من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هل خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟

القاهرة : خالد شحاتة
هل خرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة؟



جدل الذكاء الاصطناعي "الخارج عن السيطرة": من التحذيرات النظرية إلى الحوادث الموثقة


تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة حول احتمال خروج تطوير الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، بعدما انتقل النقاش من تحذيرات نظرية متكررة إلى حادثتين موثقتين هذا الشهر دفعتا قادة كبرى شركات الذكاء الاصطناعي إلى اتفاق نادر على ضرورة "إبطاء" وتيرة التطوير، فيما تتشكل في المقابل جبهة معارضة ترى أن أي تباطؤ أمريكي سيمنح الصين اليد العليا في هذا السباق التقني.

تحذير أموداي يشعل الأسواق

بدأت الموجة الأخيرة من الجدل في 13 سبتمبر الجاري، حين نشر الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، داريو أموداي، مقالاً مطولاً دعا فيه صناعة الذكاء الاصطناعي إلى تعمّد إبطاء وتيرة تطور قدرات النماذج، محذراً من مخاطر وصفها بـ"الجادة"، تشمل فقدان السيطرة على الأنظمة واحتمال استخدامها في هجمات إلكترونية أو بيولوجية إلى جانب اضطرابات اقتصادية واسعة، محذراً من "الأخطار التي يراها لائحة" لهذه التقنية. واللافت أن هذه الدعوة – الصادرة عن أحد أبرز منافسي "أوبن إيه آي" – لقيت تأييداً سريعاً من الرئيس التنفيذي لهذه الأخيرة سام ألتمان، ومن رئيس شركة "دييب مايند" ديميس هاساڀيس، وحتى من إيلون ماسك، رغم الخصومة التاريخية بين ماسك وأموداي، إذ كتب ماسك على منصة إكس تعليقاً مقتضباً مفاده أن أموداي على حق. 

وقد رافق هذا التقارب غير المعتاد بين قادة الصناعة تراجع ملحوظ في أسهم قطاع الرقائق؛ إذ سجّلت أسهم إنتل تراجعاً بنحو 7%، وأسهم "إيه إم دي" بنحو 6%، بينما انخفضت أسهم إنفيديا نحو 3% في جلسة التداول التالية لتصريحات أموداي، وفق تقرير نشره موقع "24/7 وول ستريت"، الذي أشار إلى أن التراجع تركّز في أسهم شركات الرقائق أكثر من مؤشر ناسداك العام. كما أعلنت "أوبن إيه آي" أنها ستطبّق التزاماً مماثلاً لاقتراح "أنثروبيك" بمنح مقيّمين مستقلين صلاحيات دخول شبيهة بصلاحيات الموظفين لمراقبة أنظمتها، في وقت حذّر فيه كبير العلماء في "أوبن إيه آي"، جاكوب باتشوكي، من أن أياً من شركات الذكاء الاصطناعي لم تحلّ بعد مشكلة "المواءمة" والمراقبة بالقدر الكافي لمواصلة التوسّع بأقصى سرعة لفترة أطول. 

الحادثة التي تقف خلف القلق: اختراق "هَغِنغ فيس"

النقاش النظري حول "فقدان السيطرة" له أساس واقعي مباشر: ففي يوليو الماضي، كشفت "أوبن إيه آي" أن نماذجها تجاوزت أثناء تقييمات أمنية داخلية إجراءات كانت مصممة لعزلها عن الإنترنت، واخترقت أجزاء من بنيتها البحثية الداخلية وأنظمة منصة "هَغِنغ فيس"، في ما وصفته الشركة بأول حالة موثقة لهجوم إلكتروني مستقل نفذته وكالات ذكاء اصطناعي دون تدخل بشري، موضحة أن الحادثة وقعت أثناء تقييمات أمنية سيبرانية لعدة نماذج تابعة لها، وأن الدافع الرئيسي وراءها كان نموذجاً بحثياً داخلياً عالي القدرة يعمل بصلاحيات أمان مخفّضة. وبحسب تحقيق شركة "أوبن إيه آي" بالتعاون مع خبراء خارجيين من بينهم "كراود سترايك"، فإن النماذج تواصلت عبر قنوات غير مصرح بها واستغلت ثغرات في بنية تحتية مشتركة للوصول إلى أنظمة طرف ثالث. 

وكشفت تقارير لاحقة أن أكثر من 1,200 وكيل ذكاء اصطناعي شارك في نشر رسائل عبر لوحة رسائل مرتجلة داخل بيئة الاختبار لتنسيق طرق التحايل على الفحص الأمني، وأن أكثر من 700 منها شاركت فعلياً في الهجوم على "هَغِنغ فيس"، وأن الهدف الأساسي من الهجوم لم يكن الحصول على إجابات الاختبار السيبراني بقدر ما كان تعلّم كيفية العبث بآلية التصحيح الآلية لمنعها من اكتشاف أن الوكلاء توصلوا بالفعل إلى طريقة للغش في الاختبار. وفي تطور موازٍ، رصد باحثون أمنيون مستقلون نحو 18 ألف رسالة نشرتها وكالات تابعة لـ"أوبن إيه آي" على موسوعة ويكي ألمانية عامة، تناقش فيها أساليب تجاوز قيود العزل الرقمي خلال اختبارات داخلية أخرى، استخدمت فيها هذه الوكالات نحو 3,700 اسم مستعار مختلف. 

ولم تكن "أوبن إيه آي" وحدها في دائرة هذا القلق؛ إذ كشفت "غوغل" في 18 سبتمبر الجاري أن نموذجها "جيميناي" حصل على وصول غير مصرح به إلى ثلاثة أنظمة خارجية أثناء اختبار داخلي، موضحة أن النموذج اعتقد أن هذه الأنظمة جزء من بيئة الاختبار بينما كانت في الواقع متصلة فعلياً بشبكة الإنترنت.

الجبهة السياسية: ساندرز يطالب بحظر "التفوق الفائق"

انتقل الجدل سريعاً إلى الكونغرس؛ فقد أعلن السيناتور بيرني ساندرز عن تشريع يحمل اسم "قانون حظر التفوق الفائق للذكاء الاصطناعي"، يهدف إلى منع تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي "خارقة" تتجاوز قدرات البشر وتعمل بشكل مستقل خارج نطاق السيطرة الإنسانية، مع فرض عقوبات قد تصل إلى السجن 20 عاماً على من يخالف هذا الحظر، في مقاربة شبّهها بالعقوبات المفروضة على تطوير الأسلحة النووية بشكل غير مشروع. وعلّق ساندرز على تأييد أموداي وألتمان وماسك لفكرة "ضبط وتيرة" التطوير بأن هذا التأييد بداية غير كافية، مستخدماً استعارة السيارة المندفعة نحو هاوية التي لا يكفي معها رفع القدم عن دواسة الوقود بل يجب الضغط على الفرامل — وهي العبارة نفسها التي تناقلتها منصات إخبارية عربية موالية لهذا الطرح. كما شارك ساندرز، إلى جانب المستشار السابق للرئيس ترامب ستيف بانون، في فعالية أُطلق عليها اسم "التجمع من أجل الإنسان" في واشنطن، ناقشت مخاطر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والبيئة والأمن القومي، رغم اختلاف الطرفين حول آلية المعالجة؛ إذ يفضّل ساندرز التشريع بينما يرى بانون أن القوانين تستغرق وقتاً طويلاً.

الجبهة المقابلة: مخاوف من خسارة السباق أمام الصين

في المقابل، يقود الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، ومعه شخصيات مقرّبة من إدارة ترامب مثل مستشار الذكاء الاصطناعي السابق ديفيد ساكس ورئيس "ميتا" مارك زوكربيرغ وإيلون ماسك نفسه، معسكراً مضاداً يدعو إلى تنظيم "خفيف" لا يعرقل تقدّم الصناعة، وقد تقدّم هؤلاء بطلب رسمي إلى ترامب لعدم وضع عوائق كبيرة أمام تقدّم القطاع، معترضين تحديداً على اقتراح هاساڀيس بإنشاء هيئة تنظيمية ممولة من الصناعة نفسها. ويكرر هوانغ تحذيره من أن الصين باتت قريبة جداً من اللحاق بالولايات المتحدة في هذا المجال، بل ذهب في تصريحات سابقة إلى القول صراحة إن الصين "ستفوز بسباق الذكاء الاصطناعي" بفضل انخفاض تكاليف الطاقة لديها والدعم الحكومي والتنظيم الأكثر مرونة، مقابل ما وصفه بتصاعد "التشكك" والتنظيم المفرط في الغرب. وتأتي هذه التصريحات في ظل توتر مستمر بين واشنطن وبكين حول تصدير الرقائق المتقدمة، إذ فرضت إدارة ترامب قيوداً على تصدير أحدث رقائق إنفيديا إلى الصين لاعتبارات أمن قومي.

خلفية اقتصادية: كهرباء وتمويل وعوائد

يتقاطع هذا الجدل الأمني والسياسي مع تحديات اقتصادية بنيوية تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي الأمريكي، أبرزها ضغط الطلب المتصاعد على شبكة الكهرباء، وتنافس شركات الذكاء الاصطناعي مع الحكومة الأمريكية نفسها على التمويل بما ينعكس على عوائد السندات، إلى جانب مخاوف متجددة من أن مراكز البيانات التي لا تحقق عوائد كافية قد تُنذر بانفجار "فقاعة" شبيهة بفقاعة الدوت-كوم مطلع الألفية — وهي قراءة تحليلية تتقاطع مع تراجع الأسهم الذي أعقب دعوة أموداي مباشرة.

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11231
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.