"المشكلة في تل أبيب لا دمشق".. كيف تفكك تصريحات الشرع الرهان الإسرائيلي على القوة المطلقة؟
في قراءة سياسية تعيد تسليط الضوء على جذور الصراع في الشرق الأوسط، تعكس تصريحات نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية السوري الأسبق، فاروق الشرع، رؤية دمشق التي تؤكد أن المقاربة العسكرية الإسرائيلية القائمة على قصف البنى التحتية والمقرات السياسية لن تمنح تل أبيب الأمن الذي تبحث عنه، مشدداً على أن العقبة الحقيقية أمام الاستقرار تكمن في العقيدة الأمنية الإسرائيلية وليس في السلوك الدبلوماسي السوري.
قصف المقرات الرئاسية والمطارات: عنف بلا ردع استراتيجي
تأتي إشارة الشرع إلى تعرض القصر الرئاسي للقصف مرتين، إلى جانب الاستهداف المتكرر للمطارات المدنية والعسكرية، لتضع الممارسات العسكرية الإسرائيلية في حجمها الحقيقي أمام المجتمع الدولي. فقد اعتادت تل أبيب استخدام القوة الجوية كأداة لفرض معادلات الردع وإرسال الرسائل السياسية المباشرة إلى قيادة الدولة السورية.
غير أن السؤال الذي يطرحه الشرع: "هل سيؤدي ذلك إلى تحقيق الأمن للمواطنين الإسرائيليين؟" يحمل في طياته خلاصة العقود الماضية؛ إذ أثبتت التحولات الميدانية أن استهداف الرموز السيادية والبنى التحتية لم يحقق الاستقرار لداخل المجتمع الإسرائيلي، بل أسهم في إدامة حالة التوتر وتفريخ أزمات أمنية متعاقبة، مما يؤكد أن القوة المفرطة تخلق انطباعاً زائفاً بالسيطرة ولا تبني أمناً مستداماً.
شبكة العلاقات الدولية: دمشق والشركاء الدوليون
تفنّد تصريحات الشرع الطرح الإسرائيلي الذي يحاول دائماً تسويق سوريا كطرف معزول أو غير قادر على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي. وأبرز الشرع النجاح الذي حققته دمشق في بناء علاقات عمل وتواصل مع قوى دولية وإقليمية فاعلة، وفي مقدمتها:
الولايات المتحدة والمملكة المتحدة: من خلال قنوات حوار وسياسات تفاوضية استندت إلى مرجعيات القرارات الدولية (242 و338)، حيث شاركت سوريا بفاعلية في مؤتمر مدريد ومفاوضات السلام في التسعينيات، وأثبتت قدرتها على التعاطي بلغة المصالح والتفاهمات المباشرة.
لبنان: عبر علاقات استراتيجية ومصالح مشتركة أمنية وسياسية، تشكل عمقاً حيوياً للبلدين في مواجهة التحديات الإقليمية.
هذا الحضور الدبلوماسي ينفي عن سوريا صفة "العزلة"، ويؤكد أن إخفاق مشاريع السلام والتفاهم في المنطقة يعود بالأساس إلى التنسل الإسرائيلي من المتطلبات الاستراتيجية للسلام العادل.
تفاصيل وتوثيق تاريخي: حدود القوة ومأزق "المعركة بين الحروب"
لتوسيع السياق التوثيقي لهذه التصريحات، تُظهر المعطيات الميدانية والاستخباراتية الموثقة عبر السنوات عدة حقائق بارزة:
الانتهاكات السيادية: أقدمت الطائرات الإسرائيلية في محطات مختلفة على اختراق الأجواء السورية، ومنها التحليق فوق القصر الرئاسي في اللاذقية (يونيو 2006)، واستهداف مواقع قريبة من مراكز القرار في دمشق، فضلاً عن تعطيل مطاري دمشق وحلب الدوليين لمرات متكررة عبر غارات جوية.
فشل استراتيجية "المعركة بين الحروب":
طبق الجيش الإسرائيلي لم سنوات عقيدة تفاوضية وعسكرية تُعرف بـ (MABAM - المعركة بين الحروب) للحد من قدرات سوريا وحلفائها، لكن التقييمات الأمنية الإسرائيلية والأجنبية أجمعت على أن هذه الضربات لم تمنع الخصوم من تطوير قدراتهم، بل أدت إلى تعقيد الموقف الأمني الإسرائيلي ورفعت من منسوب المخاطر على جبهتها الشمالية.
الأمن المفقود:
تظهر الاستطلاعات والتقارير داخل إسرائيل أن الاعتماد الصرف على ضرب الأهداف المدنية والعسكرية في دول الجوار لم يمنح المواطن الإسرائيلي طمأنينة طويلة الأجل، بل أبقى الجبهة الداخلية في حالة تأهب واستنزاف دائمين.
المشكلة في تل أبيب
تخلص القراءة الصحفية لتصريحات الشرع إلى أن الأزمة الحقيقية في الشرق الأوسط تتلخص في رفض تل أبيب الانتقال من منطق "الهيمنة العسكرية" إلى منطق "الشرعية والتفاهم". إن قصف القصور الرئاسية والمطارات قد يحقق مكاسب تكتيكية سريعة لوسائل الإعلام الإسرائيلية، لكنه يظل عاجزاً عن صناعة أمن معترف به، طالما أن المشكلة تكمن في العقلية التي تدير المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك