صدمة الرياضيات: العرب خارج سباق المستقبل
صدمة الرياضيات: العرب خارج قائمة أفضل 40 دولة في نتائج "بيزا 2025"
كشفت نتائج اختبار "بيزا" الدولي (PISA) لعام 2025، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، عن فجوة تعليمية هائلة تفصل الدول العربية عن قائمة الأربعين الأولى عالميًا في مادة الرياضيات، في وقت باتت فيه هذه المادة حجر الأساس لصناعات المستقبل من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة المتقدمة.
الصين تتصدر بفارق قياسي
أظهرت بيانات "بيزا 2025"، التي شملت أكثر من 760 ألف طالب في 91 دولة واقتصادًا حول العالم، تصدر مقاطعات بكين وشنغهاي وجيانغسو وتشجيانغ الصينية (المعروفة اختصارًا بـ B-S-J-Z) قائمة الرياضيات بمتوسط 612 نقطة، بينما جاءت سنغافورة في المركز الثاني بـ563 نقطة. ويمثل هذا الفارق، بحسب تحليل لموقع Visual Capitalist، ما يقرب من 150 نقطة فوق متوسط دول المنظمة، مع هيمنة الأنظمة التعليمية الآسيوية على سبعة من المراكز العشرة الأولى.
ومن اللافت أن الفجوة بين أداء الصين في الرياضيات وأدائها في القراءة (527 نقطة) تُعد الأوسع في كامل قاعدة بيانات الاختبار، وفق تحليل موقع Data Pandas المتخصص في البيانات التعليمية.
تراجع عالمي في المستوى.. لكن العرب في الذيل
اللافت في نتائج هذه الدورة ليس فقط تفوق الصين، بل التراجع العام في مستوى الرياضيات عالميًا. فقد سجلت دول المنظمة أدنى متوسط أداء لها منذ بدء الاختبار في هذا المجال، إذ بلغ متوسط الرياضيات 463 نقطة، متراجعًا نحو 9 نقاط عن دورة 2022. ويرى معدو التقرير أن هذا التراجع يرتبط جزئيًا باستخدام الطلاب المفرط للترفيه الرقمي، إذ ارتبط قضاء أكثر من أربع ساعات يوميًا في أنشطة ترفيهية رقمية خارج المدرسة بانخفاض في درجات الرياضيات وشعور أضعف بالانتماء.
ورغم هذا التراجع العالمي، لم تفلح أي دولة عربية في اختراق قائمة الأربعين الأولى في الرياضيات، باستثناء الإمارات التي جاءت في مرتبة متأخرة نسبيًا بمتوسط 453 نقطة، وهو أداء يُعزى في جزء كبير منه إلى تركيبة سكانية تضم نسبة عالية من الطلاب الوافدين ضمن نظامها التعليمي. في المقابل، ظهرت تركيا -وهي ليست دولة عربية لكنها ضمن محيط إقليمي مشترك- بمتوسط 462 نقطة، أعلى بقليل من الإمارات وقريبة من المتوسط العالمي للمنظمة.
إسرائيل غائبة أيضًا عن القمة
على عكس الصورة الشائعة عن التفوق العلمي والتكنولوجي الإسرائيلي، لم تظهر إسرائيل هي الأخرى ضمن الأربعين الأولى في اختبار الرياضيات بنسخته الحالية، وهو ما يعكس أن الفجوة التعليمية في هذا المجال لا تخص المنطقة العربية وحدها، بل تشمل معظم دول الشرق الأوسط بصرف النظر عن مستوى تطورها التقني في قطاعات أخرى.
لماذا تُعد الرياضيات مفتاح اقتصاد المستقبل؟
يربط خبراء التعليم والاقتصاد بين التفوق في الرياضيات وبين القدرة على قيادة صناعات القرن الحادي والعشرين، إذ تشكل الرياضيات المتقدمة العمود الفقري لعلوم الذكاء الاصطناعي والحوسبة وهندسة البرمجيات والصناعات الدفاعية المتطورة. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي، فإن نسبة الطلاب الذين وصلوا إلى أعلى مستويين في إتقان الرياضيات (المستوى 5 أو 6) تركزت بشكل شبه كامل في الاقتصادات الآسيوية السبعة الأعلى تصنيفًا، حيث بلغت هذه النسبة 54% في الصين و37% في سنغافورة، مقارنة بمتوسط 8% فقط على مستوى دول المنظمة.
هذا التفاوت في نسب "التفوق الرياضي" -وليس فقط في المتوسطات العامة- هو ما يفسر، بحسب محللين، كيف تستطيع دول بعينها إنتاج أعداد كبيرة نسبيًا من المهندسين والباحثين القادرين على قيادة الابتكار التقني، بينما تظل دول أخرى تعتمد على استيراد الخبرات أو التكنولوجيا الجاهزة.
المشكلة في المنهج لا في القدرات
يرى مراقبون للشأن التعليمي أن الفجوة التي تكشفها بيانات "بيزا" لا تعكس بالضرورة فارقًا في القدرات الذهنية للطلاب العرب مقارنة بأقرانهم، بقدر ما تعكس أزمة بنيوية في أنظمة التعليم القائمة على الحفظ والتلقين والتركيز على اجتياز الامتحانات، بدلًا من تنمية مهارات الفهم والتفكير التحليلي وحل المشكلات -وهي المهارات ذاتها التي يقيسها اختبار "بيزا" أساسًا، والتي تُعد الأكثر طلبًا في سوق عمل قائم على الذكاء الاصطناعي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك