الفصل التاسع : " القرار الأصعب"
مرّت أيامٌ لم نلتقِ خلالها...
كانت مكالماتنا قصيرة، وكلماتنا موزونة، وكأن كلًّا منا يخشى أن ينطق بجملةٍ لن يستطيع التراجع عنها.
لكن الشوق، كان أقوى من الخوف.
في مساء الجمعة، رنّ هاتفي.
كانت ليديا.
قالت بصوتٍ خافت:
- بابا عايز يشوفك.
ساد الصمت بيننا.
لم أكن أعرف إن كان هذا اللقاء بداية انفراج، أم أول خطوة نحو النهاية.
وصلت إلى منزلهم قبل الموعد بدقائق.
فتحت ليديا الباب.
بدت شاحبة، كأن الأيام مرّت عليها أثقل مما مرّت عليّ، لكنها ابتسمت.
ابتسامة حاولت أن تبدو مطمئنة.
همست وهي تقودني إلى الداخل:
- مهما حصل... اسمعه للآخر.
أومأت بصمت.
كان الأستاذ منير يجلس في مكتبه، وإلى جواره فنجان قهوةٍ برد قبل أن يلامس شفتيه. شحب وجهه، واستقرت إلى جوار كرسيه عصا يتكئ عليها، بينما انحنت قامته قليلًا، لا انحناءةَ هزيمة، بل انحناءة رجلٍ أثقلته السنون والمرض، وما زال يحاول أن يبدو أقوى مما يشعر.
ما إن رآني حتى قام بصعوبة، وصافحني بحرارةٍ اعتدتها منه.
لكن دفء يده هذه المرة أخفى تعبًا لم تستطع عيناه إخفاءه.
جلسنا.
ساد صمتٌ قصير، قطعه بصوتٍ هادئ بجملة كررها على مسامعي أكثر من مرة:
- أنت شاب محترم، وكنت أتمنى من قلبي إن الظروف تكون مختلفة.
ظللت أنظر إليه، منتظرًا ما بقي في صدره.
فأردف:
- صدقني، أنا معنديش اعتراض على أخلاقك، ولا على تعليمك، ولا حتى على مستقبلك.
ثم أطلق زفرةً طويلة.
- اعتراضي الوحيد، إن الحياة هتكون أقسى عليكما مما تتصوران.
ظل يتحدث لأكثر من ساعة.
لم يرفع صوته مرة.
ولم يجرحني بكلمة.
كان يتحدث كأبٍ يخشى أن يرى ابنته تتألم، لا كرجلٍ يرفض الشاب الذي أحبته.
قال لي الأستاذ منير، بعد صمتٍ طال حتى خُيِّل إليّ أنه يعيد ترتيب كلماته حتى لا تؤذي أحدًا:
- الحب جميل.
وسيبقى جميلًا.
لكنه وحده، لا يكفي..
سيأتي يوم، وستقفان أمام أسئلةٍ لن يستطيع الحب وحده أن يجيب عنها.
- ماذا عن الزواج؟
- ماذا عن الأولاد؟
- أي دين سيختارون؟
وكيف ستواجهان مجتمعًا قد لا يرحمكما؟
تنهد طويلًا، وأرخى ظهره إلى المقعد، ثم وقعت عيناه على العصا المستندة إلى جواره، كأنها تذكّره بضعفه الذي يحاول إخفاءه.
قال بصوتٍ خافت، أثقله الخوف أكثر مما أثقله المرض:
- أنا لا أخاف على نفسي.
أنا أخاف عليكما.
ساد الصمت.
لم أجد ما أقوله فورًا.
كنت أرى في كل كلمة نطق بها أبًا يقاتل بقلبه، لا رجلًا يعاند.
رفعت بصري إليه، وقلت بهدوء:
- حضرتك معاك حق، في كل مخاوفك.
ارتسمت على وجهه علامات دهشةٍ صامتة.
فأكملت:
— لو سمحت لي لكن عندي سؤال واحد
أشار إليّ أن أتابع.
قلت:
- لو كنت مكاني.
وحبيت بنت بنفس الطريقة دي، وبنفس الظروف.
ماذا أنت فاعل؟
تجمدت ملامحه.
وانخفضت عيناه إلى الأرض، كأن السؤال سحب منه كل الإجابات التي أعدّها قبل هذا اللقاء.
مرّت لحظات طويلة، لم يُسمع خلالها سوى عقارب الساعة، ودقات قلب ليديا.
ثم ابتسم.
ابتسامةً صغيرة، أثقلها الحزن.
- وقال:
- يمكن.
كنت هتمسك بيها.
زي ما أنت متمسك بيها دلوقتي، وهي متمسكة بك الآن.
لمعت عين ليديا .. فرحًا.
توقف، ثم رفع عينيه إليّ.
بدت فيهما غصةٌ لم يحاول إخفاءها.
وقال بصوتٍ مبحوح::
- وده هو اللي مخوفني، لأن اللي بيحب بالشكل ده، لما يخسر، بيتكسر. وأنا مش عايز أشوف واحد فيكم مكسور.
صدقني يابني، لا أنت ولا أبنتي.
بعد إذنك، ميعاد الدواء.
خرجت من مكتبه ببطء.
كانت ليديا ترقب حديثنا، وكأنها تعدّ الثواني منذ دخلت إلي منزلهم.
وما إن التقت عيناها بعيني، حتى قرأت في وجهي ما عجزت الكلمات عن قوله.
اقتربت مني على عجل، وهمست:
- بابا قال لك إيه؟
ابتسمت.
ابتسامةً لم تصل إلى عينيّ.
قلت:
قال لي: بعد إذنك، ميعاد الدواء.
قالت:
- ليس هذا موعد دواء بابا!
- وماذا تستشفين من ذلك؟
- لا أعرف .. صدقني.
قلت:
- ليديا، والدك قال الحقيقة.
وسكتُّ لحظة، ثم أضفت و بهدوء.
- من غير لف ولا دوران.
أطرقت برأسها، وأغمضت عينيها لثوانٍ، كأنها تحاول أن تمنع دمعةً من الهروب.
ثم قالت بصوتٍ خافت، أنهكه التعب:
- وأنا
تعبت من الحقيقة.
ابتسمت ابتسامةً شاحبة.
وقلت:
- الحقيقة عمرها ما كانت عدوّنا.
اللي بيوجع.
إنها ساعات بتسبق الوقت.
نزلنا إلى الشارع القريب من منزلها والترام والبحر..
كان الليل قد أرخى ستاره على المدينة، بينما ظل البحر يرسل أمواجه إلى الشاطئ، موجةً تلو أخرى، كأنه يحاول أن يمحو أثر حيرةٍ لا تمحوها المياه.
توقفنا على سور الشاطئ.
لم نتبادل كلمةً واحدة.
كان الصمت بيننا يتكلم أكثر منا.
قطعت ليديا السكون، وسألت:
- لو بابا طلب منك تسيبني.
هتعمل إيه؟
توقفت، والتفت إليها.
كان السؤال أكبر من أن يُجاب عنه بكلمة.
قلت بعد صمت:
- لو سيبتك علشان أريح الناس.
هفضل طول عمري أسأل نفسي إذا كنت خذلت الحب نفسه.
ولو تمسكت بيك رغم وجعهم.
هفضل شايل ذنب دموع أو عُمر ناس عمرهم ما كانوا أعدائي.
ابتلعت ريقها، وهمست:
- يعني
قلت بهدوء رغم تلاطم الموج.
- يعني.
أنا مش عايز أكسبك وأخسر أبوك.
ولا عايز أرضيه وأخسرك.
عايز أوصل ليوم.
يبقى فيه قلبي مطمئن.
ووالدك كمان مطمئن إنه سلّم بنته لإنسان هيصونها.
سكتُّ لحظة.
قالت:
- يمكن الطريق هيبقى أطول.
لكن مش كل تأخير.
بيبقى خسارة.
لكن.
لو اخترتك، هكسر قلب بابا
ولو بعدت عنك... هكسر قلبي.
أحسست وقتها أن ليديا بدأت ترضخ لأمر واقع!
كانت واقفة أما سور البحر.
ظلت تحدق في الأمواج، وكأنها تبحث بين انكساراتها عن جواب.
ثم قالت بصوتٍ امتزج بهمس الموج:
- وأنا مستعدة أنتظر.
لو كان الانتظار هيخلّي النهاية أهدى.
اقتربت منها، ونظرت إليها.
قلت مبتسمًا:
- تمام، نصبر.
أول مرة أحس إن الصبر.
ممكن يبقى شكل من أشكال الحب.
لكن، والمهم .. لمتى؟
ابتسمت، رغم الدموع التي تلمع ولم تستطع إخفاءها.
قالت:
- فيه حاجة واحدة متأكدة منها
- إيه هي؟
نظرت إليّ طويلًا.
قالت:
- إنك أجمل صدفة.
وأصدق اختيار.
حصل في حياتي.
لم أجد ما أقوله.
اكتفيت بأن أمسكت يدها برفق.
- تعالي أوصلك للمنزل .
يمكن والدك محتاج يشوفك دلوقتي، أكتر من أي وقت.
أحيانًا ليديا، تكفي يدٌ واحدة لتقول ما تعجز عنه كل اللغات.
تكفي يدٌ واحدة.
وقبل أن نفترق، رأينا الأستاذ منير يخرج واقف أمام المنزل متكئًا على عصاه.
اقتربنا منه.
ليديا في حالة هلع على والدها، وأنا أيضًا.
الأستاذ منير سارع على الفور ليطمئن ابنته.
نظر إليها أولًا.
ثم إليّ.
ومد يده.
صافحته.
كانت قبضته ثابتة، وإن خانتها رعشةٌ خفيفة.
قال وهو ينظر في عيني:
- أعرف انكما سويًا، لكن أوعدني.
إن أي قرار تاخده.
يكون فيه خير لها.
ولك.
ولنا كلنا.
شعرت بغصةٍ تعتصر صدري.
أدركت أن أصعب ما في الحب.
ليس أن تختار بين قلبك وقلب من تحب.
بل أن تجد نفسك مضطرًا للاختيار بين قلبين، كلاهما عزيز عليك، وكلاهما... لا يستحق الألم.
أنتبهت له وضغطت على يده، وأجبته.
- أوعدك أستاذ منير.
إني عمري ما هختار طريق يخليني أكسب ليديا.
وأخسر احترامك.
ارتاحت ملامحه قليلًا.
وأومأ برأسه.
ثم استدار عائدًا بخطواتٍ بطيئة، قبل أن يختفي خلف باب المنزل، تاركًا ليديا معي وبإرادته.
أدركت أن الحب الحقيقي لا ينتصر حين يهزم الآخرين.
بل حين يجد مكانًا يتسع لقلوب الجميع.
وأن أصعب القرارات ليست تلك التي نختار فيها بين الصواب والخطأ.
بل تلك التي يكون فيها الجميع على حق، فنبحث بصبرٍ وحكمة عن طريقٍ لا يُهين قلبًا، ولا يكسر أبًا، ولا يطفئ حبًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك