من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل السابع : " حين يصبح الحب قرارًا"

عادل التوني
الفصل السابع :


 نانسي:

- كانت ليلة المولد فرصة لتأكيد ما بداخلكما.

- بالفعل، ولكننا كنا أشبه بمن يمشون على حبل مشدود، أي حركة بالخطأ سيقع أحد منا، وكما قلت لك، كل حركة بحساب.

- أرى في عينيك حديث، متشوقة له جدًا يا أستاذي. 

- فعلًا.......

كانت تنتظرني في ساحة مكتبة الإسكندرية المطلة على البحر.

وقفت أنظر إلى المبنى الزجاجي الضخم، بينما كانت هي تحدق في الأفق، وكأنها تبحث عن إجابة بين السماء والماء.

عندما اقتربت منها، التفتت إليّ.

ابتسمت.

لكنها لم تكن تلك الابتسامة التي اعتدتها.

قلت:

  - تبدين متعبة.

هزت رأسها برفق.

  - أنا بخير.

ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.

  - أو أحاول أن أكون بخير.

دخلنا المكتبة.

كان المكان هادئًا على نحو يدعو إلى التأمل.

خطوات الزوار خافتة، وصفحات الكتب تُقلب في صمت، حتى بدا المكان أشبه بمحراب كبير، يجتمع فيه الناس للبحث عن المعرفة.

وقفت ليديا تتأمل رفوف الكتب الممتدة أمامها.

ثم قالت:

- غريب.

  - ماهو الغريب؟


قالت وهي تدير عينيها بين الرفوف:

- كل هذه الكتب كُتبت لتفهم الإنسان.

"ومع ذلك، ما زال الإنسان لا يعرف كيف يعيش مع أخيه الإنسان"

لم أجد جوابًا، واكتفيت بالنظر إليها.

.---

جلسنا في إحدى المحلات المطلة على البحر.

كانت الأمواج تتحرك بهدوء خلف الزجاج، بينما ظل الصمت بيننا أطول من المعتاد.

وسط صمت طويل، قالت:

- بابا كلمني تاني.

قلت بهدوء:

  - ماذا قال؟

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم تشابكت أصابعها فوق الطاولة، وكأنها تستعيد الحوار كلمةً كلمة:

- سألني أولًا.

 - لسه بتحبيه؟

ابتسمت رغم حزنها.

  - قلت له: ننعم.   

سكت لحظة...

ثم قال لي:

- كنت أتمنى أن تقولي لا... لأن كلمة نعم ستجعل الطريق أصعب عليك.

نظرت إليّ، ثم تابعت:

  - قلت له: أنا لا أستطيع أن أكذب عليك.

فابتسم...

وقال:

 - وأنا أيضًا لا أستطيع أن أكذب عليك.

صمتت لحظة.

ثم أكملت بصوت هادئ:

  - قال لي:

- اسمعيني هذه المرة بقلبك... لا كرجلٍ يحاول أن يفرض رأيه، بل كأبٍ لا يملك من الدنيا سوى خوفه على ابنته.

رغم ما أنهكني المرض، وما أثقل كاهلي من وجع، فإن أكثر ما يؤرقني ليس نهايتي، بل مستقبلك. 

فأنتِ وحيدتي، وعائلتي التي اختزلها القدر في روحٍ واحدة، ووريثتي الوحيدة؛ وكل ما تبقى لي في هذه الحياة.

أتحدث معك لتقتي بك وبعقلك الراجح.

- أنا لا أكره الشاب الذي تحبينه... ولا أشك في أخلاقه.

- ولو التقيت به في أي مكان، ربما أحببته واحترمته.

توقفت قليلًا...

ثم قالت:

  - لما سمعت الجملة دي... بدأت أبكي.

قلت له:

إذن لماذا ترفض؟

خفضت رأسها.

  - فقال لي:

- الحب، يا ابنتي، لا يكفي وحده ليبني حياة.

فالحياة ليست لقاءاتٍ عابرة تُزهر فيها القلوب، ولا كلماتٍ رقيقة تُقال تحت وهج العاطفة. 

إنما تبدأ الحياة الحقيقية حين ينقضي الحلم، ويهدأ اندفاع القلب، وتبقى الأيام بثقلها، ومسئولياتها، واختباراتها.

فكّري في الأمر...

لو أن روحي فاضت الآن، فلمن سيئول كل ما بنيته طوال عمري؟ 

ألن يكون لكِ وحدك؟

لكنني لا أتحدث عن بيتٍ أو مالٍ أو إرثٍ يُقاس بالأرقام، يا ابنتي. 

إنما أتحدث عن الاسم الذي أحمله، والقيم التي عشت من أجلها، والمسئولية التي ستستقر يومًا بين يديك.

وماهو أعظم شأنًا... ديننا الذي نشأنا عليه، وتربينا في ظلاله، واستقامت به خطواتنا منذ عرفنا معنى الصواب والخطأ.

هو البوصلة التي لا ينبغي أن تضيع، والميزان الذي تُوزن به القلوب قبل الأفعال، والعهود قبل الوعود.

ذلك هو الإرث الحقيقي الذي أخشى عليه أكثر مما أخشى على أي شيءٍ آخر.

ساد الصمت بيننا.

ثم واصلت حديثها:

  - قال لي:

- تخيلي بعد سنوات، عندما يصبح عندكما أطفال.

سيكبرون على ماذا؟

من سيعلمهم؟

وعندما تأتي الأعياد... كيف ستعيشونها؟

وإذا اختلفتما في أمر يخص إيمانكما... من سيتنازل؟

وإذا اختلفتما في أمر يخص حياتكما... لمن ستلجأون؟

وهل سيبقى التنازل حبًا... أم سيتحول مع الوقت إلى وجع؟

كانت تتحدث، وكأنها ما زالت تسمع صوته.

قالت: ثم نظر إليّ طويلًا....


- أنا لا أخاف من اختلاف الدين بينكما.


ثم سكت لحظة، كأن الكلمات التالية أثقل من أن تُقال، قبل أن يُردف بصوتٍ امتزج فيه الأسى باليقين:

- إنما أخاف مما قد يجرّه هذا الاختلاف من مسالك، وما قد يفرضه عليكما من اختبارات، حين تصطدم العاطفة بما يمليه الإيمان، ويقف كلٌّ منكما عند حدوده التي لا يستطيع تجاوزها.

أخاف من الأيام.

الأيام تكشف أسئلة لا يراها العشاق في البداية.

وعندما تظهر... يكون الرجوع مستحيلًا.

ابتلعت ريقها بصعوبة.. وأكملت:

ثم أمسك يدي ... وقال:

- لا أطلب منك أن تتوقفي عن حبه.

ولا أطلب منك أن تنسيه.

أنا فقط أطلب منك أن تفكري بعقلك، كما أحببته بقلبك.

القلب يبدأ الحكاية.


لكن العقل هو الذي يحافظ عليها.

كنت أسمعه وداخلي يرتجف... 

رغم ذلك ابتسمت ابتسامة حزينة.

  وقبل أن أقوم...

ناداني: لولي ... 

"وهو الأسم الذي يحب أن يناديني به"

قلت له:

نعم يابا.......

قال:

- لو كان حبكما حقيقيًا...

وسكت لحظة... وقال بعدها:

 ...فلا تجعلاه سببًا في كسر أحد

لا تكسريني...

ولا تكسريه...

ولا تكسرا نفسكما...

ساد الصمت بيننا...

لم أستطع أن أقول إن والدها مخطئ.

ولم أستطع أن أقول إنه على حق، فكل كلمة قالها خرجت من قلب أب يخاف على ابنته.


لكنها في الوقت نفسه...

كانت تصطدم بقلبينا.

- قلت بعد لحظات:

  - وماذا قلتِ له؟


ابتسمت، وعيناها تمتلئان بالدموع

- قلت له:

إني أحبك...

  - كانت أول مرة أقولها بصوت واضح.

حتي لك، لم أقولها إلا الآن.

شعرت أن العالم كله توقف للحظة.

نظرت إليها.

وقلت بهدوء:

  - وأنا – أح ب ك - ليديا.

رفعت رأسها ببطء.

كانت الدموع تلمع في عينيها.

لكنها ابتسمت.

ابتسامة امتزج فيها الفرح بالخوف.

نانسي:

- أبكيتني يا أستاذ.

جميل أن نحب، وجميل مانحب من يبادلنا الحب.

- ربما.. أهي حكاية أخري لك؟

- ربما أستاذي.. أكمل....

كان البحر أكثر هدوءًا، والسماء تكتسي بلون برتقالي دافئ.

قلت:

  - نمشي قليلًا؟

أومأت برأسها.

سرنا بمحاذاة البحر، دون أن نتحدث.

توقفت فجأة... قالت:

  - لو خيّروك يومًا.

بيني وبين أهلك.

من تختار؟

قلت بابتسامه:

  - السؤال نفسه مؤلم.

  - لماذا؟

  - لأن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تخسر من تحب... حتى تثبت أنك تحب.

ظلت تنظر إليّ طويلًا، ثم ابتسمت.

وقالت:

- لهذا أحبك.

جلسنا على سور الكورنيش.

كانت الأمواج تضرب الصخور، ثم تعود إلى البحر من جديد.

قالت وهي تنظر إلى السماء.

  - أنا مؤمنة أن الله محبة.

قلت:

  وأنا مؤمن أن الله رحمة.

ظللت أحدق إليها لحظة، لا أبحث عن جواب، بل عن المعنى الكامن خلف كلماتها. 

ثم قلت، بصوتٍ هادئ لم يخلُ من الحزم:

الاختلاف، لم يكن يومًا هو المشكلة. 

فمنذ أن عرف الإنسان الحياة، وهو يختلف في الفكر، واللغة، والعقيدة، وحتى في طريقة رؤيته للعالم.

المشكلة الحقيقية ليست في الاختلاف ذاته، بل في خوف بعض الناس منه؛ خوفٌ يدفعهم إلى أن يحاربوا ما لا يفهمونه، أو يرفضوا ما لم يعتادوه، فيجعلون من التنوع خصومة، ومن التباين عداوة.

أما الاختلاف الذي يقوم على الاحترام والصدق، فهو قادرٌ أن يفتح أبوابًا للفهم... لكنه، وحده، لا يكفي ليزيل الحدود التي يرسمها كل إنسان وفق قناعاته ومبادئه.

رأيتُ في عينيها بريقًا لم أعرفه من قبل؛ لم يكن بريق انتصار، ولا دهشة، بل نورًا خافتًا يولد حين يجد القلب كلمةً كان يبحث عنها طويلًا.

مدّت يدها في هدوء، وأمسكت بيدي، وكأنها تريد أن توقف الزمن عند تلك اللحظة.

قالت، بصوتٍ يكاد يُسمَع:

- لا تتغيّر.

نظرتُ إلى يدها التي تحتضن يدي، ثم رفعتُ عينَيَّ إليها، وقلتُ بابتسامةٍ امتزج فيها الحنان بشيءٍ من الأسى:

- لن أتغيّر فيما أؤمن به، ولن أتخلى عمّا علّمتني الحياة أنه حق. 

لكنني سأظل أتعلم كيف أُحب دون أن أظلم، وكيف أختلف دون أن أكره، وكيف أتمسك بمبادئي دون أن أقسو على من يخالفني.

وقبل أن نفترق، فتحت حقيبتها الصغيرة.

أخرجت دفترها.

نزعت منه صفحة.

طوتها بعناية.

ثم وضعتها في يدي.

وقالت:

  - لا تفتحها الآن.

افتحها عندما تعود.

عدت إلى السكن.

أغلقت باب الغرفة.

جلست على طرف السرير.

فتحت الورقة ببطء.

كان خطها الهادئ يملأ الصفحة.

"هناك أشخاصٌ نعبر بهم الطريق مصادفة، فنمضي ولا يتركون في أرواحنا سوى ذكرى عابرة.

وهناك أشخاصٌ يبعثهم الله إلى حياتنا رحمةً، فيأتون في الوقت الذي نظن فيه أن الأبواب كلها قد أُغلقت، فيفتحون في قلوبنا نافذةً من نور، ويذكروننا بأن الخير ما زال يسكن هذا العالم.

وأنا... أدعو الله في كل يوم، أن تكوني أنتِ من هؤلاء؛ ممن يكون حضورهم نعمة، وأثرهم طيبًا، وغيابهم دعاءً لا ينقطع."

أغلقت الورقة ببطء.

وضعتها داخل محفظتي.

ولم أكن أعلم...

أنها ستبقى معي سنوات طويلة.

كلما أثقلتني الحياة.. وضعفت.

أخرجتها من جديد.

فأشعر...

أن ليديا لم تغب قط، وكأن يدها ما زالت تمتد إليّ، تمسك بيدي في صمت، وتقول دون أن تنطق: "لست وحدك"

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11202
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.