لماذا نغضب بدون سبب واضح؟ "الإزاحة النفسية".. آلية دفاعية تفسر الانفعالات غير المبررة
في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا ننفعل بشدة تجاه موقف بسيط، أو نغضب من صديق أو شريك لم يرتكب خطأً حقيقياً يستحق هذا الغضب. وراء هذا السلوك تقف آلية نفسية عرفها علم النفس منذ أكثر من قرن، تُعرف باسم "الإزاحة" (Displacement)، وهي إحدى أبرز آليات الدفاع النفسي اللاشعورية التي يستخدمها العقل البشري للتعامل مع المشاعر التي يصعب مواجهتها مباشرة.
ما هي الإزاحة النفسية؟
وفقاً للجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، تُعرَّف الإزاحة بأنها "نقل للمشاعر أو السلوك" من موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر. وبعبارة أخرى، فإن الشخص الذي يمر بموقف يثير لديه انفعالاً قوياً كالغضب أو الخوف، ولا يستطيع توجيه هذا الانفعال نحو مصدره الحقيقي، يقوم عقله اللاشعوري بتحويل هذه الشحنة الانفعالية نحو هدف آخر أقل خطورة أو أكثر أماناً.
ويوضح موقع "ميديكال نيوز توداي" المتخصص أن نظرية الإزاحة تقوم على أن الشخص يتعامل مع التوتر أو القلق المرتبط بمشاعر سلبية، مثل الخوف أو الغضب، عبر تفريغها على هدف لا يشكل تهديداً.
أصل المفهوم: من فرويد إلى علم النفس الحديث
يعود مفهوم الإزاحة إلى عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي في مطلع القرن العشرين. ووفقاً لموسوعة "غراف سيرش" الأكاديمية التابعة للمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (EPFL)، فإن فرويد استخدم المصطلح الألماني "Verschiebung"، ويقصد به آلية دفاعية لاشعورية يستبدل فيها العقل هدفاً أو موضوعاً جديداً بأشياء شعر أنها في صورتها الأصلية خطيرة أو غير مقبولة. وقد استخدم فرويد المفهوم في البداية لتفسير تشويه الأحلام، قبل أن يتوسع تطبيقه ليشمل السلوك اليومي.
ومن الأمثلة الكلاسيكية التي أوردتها الموسوعة: الرجل الذي يمر بيوم سيئ في مكتبه، ثم يعود إلى منزله ليصرخ في وجه زوجته وأطفاله، فهو بذلك ينقل غضبه من بيئة العمل إلى أسرته. كما لاحظ فرويد أن الأطفال الذين يعانون من رهاب حيوانات معينة قد يكونون في الحقيقة يُزيحون خوفهم من والديهم نحو الحيوان.
لاحقاً، طوّرت آنا فرويد، ابنة سيجموند فرويد، هذا المفهوم ضمن قائمة أوسع لآليات الدفاع النفسي التي يلجأ إليها "الأنا" لحماية الفرد من القلق الناتج عن أفكار أو مشاعر يصعب تقبلها.
كيف تعمل الآلية؟
يشرح موقع "سيمبلي سيكولوجي" المتخصص في علم النفس أن العقل حين يواجه مشاعر غير مقبولة أو مهددة، كالغضب أو الخوف أو الخجل تجاه شخص معين، يلجأ إلى تحويلها نحو هدف بديل يبدو أكثر أماناً أو قبولاً. ويكون هذا الهدف البديل عادة أقل تهديداً أو حتى عاجزاً عن الرد، ما يقلل من احتمال وقوع عواقب جدية عند التعبير عن الغضب أو الإحباط تجاهه.
ومن أبرز خصائص هذه الآلية أنها تحدث دون وعي الشخص، إذ لا يدرك الفرد غالباً أنه يقوم بهذا التحويل. فالموظف الذي يشعر بالغضب الشديد من مديره، لكنه يضبط نفسه في العمل خوفاً من فقدان وظيفته، قد ينفجر لاحقاً في وجه صديق أو أحد أفراد أسرته لسبب بسيط، رغم أن هذا الشخص لم يفعل شيئاً يستحق ذلك.
الإزاحة نحو الذات
لا تقتصر الإزاحة على توجيه المشاعر نحو أشخاص آخرين، بل قد تنقلب أحياناً نحو الداخل. فبحسب موقع "بيتر هيلب" الذي يستشهد بتصنيفات APA، فإن الإزاحة قد تتخذ شكل مشاعر الإحباط والغضب والعدوانية التي تنقلب نحو الداخل، فتظهر في صورة اكتئاب أو اضطرابات نفسية أخرى، بدلاً من أن توجَّه نحو مصدرها الخارجي.
هل الإزاحة مشكلة دائماً؟
تشير المصادر المتخصصة إلى أن استخدام آليات الدفاع النفسي، ومنها الإزاحة، ليس بالضرورة أمراً سلبياً في حد ذاته. فالنظريات النفسية الحديثة تنظر إلى آليات الدفاع باعتبارها استراتيجيات مقبولة، ولا تعتبرها مشكلة إلا عند الإفراط في استخدامها أو حين تكون من الأنماط غير الناضجة. بمعنى أن هذه الآلية قد تكون وسيلة مؤقتة صحية لامتصاص الصدمة الانفعالية، لكن تكرارها بشكل مستمر هو ما يهدد العلاقات الاجتماعية.
كيف نتعامل مع الإزاحة؟
ينصح المختصون بعدد من الخطوات للحد من الآثار السلبية لهذه الآلية، أبرزها العمل على زيادة الوعي بالمشاعر ومصدر الإحباط الحقيقي، وممارسة اليقظة الذهنية، وتنمية الوعي الذاتي، كوسائل صحية بديلة للتعامل مع الغضب والمشاعر المُثقلة بدلاً من اللجوء إلى الإزاحة. كما يمكن للاستعانة بمختص نفسي أن تساعد الفرد على تتبع الجذر الحقيقي لانفعالاته بدلاً من إسقاطها على أطراف لا علاقة لها بالمشكلة الأصلية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك