السياسة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا
شكّل الموقع الجيوسياسي لليبيا على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط محط أطماع للاستعمار الإيطالي منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث تسارع السعي الإيطالي للحاق بركب الدول الإمبريالية الكبرى عقب تحقيق الوحدة الوطنية عام 1870م.
وبدأت روما إستراتيجيتها عبر ما يُعرف بـ "التغلغل السلمي" لتأسيس نفوذ اقتصادي وثقافي قبل التدخل العسكري المباشر، فأنشأت بعثة الفرنسيسكان والمدارس والمستشفيات، وافتتحت فرعاً لـ "بنك روما" عام 1905م للهيمنة على الاستثمارات والعقارات في طرابلس وبرقة. وتوّجت إيطاليا هذه التحركات بعقد اتفاقيات سرية ثنائية مع فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية لضمان عدم معارضتها، لتُوجه بعدها إنذاراً نهائياً للدولة العثمانية بحجة عرقلة النشاط الإيطالي واضطهاد الرعايا، وتعلن الحرب رسمياً في 29 أيلول/سبتمبر 1911م، وبدأت بعمليات إنزال بحري وقصف للمدن الساحلية واشتخدمت الطائرات لأول مرة في التاريخ العسكري.
قوبل هذا الغزو بمقاومة شعبية مسلحة التحمت فيها التشكيلات المحلية والعشائرية مع الحركة السنوسية وبعض القوات العثمانية المرابطة.
ورغم اضطرار الدولة العثمانية لتوقيع معاهدة "أوشي-لوزان" عام 1912م للانسحاب بسبب اندلاع حرب البلقان الأولى، رفض الليبيون المعاهدة وواصلوا النضال بقيادة شخصيات ميدانية بارزة مثل عزيز علي المصري وأحمد الشريف السنوسي، وحققوا انتصاراً استراتيجياً حاسماً في معركة القرضابية عام 1915م أدى إلى انحسار النفوذ الإيطالي في الشريط الساحلي فقط.
ومع انتقال القيادة السياسية إلى محمد إدريس السنوسي وتفاقم أزمات الجفاف والمجاعة، شهدت المنطقة محاولات لتنظيم الإدارة السياسية كميلاد "الجمهورية الطرابلسية" عام 1918م وتوقيع اتفاقيات مرحلية كاتفاقيتي الرجمة وبومريم، غير أن التوتر ظل سائداً بين الطرفين لرفض القواعد الشعبية السيطرة الأجنبية.
انتهج الاستعمار الإيطالي طابعاً أكثر وحشية وشراسة عقب وصول بينيتو موسوليني والحزب الفاشي إلى السلطة عام 1922م، حيث ألغيت جميع التفاهمات السابقة واعتُمِدت سياسة "تهدئة ليبيا" القائمة على الحكم العسكري المباشر والقوة الغاشمة.
تولى الشيخ عمر المختار قيادة المقاومة المسلحة في الجبل الأخضر التي تبنت أسلوب حرب العصابات والكر والفر، مما دفع الحاكم العام بيترو بادوليو ونائبه العسكري رودولفو قرازياني إلى تطبيق إستراتيجية الأرض المحروقة والعقاب الجماعي.
ونتج عن هذه السياسات تهجير أكثر من 100 ألف مواطن قسراً إلى معتقلات جماعية في الصحراء كالعقيلة وسلوق والبريقة حيث قضى عشرات الآلاف حبساً وجوعاً، إلى جانب إنشاء سياج شائك ومكهرب بطول 300 كيلومتر على الحدود المصرية لمنع الإمدادات، وتدمير الثروة الحيوانية.
وانتهت هذه المرحلة المأساوية بأسْر عمر المختار وإعدامه شنقاً بعد محاكمة صورية في 16 أيلول/سبتمبر 1931م.
عقب القضاء على المقاومة المسلحة، أعلنت السلطات الإيطالية دمج الأقاليم الليبية عام 1934م تحت اسم "ليبيا الإيطالية"، ثم أصدر موسوليني مرسوماً عام 1939م يعلن ضم ليبيا رسمياً باعتبارها "الساحل الرابع" لإيطاليا. وشرعت روما في مخطط الاستيطان الديموغرافي عبر مصادرة الأراضي الخصبة ونقل عشرات الآلاف من المزارعين الإيطاليين للاستقرار فيها، ومنح الجنسية الإيطالية للسكان الأصليين دون حقوق سياسية حقيقية.
وعقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، أصبحت الأراضي الليبية ساحة صراع رئيسة بين قوات المحور والحلفاء، وانضم المجاهدون الليبيون إلى جانب الحلفاء تحت لواء "القوة الليبية المساعدة"، حتى انهزمت القوات الإيطالية والألمانية وطُرِد آخر جندي إيطالي من البلاد في كانون الأول/ديسمبر 1943م، لتقع ليبيا تحت الإدارة العسكرية البريطانية والفرنسية.
رفض الشعب الليبي محاولات تقسيم البلاد أو إخضاعها لوصايات أجنبية جديدة كخطة "بيفن-سفورزا" المقترحة عام 1949م، وتوافقت القوى الوطنية في المؤتمر الوطني للمطالبة بالوحدة والاستقلال. وعُرِضت القضية على الأمم المتحدة التي أصدرت قرارها التاريخي رقم 289 في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1949م القاضي بمنح ليبيا استقلالها التام كدولة واحدة.
و تحت بإشراف أممي ودور فاعل للجمعية الوطنية، تمت صياغة الدستور الوطني وتوجت هذه المسيرة بإعلان الأمير محمد إدريس السنوسي استقلال البلاد رسمياً في 24 كانون الأول/ديسمبر 1951م تحت اسم "المملكة الليبية المتحدة"، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة الوطنية السيادية بعد عقود طويلة من النضال والتضحيات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك