الفصل الثامن : " حين صار للحب ثمن "
لم تعد مكالماتنا تمتد لساعات كما كانت؛ لا لأن الحب خفَت وهجه، بل لأن القلق بدأ يتسلل بين الكلمات، حتى صار صامتًا يجلس معنا في كل حديث.
أحيانًا كنا نمضي دقائق طويلة دون أن ينطق أحدنا بحرف، ينتظر كلٌّ منا أن يبدأ الآخر، ثم ننهي المكالمة وقد أثقلنا شعورٌ غريب بأن أهم ما في قلوبنا ظل حبيس الصمت.
في مساء أحد الأيام، اتصلت بها مرةً، ثم أخرى، ثم ثالثة.....
كان الهاتف مغلقًا.
أقنعت نفسي بأنها منشغلة، أو أن بطارية هاتفها نفدت، لكن الهاتف ظل مغلقًا حتى صباح اليوم التالي.
للمرة الأولى منذ عرفتها، تذوقت الخوف الحقيقي.
لم يكن خوفًا من الغياب...
بل من المجهول...
وفي ساعات العصر، رن هاتفي أخيرًا.
كان اسمها يضيء الشاشة.
أجبت بسرعة.
جاءني صوتها واهنًا، كأن الليل ما زال عالقًا في حنجرتها.
- آسفة....
أطلقت زفرة طويلة، شعرت معها أن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدري.
- كنتِ فين؟ قلقتيني عليكِ.
ساد صمت قصير.
قالت بصوتٍ منكسر:
- بابا تعب جدًا.
شعرت كأن قبضةً خفية أطبقت على قلبي.
- ماله؟
- أزمة في القلب، الدكتور جه البيت، والحمد لله عدّت على خير.
الحمدلله ، قدرت أتصرف.
أغمضت عيني للحظة.
لم أكن أعرف الرجل إلا من لقاءات قليلة، لكن خوفي عليه كان صادقًا، كأنه واحد من أهلي.
طلبت أن أراها، إن تحسنت حالة والدها.
وافقت، لكن لمدة قليلة.
التقينا في حديقة هادئة تطل على البحر، حيث كانت الأمواج تلامس الشاطئ برفق، على النقيض تمامًا مما كان يعتمل داخلنا.
وصلت متعبة.
كانت عيناها تحملان آثار ليلةٍ طويلة لم تعرف فيها النوم.
جلست إلى جواري في صمت، وكأن الكلام أصبح أثقل من أن يُقال.
سألتها برفق:
- هو عامل إيه دلوقتي؟
قالت وهي تحدق في الأفق:
- الآن أفضل، تركته نائمًا.
ثم تنهدت وأضافت:
- لكن الدكتور قال لازم يبعد عن أي ضغط أو انفعال.
لم أحتاج إلى تفسير.
ولم تحتاج هي إلى شرح.
كان كلانا يفهم ما لم يُقَل.
بعد دقائق من الصمت، قالت:
- عارف أكتر حاجة وجعتني؟
قالتها وعيناها تلمعان بالدموع:
- لما شفته نايم على السرير، حسيت إني ممكن أخسره في أي لحظة
توقفت قليلًا، ثم همست.
- أنا مليش غيره في الدنيا.
اقتربت منها قليلًا، وقلت:
- ربنا يحفظه ويطول في عمره.
هزت رأسها، ثم قالت بصوتٍ مرتعش:
- لو حصل له حاجة بسببي.
وسكتت لحظة، قبل أن تتم عبارتها بصعوبة:
- عمري ما هسامح نفسي.
" في تلك اللحظة، لم يكن الصمت كاملًا؛ فقد قطعه صوت ريقها وهو يهبط في حنجرتها، هادئًا، لكنه مثقل بما لم يُقل"
أمسكت بيدها.
كانت أصابعها باردة، ترتجف بين يدي.
قلت بهدوء:
- اسمعيني كويس.
رفعت رأسها المثقلة ببطء.
قلت:
- آخر حاجة ممكن أقبلها، إن حبنا يكون سببًا في أذى حد.
"ظلّت تنظر إليّ بلا رمشة، واتسعت حدقتا عينيها شيئًا فشيئًا، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة"
لو وجودي هيزود عليكِ وجعًا أو تعبًا، فأنا أول واحد يغادر، من غير ما أثقل عليكِ حتى عبء الوداع.
خرجت الجملة وكأنها انتُزعت من أعماقي.
لكنني كنت أعني كل حرفٍ فيها.
انتزعت يدها من يدي فجأة، ونظرت إليّ بعينين امتلأتا بالدموع والغضب والحدة ولأول مرة.
قالتها وبعصبية:
- متقولش كده تاني .. لو سمحت.
التزمت الصمت.
- واصلت، ونبرة صوتها ترتجف.
- متقررش عني.
حاولت أن أتكلم.
- أنا
لكنها قاطعتني.
- إنت فاكر إن البعد هيخليني سعيدة؟
هززت رأسي، لا.
قالت بحزمٍ امتزج بالبكاء:
- فاهم.. يبقى متقولهاش تاني
كانت تلك أول مرة يرتفع فيها صوتها عليّ.
ولم أشعر بالإهانة.
كنت أدرك أن الذي يتحدث لم يكن الغضب.
بل الخوف من الفقد.
وحين هدأت، اعتذرت وهي تمسح دموعها.
ابتسمت، محاولًا أن أنتشلها من حزنها.
قلت:
- منك أنت، افتكري إن أول خناقة بينا.
ضحكت رغم الدموع.
قالت:
- شكلها مش آخر واحدة.
قلت مبتسمًا:
جميل، فكريني أشتري حقيبة أسعافات أولية.
ابتسمت ابتسامةً صغيرة، ثم مدت إصبعها الصغير نحوي.
وقالت:
- وعد؟
ابتسمت بدوري، وشبكت إصبعي بإصبعها.
وقلت:
- الآن أقول لك تأخرتي على عم منير.
وقبل أن نفترق، ، ودون أن تنظر إليّ قالت:
- ساعات بحس إن ربنا بيختبرنا.
- أكيد بيختبرنا ليديا.
سألت بصوتٍ خافت:
- ولو فشلنا؟
ابتسمت ابتسامةً لم أكن واثقًا منها.
وقلت:
- يبقى نتعلم، ونقوم ونحاول من جديد.
هزت رأسها ببطء.
لكنني شعرت أن قلبيها لم يطمئن بعد، وأن سؤالها ما زال معلقًا بين الموج والسماء.
في تلك الليلة، جلست طويلًا أمام نافذة السكن.
كانت الأمواج ترتطم بالكورنيش بعنف، ثم تعود إلى البحر كأنها لم تنتصر، ولم تُهزم
ولأول مرة منذ بدأت حكايتنا، أشعر بالعجز.
كنت أستطيع أن أواجه رفض الناس...
نظرات المجتمع .
اختلاف الدين .
لكنني لم أكن أملك الشجاعة لأن أكون سببًا في زيادة وجع رجلٍ مريض، قد يدفع ثمن قصة حب لم يخترها، ولم يكن طرفًا فيها.
أدركتُ أن الحب لا يُقاس بما نشعر به حين تكون الطرق ممهَّدة، ولا بما نقوله في لحظات الصفاء.
بل يُقاس بما نحن مستعدون لأن نخسره، وبما نرضى أن نضحّي به، حتى لا يتصدّع قلب من نحب.
ولا نقف فيها بين رغبتنا وسلامة من نحب، فنختار سلامته، ولو انكسر في المقابل شيءٌ في داخلنا.
فالحب، حين تضعه الحياة على المحك، لا يسأل: ماذا أريد؟
بل يسأل:
من الذي ينبغي أن أحميه، حتى لو كان الثمن قطعةً من قلبي؟
نانسي:
هل حانت النهاية أستاذنا؟
- النهاية ليست سوى بداية جديدة ..
ربما من هذا اليوم قررت أن أفعل شيئًا لصالح ليديا، رغم صعوبته.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك