الشاعر محمود درويش وغزة
من المعروف أن محمود درويش تغنى بنضال شعبه الفلسطيني، وأثنى على صموده ومقاومته وبقائه في أرضه، متمسكًا بوطنه ومقدساته. ظهر ذلك في نتاجه الشعري والنثري كله تقريبًا. والمعروف أيضًا أن غزة لها أهميتها المركزية في القضية الفلسطينية؛ فهل خص درويش غزة بنصوص أو قصائد لها، وتناولها تناولًا مباشرًا ومستقلًا، كما فعل (على سبيل المثال) لبيروت والجليل ورام الله؟
يحيلنا تراث درويش الأدبي شعره ونثره إلى ثلاثة نصوص نُشرت في بداية السبعينيات من القرن الماضي، كانت غزة فيها محور النص ومكانه المركزي، والنصوص هي : "غزة كل يوم"، و"صمت من أجل غزة"، والنصان نشرا عام 1971، و"الخروج من ساحل المتوسط" التي نشرت عام 1973م.
غزة كل يوم
"غزة كل يوم " نص نثري يقترب من الشعر، نشر في جريدة الأهرام في 3 تموز/ يوليو 1971م بعنوان "غزة كل يوم"، وأعاد درويش توظيف عدد من أفكار المقال وعباراته في نصه "صمت من أجل غزة"، الذي أدرجه لاحقًا في "يوميات الحزن العادي" الذي صدر عن دار العودة في بيروت عام 1973م.
يرى درويش في نصه "غزة كل يوم" أن غزة لا تحتاج إلى قصائدنا وخطاباتنا، ولا تتقبل مدحنا؛ فهي منشغلة بالنضال ضد حصارها والاعتداء عليها. ويذكر تلك الليلة الحزينة التي عاشها أهل غزة عند استشهاد القائد زياد الحسيني في ظروف غامضة، وتخيل العدو إثر استشهادة حدوث شرخ بين الفلسطينيين، لكن تخيله خاب، ونهضت غزة كعادتها تقاوم الاحتلال، وتعلن جدارتها بالحياة والشرف والكرامة. إن غزة مدينة الصمود، ولن ينتصر عليها العدو، لأن إرادتها قوية وباقية، وهي ستُشعل نار المقاومة في الأراضي المحتلة، وتتحول "الحجارة إلى أحلام، والأحلام إلى حجارة"
صمت من أجل غزة
أما في النص "صمت من أجل غزة"، فلا يخرج درويش عن فضاء النص السابق في معانيه، ولغته، وأسلوبه النثري الشعري. ويظهر من عنوانه أن درويش يرى ضرورة الصمت من أجل غزة، لا الصمت عما يجري فيها من حصار وحرب؛ فغزة لا تحتاج إلى الخطابات والثرثرة الكلامية، بل إلى الفعل، وإلا فالأفضل تركها تقاوم الغزاة وفق أسلوبها " خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. لا هو موت.. ولا هو انتحار. إنه أسلوب غـزة في إعلان جدارتها بالحياة"
ويجد درويش في المقاومة بغزة معيارًا أساسيًا للقيمة والجدارة في ظل الاحتلال."هذه هي المنافسة الوحيدة هناك" وغزة هي كابوس الاحتلال يسعى إلى إغراقها في البحر أو الصحراء أو الدماء، وهي مع أنها ليست أغنى المدن ولا أجملها ولا أرقاها، ولكنها تعادل تاريخ أمة؛ "فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب"
ومع أن درويش شاعر، فإنه ينتقد في هذا النص تضخيم قدرة الشعر حين يتحول إلى بديل عن الفعل والمواجهة، ويرى غزة لا تعتمد على الشعر في مقاومتها الغزاة، بخلاف العرب الآخرين فأجمل ما فيها" أنها خالية من الشعر، في وقت حاولنا أن ننتصر فيه على العدو بالقصائد فصدقنا أنفسنا وابتهجنا حين رأينا العدو يتركنا نغني.. وتركناه ينتصر" إن ما تقوم به غزة مثال للعمل والإرادة، في مقابل الاكتفاء بالخطابة والبكاء على الأطلال.
الخروج من ساحل المتوسط
أما النص "الخروج من ساحل المتوسط" فهي قصيدة نُشرت في الأهرام أثناء إقامة الشاعر في مصر، ثم أدرجها في ديوان «محاولة رقم 7» الصادر سنة 1973، ونحن نذكرها هنا ضمن النصوص التي تناولت غزة تحديدًا، لأن غزة المكان الرئيسي والرمز المحوري فيها، وخصوصًا في المقطعين الأول والأخير. أما موضوع القصيدة العام فهو الحالة الفلسطينية والعربية بعد الهزيمة: المنفى، المقاومة، الشهادة، فشل الخطاب العربي، البحث عن هوية، وتحويل الموت إلى إمكانية للبعث.
وفي عنوان القصيدة "الخروج من ساحل المتوسط" ما يوحي بتناص مع قصة موسى (عليه السلام) والبحر. والخروج هنا لا يقتصر معناه على مغادرة المكان الجغرافي، إنما يحمل معاني البعد عن الوطن، والحياة بعد الموت، والمقاومة بعد الهزيمة، وتحويل العجز العربي إلى حركة جديدة. ويعود الخروج في نهاية القصيدة ليعني العودة إلى الوطن، وفي ذكر ساحل البحر المتوسط إشارة إلى التجربة الفلسطينية في محاولة الخلاص.
تقدم القصيدة هذه المعاني في غموض واضح، بدأه درويش على غير ما قدمه في قصائده السابقة في دوواينه: فالجسد يتوزع على جغرافيا المكان، وتبدو غزة، وهي تقاوم لا تهتم بالصلاة دون الفعل، حتى إن برتقالها الذي يرمز إلى الخصب والأرض والحياة يتحول إلى دم معلب.
سيلٌ من الأشجار في صدري
أتيتُ ... أتيت
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا.
وغزّةُ لا تصلّي حين تشتعلُ الجراح على مآذنها،
وينتقل الصباح إلى موانئها، ويكتمل الردى فيها
أتيتُ...أتيتُ
قلبي صالحٌ للشربِ
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا
وغزّةُ لا تبيع البرتقال لأنه دمُها المعلَّبُ
كنتُ أهرب من أزقَّتها
وأكتب باسمها موْتي على جميزة،
فتصيرُ سيِّدةً وتحمل بي فتىً حراً
فسبحان التي أسْرَتْ بأوردتي إلى يدها!
أتيتُ ... أتيتُ
غزّةُ لا تصلّي
لم أجد أحداً على جرحي سوى فمها الصغير
وساحل المتوسط اخترق الأبد..
في نهاية القصيدة، يتحدث مقطعها الأخير عن اختلاف الزمان والمكان في غزة؛ فهي ليست مجرد مدينة على الخريطة؛ بل مكان يتكثف فيه التاريخ. ويسأل الشاعر من قلب المكان عن المجدلية. ومريم المجدلية ترتبط في الديانة المسيحية بمشهد المسيح والصلب والقبر والقيامة التي ترمز إلى بناء صورة الفلسطيني الذي يُقتل ثم يعود. وتظهر هاجر في المقطوعة مرتبطة بالهجرة، والصحراء، والعطش، والبكاء، والابن، والبحث عن الماء، والنجاة. وكأن هجرتها امتداد للحاضر الفلسطيني. وهي هجرة لا توصف بأنها قديمة أو حديثة، بل هجرة إنسانية واحدة ممتدة في التاريخ. "هجرة لا تنتهي" أي أن غزة نقطة التقاء البحر والصحراء. وهي في موقعها على المتوسط تتحول في القصيدة إلى رمز للمنفى والمقاومة، ورمز للهجرة والعودة.
في غزةَ اختلفَ الزمان مع المكانِ
وباعةُ الأسماك باعوا فرصةَ الأمل الوحيد ليغسلوا
قدميّ
أين المجدلية؟
ذابتْ أصابعها مع الصابون
وانهمرت كتاباتٍ كتاباتٍ
وكان الجندُ ينتصرون ينتصرون
كانوا يقرؤون صلاتها
ويفتِّشون أظافرَ القدمين والكفين عن فَرحٍ فدائي،
وكانوا يُلحقون حياتهم
بدموع هاجَرَ. كانت الصحراء جالسةً على جلدي
وأولُ دمعة في الأرض كانت دمعةً عربية
هل تذكرون دموع هاجر – أوَّلِ امرأةٍ بكتْ في
هجرة لا تنتهي؟
يا هاجَرُ، احتفلي بهجرتي الجديدةِ من ضلوع القبر
حتى الكون أنهضُ
يسكن الشهداءُ أضلاعي الطليقة
ثم أمتشق القبور وساحلَ المتوسطِ
احتفلي بهجرتَي الجديدة.
هكذا تبدو غزة في القصيدة بصور شتى؛ فهي الجريحة التي تبلغ جراحها المآذن، وهي المقاومة التي لا تنفك عن النضال، وهي أرض البرتقال والميناء والأزقة وباعة الأسماك، كما أنها الأنثى القادرة على ولادة الأحرار. وفي المقطع الأخير هي الفضاءً الذي تلتقي فيه الرموز المكانية الدينية والأسطورية، التي تمثلها المجدلية وهاجر، والشهداء والبحر والصحراء، والقبر والميلاد.
نصوص أخرى لم تكن غزة فيها مركزية
في تجربة درويش الأدبية توجد نصوص، غير النصوص الثلاثة السابقة، تتخذ من غزة مكانًا للحدث، نتعرفه من السياق لا من النص نفسه، كما تذكر غزة في نصوص ومقاطع في مجموعاته وكتبه الأدبية. ففي كتابه "يوميات الحزن العادي" تُذكر غزة في مقطع يقوم على حوار ساخر بين معتقلين أحدهما من غزة والآخر من يافا. يذكر الغزي أنه ألقى قنبلة على الاحتلال، فيجيبه الحيفاوي بأنه ألقى قصيدة. وفي ذلك فرق بين الشعر والفعل، وهو ما أراد درويش تأكيده عن غزة في تقديمها الفعل على الكلام.
وفي كتاب درويش "أثر الفراشة" تحضر غزة في نصوص أخرى فضلًا عن قصيدة درويش "الخروج من ساحل المتوسط" كما في نص "البنت/الصرخة" الذي يوثق فيه الشاعر حادثة مجزرة شاطئ غزة التي استشهدت فيها عائلة هدى الغالية. وكذلك نص "عملية تسلل" الذي تحدث عن القتلى في غزة وأزقة مخيماتها. كذلك يأتي نص "ذباب أخضر" كأنه امتدادٌ أو تنويعٌ فني لنص "البنت/الصرخة". ومع غياب ذكر غزة مباشرة عن بعض هذه النصوص، إلا أن مرجعها المكاني واضح من الترتيب والسياق التاريخي.
ويوجد نص غير شعري في كتابه" في حضرة الغياب" يتحدث فيه درويش عن ذهابه الفعلي إلى غزة، بعد عودته إلى فلسطين عام 1996؛ فيستعيد زيارته للمخيمات، ومشيه في الأزقة، ورؤيته لواقعها. وكان قد كتب عنها قبل ذلك من مخيلته، ووصفها بأنها قلعة محاصرة.
ويذكر درويش نفسه في حوار بأن الانتفاضة الثانية دفعته إلى كتابة قصيدتين هما:” محمد الدرة" و"القربان" وأوضح الفرق بينهما أن قصيدة "محمد الدرة" تقوم على حدث وشخص محددين، أما "القربان" فليست عن حدث معين، إنما حالة فلسطينية عامة باستعارة القربان. ونحن لا نضع "القربان" ضمن القصائد التي كانت غزة مكانًا لها حتى لو أن كتابتها كانت قريبة زمنيًا من مقتل محمد الدرة، الذي جرى على ثرى غزة، حسب ما عرفناه من الصحف ومواقع الأخبار.
قلة الشعر في غزة
لاحظنا، بعد الوقوف على النصوص التي كتبها درويش عن غزة قلة هذا الشعر، مع أن غزة المكان المحوري في القضية الفلسطينية، ومن المعروف، أننا عندما نقول غزة لا نعني مدينة غزة وحدها بل قطاع غزة، الذي يتجاوز عدد سكانه المليونين، ومن المعروف تاريخيًا، أن هذا القطاع شهد تحركات شعبية وعمليات عسكرية وحروبًا ومواجهات مع إسرائيل بعد سنة1971 التي كتب فيها درويش نصوصه، التي عرضناها عن غزة، منها: الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي انطلقت من مخيم جباليا في ديسمبر 1987، ثم الانتفاضة الثانية عام 2000، التي تخللتها مواجهات وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة في القطاع. وكذلك جرت على أرضه عام 2004 عمليات عسكرية كبيرة، خصوصًا في رفح وجباليا.، وتبعها عام 2005 الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وإخلاء المستوطنات، ثم أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي من أجله شهدت غزة عملية عسكرية إسرائيلية واسعة عُرفت باسم " أمطار الصيف".
لكن، مع تلك التحركات والعمليات العسكرية والمواجهات، لم نجد في قصائد درويش أو تصريحاته ولقاءاته الصحفية ما يسوغ قلة شعره في غزة؛ لهذا فإن الباحث في حياته وأعماله لا بد أن يطرح السؤال المهم: لماذا لم تحظَ غزة بحضور متكرر في شعر شاعر يُعد شاعر القضية الفلسطينية؟
يمكننا وضع عدة فروض لعدم حضور غزة كثيرًا في شعر درويش نستطيع فهمها من كتابات الشاعر وتصريحاته وموقفه الساسية والفكرية:
أولا: اختلاف موقع غزة في تجربة درويش المكانية والشخصية. فدرويش يربط عادة بين شعره وتجربته الشخصية، وهذا يفسر حضور الجليل، وبيروت، ورام الله في شعره أكثر من غزة؛ فهو لم يعش فيها تجربة شخصية ممتدة زمنيًا. ولذلك ظل حضورها قليلًا في شعره، فالجليل مرتبط عند درويش بالطفولة، والقرية، والأم، والبيت الأول، والاقتلاع؛ ولهذا أصبح جزءًا من تكوين الأنا الشعرية نفسها. وبيروت لم تكن مجرد مدينة عربية مهمة، بل عاش فيها درويش تجربة المنفى، والعمل السياسي، والحرب والحصار والخروج، وعمل فيها بمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وعايش الحصار الإسرائلي واجتياحه عام 1982، وكانت قصائده خلال تلك المعايشة، منها ديوانه " مديح الظل العالي". ورام الله ارتبطت بمرحلة العودة والإقامة والحصار والحياة اليومية.
ثانيًا: عدم حاجة غزة إلى الشعر، فكما يقول درويش في نصه" صمت من أجل غزة": إن غزة لا تحتاج إلى الشعر" نظلمها حين نبحث عن أشعارها... أجمل ما فيها أنها خالية من الشعر" وإنها مدينة الفعل لا مدينة الكلام؛ إنها تحتاج إلى أن تُترك لتعلن جدارتها بالحياة بالفعل والمقاومة. وربما أسهم هذا التصور في تشكيل صورة غزة عند درويش طويلًا، كمكان لا يريد الشاعر أن يحوله إلى موضوع للبلاغة أو الرثاء المستمر. وهو ينتقد تحويل غزة إلى أسطورة، أو موضوع للتمجيد الشعري؛ لأن ذلك ـ في رأيه ـ قد يحوّل المقاومة الحقيقية إلى خطاب وبلاغة. ويقول أيضًا إنهم في مرحلة ما حاولوا أن "ينتصروا على العدو بالقصائد"، بينما كان العدو يبني المدن والحصون.
ثالثُا: سعي درويش إلى العالمية، والتحرر من صورته شاعر المقاومة، خاصة بعد تزايد حضوره على الساحة الأدبية العالمية، والحديث عنه بوصفه مرشحًا لنوبل. إذ تحول مشروعه الشعري من التعبير السياسي المباشر إلى أفق شعري أكثر اتساعًا وكونية، حين تجنب تحويل القصيدة إلى استجابة مباشرة ودائمة للحدث السياسي، مع بقائه منشغلًا بالشأن الفلسطيني عند لحظات معينة، كما قال عام 2002م: إن الشعر يحتاج إلى مسافة عن الحدث المباشر، ويحتاج إلى أن يصبح أكثر "إنسانية"، وإن الفلسطيني لا ينبغي أن يُختزل في صورتين جاهزتين: البطل أو الضحية، بل ينبغي أن يظهر بوصفه إنسانًا له أسئلته الخاصة، والأسئلة التي يشترك فيها مع بقية العالم.
بهذا التوجه، يصبح اختيار الاقتتال الفلسطيني في غزة سنة 2007 موضوعًا لقصيدته "الآن أنت لست غيرك" دالًا على أن الحدث لم يعد بإمكان الشاعر بناءه في القصيدة على الثنائية التقليدية بين الفلسطيني والاحتلال؛ لأن الفلسطيني أصبح قاتلًا ومقتولًا في الوقت نفسه. وقد وصف درويش الاقتتال آنذاك بأنه أشبه بـ"محاولة انتحار علنية"، وكان موقفه منه حادًا جدًا. وفي قراءته بحيفا تموز/ يوليو 2007 سخر بمرارة من واقع الانقسام بين غزة والضفة، ومن تحول الشعب الواحد إلى كيانين منفصلين.
كانت تلك الفروض التي يمكن وضعها لعدم حضور غزة حضورًا متكررًا في شعر درويش، وهي مجرد فروض يمكن نفيها؛ فلا يشترط عيش التجربة حتى يكتب عنها شاعر. كما أن غزة وإن كانت تقدم المقاومة على الشعر فهي لا تستغني عن الشعر، بل ربما يكون دافعا لها على الفعل والمقاومة، ثم إذا كان طموح درويش إلى العالمية أثر في انتقائه للأحداث، فالاقتتال الفلسطيني عام 2007 أتاح له الفرصة لمعالجة الحدث معالجة إنسانية تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى موضوعات، مثل: الأخوة والعنف، والسلطة، والانقسام والموت، وفقدان الهوية، إن الحدث كان أكثر قابلية للتلقي الإنساني والعالمي. ولكن لماذا استجاب درويش بقوة للاقتتال الفلسطيني في غزة، في حين لم يستجب بالقدر نفسه لعدد من المواجهات والعمليات الإسرائيلية الكبيرة التي تعرضت لها غزة، كما أن معاناة غزة تحت الاحتلال تحمل أبعادًا إنسانية كونية تتصل بالموت والحصار، والطفولة والحرية والكرامة، ففي أثناء حصار رام الله عام 2002، كتب درويش "حالة حصار"، وقال إنه كان يحاول من خلال مقاومة الاحتلال ربط اليومي بالإنساني والميتافيزيقي، لهذا لا يمكن القبول بأن عالميته جعلته يبتعد عن الحديث عن غزة في شعره.
مع أني اجزم بعدم وجود مرجع قوي للاستعانة به للوصول إلى سبب مباشر لجعل غزة قليلة الحضور في شعر درويش، أجرؤ على القول إن السبب يعود إلى أن درويش تعمد ذلك حتى لا يظهر معارضًا للفصيل الفلسطيني المسيطر على منظمة التحرير، وكذلك حتى لا يظهر معارضًا لسلطة رام الله بعد أوسلو، فلا يكون مؤثرًا بشهرته العالمية على شرعيتها وشعبيتها في أمر يتعلق بوجودها؛ فدروش وإن كان حقا ضد أوسلو، واستقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يقف ضد السلطة الفلسطينية، ولم يحتج على ما آلت إليه أحوالها، بخاصة لجوؤها إلى التفاوض مع إسرائيل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك