ماذا لو كان أخطر ما في الخوارزميات هو ما لا تعرضه عليك؟
هذه الكلمات تغطي المحاور الرئيسية: فكرة الإخفاء غير المرئي، المصطلح الأكاديمي (الفقاعة الترشيحية)، الآلية التقنية (التخصيص والتوصية)، والنتيجة (فقدان التنوع)، بالإضافة إلى الدعوة العملية في نهاية المقال («يوم بلا خوارزمية») التي تصلح كعبارة جذابة للقارئ العربي.
كل يوم نسمع كلامًا عن «الخوارزميات» وكيف تؤثر فيما نراه على الإنترنت: تعرف ما نحب، وتقترح علينا المحتوى والإعلانات، وتدفعنا أحيانًا إلى قضاء ساعات في التصفح.
لكن هناك جانبًا آخر لا يحظى بالقدر نفسه من الانتباه:
ليس المهم فقط ما تعرضه لنا الخوارزمية، بل الأهم أحيانًا هو ما لا تعرضه لنا.
تخيل أن ملايين المنشورات والأخبار والفيديوهات موجودة فعلًا على الإنترنت، لكنك لا ترى منها إلا جزءًا صغيرًا. المنصات تستخدم أنظمة توصية وترتيب لاختيار ما يظهر أمامك، اعتمادًا على عوامل كثيرة، من بينها ما شاهدته أو بحثت عنه أو تفاعلت معه من قبل.
والمشكلة ليست في وجود هذا التخصيص وحده، بل في أننا قد لا نشعر أصلًا بما لم يصل إلينا.
لماذا قد يكون هذا مختلفًا عن المنع التقليدي؟
في الماضي، عندما كانت جهة ما تمنع كتابًا أو تصادر صحيفة، كنت تعرف أن هناك شيئًا ممنوعًا، وبالتالي يمكنك أن تسأل عنه أو تبحث عنه.
أما في البيئة الرقمية، فقد يكون الأمر أكثر خفاءً.
أنت لا تشعر بغياب ما لا تعلم بوجوده أصلًا، فقد تفوتك أشياء لم يخطر ببالك أنها موجودة.
وهنا تظهر فكرة تُناقش في دراسات الإعلام والتكنولوجيا تُعرف أحيانًا بـ«الفقاعة الترشيحية»؛ أي أن تخصيص المحتوى قد يجعل ما يصل إليك أكثر توافقًا مع اهتماماتك وسلوكك السابق، ويقلل مصادفتك لموضوعات خارج النمط الذي اعتدت عليه.
كيف يحدث ذلك في حياتنا اليومية؟
على يوتيوب أو تيك توك:
إذا كنت تشاهد نوعًا معينًا من المحتوى باستمرار، فقد تقترح عليك المنصة المزيد من المحتوى المشابه. وهذا قد يجعل عالمك الرقمي أكثر تخصيصًا مع الوقت، بينما تقل فرص مصادفتك لموضوعات أخرى لم تبحث عنها أصلًا.
في محركات البحث:
نتائج البحث لا تظهر بالضرورة بالطريقة نفسها للجميع؛ إذ قد يتأثر الترتيب بالموقع واللغة وسجل البحث وغير ذلك من الإشارات. لذلك، قد يبحث شخصان عن الموضوع نفسه ويجد كل منهما نتائج مختلفة في بعض الحالات.
في تطبيقات الأخبار:
قد يفتح شخصان التطبيق نفسه، فيجد كل منهما مجموعة مختلفة من الأخبار أو ترتيبًا مختلفًا للموضوعات، وفقًا لطريقة تخصيص المحتوى في المنصة.
في التسوق الإلكتروني:
تقترح المنصات منتجات بناءً على اهتماماتك وسلوكك السابق، وهو ما قد يسهل عليك الوصول إلى ما تبحث عنه، لكنه يعني أيضًا أن بعض البدائل قد لا تظهر لك لأنها خارج دائرة اهتماماتك.
وتظهر مفارقة مثيرة:
كل واحد منهما قد يظن أن ما أمامه هو الصورة الكاملة لما يحدث، بينما هو في الحقيقة يرى نافذة منتقاة من المشهد.
جرّب بنفسك
اطلب من صديق أن يفتح المنصة نفسها التي تستخدمها، ثم قارنا ما يظهر أمام كل منكما.
قد تكتشفان أنكما تستخدمان التطبيق نفسه، لكن كل واحد منكما يتلقى تجربة مختلفة إلى حد كبير.
والمفاجأة ليست في أن الخوارزمية «تعرفكما»، بل في أن ما تعتبره أنت المشهد الطبيعي للإنترنت قد لا يكون هو المشهد الذي يراه شخص آخر.
لكن هل الخوارزميات هي المشكلة؟
ليس بهذه البساطة.
الخوارزميات لا «تخفي الحقيقة» بالضرورة، وليس كل ما لا يظهر أمامنا مهمًا أو جديرًا بالاهتمام. كما أن التخصيص له فوائد حقيقية؛ فهو يساعدنا على الوصول بسرعة إلى المحتوى الذي نحتاجه وسط كمية هائلة من المعلومات.
المشكلة تبدأ عندما ننسى أن ما يظهر أمامنا ليس الإنترنت كله.
فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تمنعك من رؤية شيء حتى تؤثر في معرفتك به؛ يكفي أحيانًا ألا تمنحه فرصة الظهور أمامك.
ما الذي نخسره عندما يصبح كل شيء مصممًا لنا؟
ربما نخسر شيئًا بسيطًا لكنه مهم جدًا:
الصدفة.
في الماضي، كنت تدخل مكتبة فتقلّب كتابًا لم تبحث عنه، أو تقرأ صحيفة كاملة فتتوقف أمام عنوان لم تكن تنوي قراءته، أو تسمع نقاشًا في مكان ما فيقودك إلى فكرة جديدة.
أما اليوم، فقد أصبحت المنصات أكثر قدرة على توقع ما نريد رؤيته، وتقديمه لنا بسرعة.
وهذا مريح جدًا.
لكن الراحة لها جانب آخر:
كلما أصبح العالم الرقمي أكثر قدرة على اختيار ما يناسبنا، قلّت حاجتنا إلى البحث عمّا لا نعرف أننا نحتاجه.
وقد لا تكون المشكلة إذن أننا نرى معلومات أقل، بل أننا أصبحنا أقل ميلًا إلى اكتشاف ما يقع خارج دائرة اهتماماتنا.
جرّب «يومًا بلا خوارزمية»
مرة واحدة في الشهر، حاول أن تخرج قليلًا عن المسار الذي ترسمه لك التطبيقات:
ابحث عن موضوع عشوائي.
تصفّح موقعًا لا تزوره عادة.
اقرأ مجلة أو كتابًا ورقيًا.
اسأل شخصًا أكبر منك عن شيء يعرفه ولم تفكر في سؤاله عنه من قبل.
شاهد محتوى من مجال بعيد عن اهتماماتك.
الفكرة ليست أن تهرب من التكنولوجيا، ولا أن تعتبر الخوارزميات عدوًا.
الفكرة أن تتذكر أن الإنترنت الذي تراه ليس كل الإنترنت.
وربما السؤال الذي نحتاج إلى طرحه من وقت لآخر ليس فقط:
«ماذا تعرض لي الخوارزمية؟»
بل السؤال الأصعب:
«ماذا لا تعرض لي؟ ولماذا؟»
بقلم: د. عزة البنداري
خبيرة التخطيط وإعادة هيكلة أنظمة التواصل والمحتوى للمؤسسات والأفراد، واستشاري تعديل السلوك وصعوبات التعلم
للتواصل ومتابعة المحتوى والخدمات:
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك