الذِّكرى السّنويّة السّابعة لعيد ميلاد ابني (يوسف) رحمه الله
يوسفي الجميل، اليومَ عيدُ ميلادكَ يا حبيبي، ورغمَ صبري وإيماني الكبيرَين، لكنِّي لا أستطيعُ أنْ أمنعَ نفسي منْ أن أقولَ:
" كانَ اليومَ سيُصبحُ عُمرُهُ اثنينِ وعشرينَ عامًا".
أيُّهَا المَلاكُ الجَميلُ الَّذي يحترِقُ قَلبي اشتِياقًا إلَيهِ:
مرَّ يومُ الثَّالثِ مِن حُزيرانَ لهذا العَامِ، وهوَ الذِّكرى السَّنويَّةُ السَّابِعةُ لِوفاتِكَ.
مرَّ، ولمْ أكتبْ لكَ، لِأُثبِتَ لِنفسي أنَّ تاريخًا ميلاديًّا لا يهزِمُني، وأنَّ ورقةً دمويَّةً في روزنامةِ الحياةِ لا تكسِرُني!
مرَّ عابقًا بِبَخُورِ أدعِيَتي إلى اللهِ أنْ يرحَمَ روحَكَ النَّقيَّةَ، وأنْ يُكرِمَ وِفادَتَكَ إلَى جِنَانِهِ يا يوسُفيَ الحبيبُ.
مرَّ، ولمْ أنسَ أولئكَ الَّذينَ ما احترَموا قداسةَ وفاتِكَ، فهروَلتْ شهواتُ بُطونِهِم، لِتناولِ اللحومِ المشويَّةِ قُربَ قبرِكَ، بعدَ وفاتِكَ بشهرٍ؛ وما زِلتُ مصعوقةً، كيفَ استطاعوا الجلوسَ في ذلكَ المكانِ قريبًا جدًّا جدًّا منْ قبرِكَ، وهم يَشْوُونَ، ويطبخونَ؟
عندما دعَوني للذَّهابِ معهم، ارتجَفَ قلبي!
قلتُ لهُم: لا أستطيعُ أنْ آكلَ هناكَ؛ سأتخيَّلُ يوسفَ يتحسَّرُ على عدمِ وجودِهِ معَنا!
ظننتُهُم(بني آدمينَ)، سيحترمونَ مشاعري، ويتسمَّموا في مكانٍ آخرَ!
لكنْ على ما يبدو، طابَ لهُمْ جَرحي، ولا سيَّما تلكَ الأفعى صاحبةُ الدَّعوةِ، الَّتي وزوجُها استأثرَا بِتابوتِكَ، طمعًا في بيعِهِ!
تخيَّلْ يا روحَ قلبِ اُمِّكَ، أنَّني عندما سألتُ إحداهُنَّ:
كيف نِزلِت اللقمة بحَلقِك؟
قالتْ بلهجتِها، وصوتِها القميء:
" وَيْ، الحيّ أبقى من الميّـت"!
(وي)، الَّتي يستخدمونها بدلًا منْ (ويل)، أكرهُها، لأنَّهم ينفردونَ بِلفظِها، وينفردونَ بكلَِ حقاراتِ العالَم!
والمُضحِكُ المُبكي يا حبيبي، أنَّ تلكَ المأفونةَ الَّتي سألتُها، كانتْ أكثرَ منْ لطمَ، وهاجَ، وماجَ في جنازتِك، وواللهِ لمْ أُشبِّهْها وقتِها إلَّا بِالبقرةِ الَّتي تعُجُّ جوعًا إلى التِّبنِ!
كانتْ تلكَ المُولوِلةُ النَّائحةُ، وأخواتُها يُرِدْنَ لفتَ أنظارِ أهلِ القريةِ، أنهُنَّ حزيناتٌ أكثرَ منْ أُمِّكَ الرَّصينةِ، الهادئةِ، الماشيةِ في جنازتِكَ، ولا يخرجُ منْ فمِها صُراخٌ، أو عويلٌ، بلِ "الحمدُ للهِ"، و" اللهُ أكبرُ"، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله"، العباراتُ الإيمانيَّةُ الَّتي لمْ يألفوها، فالضَّجيجُ سُبَّحةُ شيطانِهم، والعويلُ ترتيلُ أرواحِهمُ الشِّرِّيرةُ، والوَلوَلةُ موسيقى الحزنِ عِندَهم!
مازلتُ أتذكَّرُ احتقارَ أهلِ القريةِ لهم، وهُم ملتفُّونَ حولَ الطَّعامِ يأكلونَ كوحوشِ البرِّيَّةِ السَّائبةِ، فيسألُني أهلُ القريةِ بِذهولٍ:
" مو هدول بيت(...) الّي كانوا عم ياكلوا جنب قبر ابنك الله يرحمو"؟
فكنتُ أقولُ:
نعم، هدول الّي اليهود ما عملوا عمايلهن!
آهٍ، يا يوسفي الحبيبُ، أتعلمُ؟
إنَّ أكثرَ مَنِ احتقرتُها، تلكَ الَّتي أتتْ منْ قريةٍ أخرى، أكلَتْ، ثُمَّ طلبَتْ منْ أبيكَ أنْ يوصِلَها!
(قاعدة، آكلة، شاربة، وراجعة على حساب بابا يا حبيبي)!
لم تفكِّر أنْ تأتيَ ولو لبضعِ دقائقَ لِتُطيِّبَ خاطري بِكلمةٍ، أنا الجالسةُ على الأريكةِ في الصَّالةِ، قُربَ النَّافذةِ، أبكي، وأنظرُ إلى السَّماءِ، أتخيَّلُهم ينهشونَ لحمَكَ، وأتخيَّلُ حزنَ قلبِكَ على منْ زعموا حُبَّكَ، وحُبَّ أبيكَ!
إييييه يا حبيبَ قلبِ اُمِّكَ!
واللهِ إنِّي لأكتبُ بِسعادةٍ عنهم؛ فقدْ وثَّقتُ في رسائلي إليكَ كلَّ قذاراتِهم، لِيُقالَ يومًا ما:
رحلَ يوسفُ، ومثَّلَ كثيرونَ الحُزنَ عليهِ!
آهٍ، يا حبيبي!
أكادُ لا أُصدِّقُ أنَّني احتملتُ غيابَ وجهِكَ سبعَ سنواتٍ!
أكادُ لا أُصدِّقُ أنَّ نورَ ابتِسامتِكَ انطفأ منذُ سبعِ سنواتٍ!
أكادُ أيضًا لا اُصدِّقُ بُطولتي طوالَ سبعِ سنواتٍ!
نعمْ، فعلتُها؛ لقدِ احتملتُ مُجدَّدًا يومَ ذِكرى وفاتِكَ، احتملتُ وطأةَ الذِّكرياتِ، بِحُلوِها، ومُرِّها.
فمرَّ ذلكَ اليومُ حافلًا بِالصَّدَقاتِ عنْ روحِكَ الجميلةِ، لا شكَّ رأيتَ أخوَيكَ يُساهمانِ بِجُزءٍ منْ مصروفِهِمَا طمعًا بِأنْ تصلَ أعمالُهُما إلَيكَ، وتفخرَ بِهِما.
ماذا أُخبِرُكَ عنهُما؟
يا حبيبي الجميلُ، لقدْ كبِرَا في غيابِكَ..
لقدْ كبِرنا جميعًا في غيابِكَ..
هُما كبِرَا سِنينًا
وأنا كبِرتُ أنينًا!
آهٍ يا حبيبي، أكادُ لا أصدِّقُ أنِّي نعَوتُكَ بِيدِي!
ما تزالُ مُلوحةُ الدَّمعِ تُحرِقُ خدَّيَّ منذُ تلكَ اللحظةِ، وما تزالُ غيمتَا الحزنِ ثاويتَينِ في عينَيَّ، وما تزالُ رصاصةُ الوجعِ تُنزِفُ ذاكرَتي
لكِنِّي أضمِّدُهَا بِالصَّبرِ، وأذُرُّ على جُرحيَ الكثيرَ منَ الإيمان!
سلامًا لِروحِكَ يا مَلاكِيَ الجَمِيل
وسلامًا لِقلبيَ العَليل
أمُّكَ المُلوَّعة
٢٠٢٦/٧/٤
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك