعر يصنع عالماً كاملاً من الكلمات .
باحث يدرس ويقدم شيئاً حقيقياً .
وفي المقابل …
قد يحصل شخص لمجرد ادعائه شبهاً بشخصية مشهورة على مساحة من الضوء ، ودعوة ، وصورة ، وربما تكريم أيضاً !
هنا فعلاً يصبح السؤال مشروعاً :
هل نحن نكرّم الأشخاص … أم نكرّم قدرتهم على الظهور ؟
أنا شخصياً لا أرى مشكلة في أن يقول أحدهم :
«أنا أحب فلاناً وأشعر أن بيننا شبهاً».
جميل .
قلها ، اضحك ، اتصور ، استمتع .
لكن لا تجعل من هذا الشبه ــ سواء كان موجوداً أصلاً أو كان مجرد خيال شخصي ــ بديلاً عن أن يكون لك أنت شيء يستحق أن تُعرف به .
لأن أجمل شيء في الإنسان في النهاية … أن يكون له ملامحه الخاصة ، وصوته الخاص ، وحكايته الخاصة ، وإنجازه الخاص .
مش لازم تبقي شبه زبيدة ثروت .
ولا سماح أنور .
ولا نيللي كريم .
ولا عبد الحليم حافظ .
كن أنت .
اعمل حاجة تخلي الناس تقول :
«هو ده مين ؟»
ثم يبحثون عن اسمك …
بدل ما تقول لهم :
«أنا شبه مين ؟»
لكن الأخطر من كل ما سبق … أن تتحول هذه الظاهرة من مجرد حالة فردية إلى صناعة إعلامية وسوشيال ميديا .
فحين تكرر المنصات ظهور شخص لمجرد ادعائه الشبه بشخصية مشهورة ، ثم تتوالى حوله الدعوات والتكريمات والألقاب ، يبدأ الأمر في أخذ شكل آخر تماماً .
فجأة يصبح الشخص رمزاً … وقدوة … وشخصية يُحتفى بها !
وهنا لا بد أن نتوقف قليلاً .
لأن الرسالة التي تصل إلى الشباب والنشئ قد تكون أخطر مما نتخيل :
أن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة ،
وأن الظهور يمكن أن يحل محل الإنجاز ،
وأن التقليد يكفي لصناعة القيمة ،
وأن التكريم وحده دليل على الاستحقاق .
وقد ينظر شاب أو فتاة إلى هذا المشهد فيقول لنفسه :
«ولماذا أتعب وأتعلم وأطور نفسي ؟
يكفي أن أقلد شخصاً مشهوراً ، أو أبحث عن شبه يجذب الانتباه ، وربما أصبحت مشهوراً ومكرماً أيضاً !»
وهنا تتحول المسألة من ظاهرة تثير الضحك إلى ظاهرة تستحق أن نناقش تأثيرها .
الإعلام والسوشيال ميديا لا يقدمان مجرد أشخاص أمام الكاميرا ؛ هما ، شئنا أم أبينا ، يساهمان في تشكيل ما يراه الناس نموذجاً للنجاح والتميز .
ولذلك فإن صناعة القدوة مسؤولية .
فليس كل من حصد المشاهدات جديراً بأن يصبح قدوة ، وليس كل من امتلأت صفحته بالصور جديراً بأن يصبح رمزاً ،
وليس كل من اعتلى منصة التكريم قدّم بالضرورة إنجازاً يستحق أن يحتذى به .
نحن لا نحارب الشهرة … نحن فقط نسأل : ماذا نُشهِّر ؟ وماذا نُكرِّم ؟ وماذا نضع أمام عيون أبنائنا باعتباره نموذجاً للنجاح ؟
لأن المجتمع الذي يجعل الصورة أهم من الموهبة ، والظهور أهم من الإنجاز ، والتقليد أهم من صناعة الذات … قد يصنع جيلاً يبحث عن الأضواء قبل أن يبحث عن نفسه .
لأن الحقيقة التي يبدو أننا نسيناها وسط كل هذا الضجيج :
الشَّبَه قد يجلب لك صورة …
لكن الإنجاز هو الذي يصنع لك قيمة .
أما التكريم لمجرد التكريم …
فأخشى أن يأتي يوم نحتاج فيه إلى تكريم التكريم نفسه!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك