من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

طغيان الحميمية

القاهرة : خالد شحاتة
طغيان الحميمية


التجربة النفسية تثبت عجز اللغة في التعبير عن العواطف والمشاعر.


«طغيان الحميمية»: كيف حوّلت هيمنة «السيكولوجة» العلاقات الإنسانية من رحاب الواجب إلى سجن العاطفة؟

​

تتحول اللغة النفسية في العالم المعاصر تدريجياً من مجرد حقل إكلينيكي يُعنى بالتشخيص والعلاج، إلى إيدولوجيا شمولية تُعيد تعريف السلوك البشري وتشكل صلب العلاقات الاجتماعية.

هذا التمدد السيكولوجي المفرط، الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، أعاد صياغة طريقة حديث الإنسان مع نفسه وعن الآخرين، بأسلوب يُحذّر منه علماء النفس النقديون وعلماء الاجتماع، مؤكدين أنه يُفرّغ العلاقات الإنسانية من مضامينها الأخلاقية والبنيوية الصلبة لصالح سيولة عاطفية هشة تجعل استقرار العلاقة مرتهناً بلحظات الارتفاع والانخفاض الشعوري.

​يُسلط عالم النفس النقدي الدنماركي، الأستاذ ستيفان برينكمان، الضوء على هذه الظاهرة المتنامية، مستعيداً ما أطلق عليه عالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت «طغيان الحميمية» في كتابه المرجعي سقوط الإنسان العام. وتتجسد هذه الظاهرة في تحويل «الشفافية الشعورية» والانفعال العاطفي إلى المعيار الوحيد المقبول والمشروع لتقييم العلاقات الإنسانية، سواء في بيئة العمل، أو المؤسسات التعليمية، أو داخل الأسرة.

وتعمّق عالمة الاجتماع الفرنسية إيفا إيلوز هذا الطرح عبر تحليل ما تسميه «الرأسمالية العاطفية» و«الخطاب العلاجي»؛ إذ تبيّن كيف أدّت هيمنة هذا الخطاب إلى تسلّع المشاعر، بحيث أصبحت العلاقات تُقاس بمدى ما توفره من إشباع نفسي لحظي، مما يجعلها عرضة للانهيار والتفكك المستمر عند أول تقلب عاطفي أو غياب للارتياح الشخصي.

​و لم يقف أثر هيمنة اللغة السيكولوجية عند حدود تقييم الآخرين، بل امتد ليتغلغل في فهم الفرد لذاته؛ حيث تحول التشخيص النفسي أو رد الطبائع إلى عوامل بيولوجية وجينية من أداة للفهم والتطبب إلى شماعة لإسقاط المسؤولية الأخلاقية.

ويُحلل عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي في كتابه "ثقافة العلاج النفسي"  هذه الحالة، موضحاً أن الخطاب النفسي المبتذل يميل إلى تصوير الإنسان ككائن هش دائمًا، يستمر في التماس العذر لطباعه وسلوكياته بدلاً من تقويمها، فتتحول العبارات التبريرية الذاتية إلى أسلوب حماة يتملص به الفرد من التكليف والمسؤولية الإرادية عن أفعاله وطباعه الشاذه أو الحادة.

​وعلى النقيض المباشر من هذه الذاتية المفرطة، يقدم التراث الأخلاقي والفكري نموذجاً يصون إرادة الإنسان ويجعله مسؤولاً عن كبح طبائعه، بغض النظر عن استعداداته الذهنية أو النفسية.

يظهر ذلك جلياً في الموقف التاريخي للصحابي قيس بن سعد بن عبادة، الذي عُرف بذكائه ودحائه الفطري، حيث أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء قوله الشهير: «لولا الإسلام، لمكرتُ مكرًا لا تطيقه العرب».

تُشكل هذه العبارة المذهلة مفصلًا تحليليًا فارقاً؛ إذ أقر قيس بن سعد بطبعه ونزوعه الفطري نحو الدهاء والمكر، لكنه لم يتذرع بتلك الطبيعة أو يجمد عندها متطلباً من الآخرين تقبلها، بل جعل المبدأ الأخلاقي والديني حاكماً ومهذباً لما فيه من نزعات، أثبت من خلالها أن التكليف الإرادي قادر على تقويم الطبائع وتوجيه المهارات الإدراكية نحو الخير والعدل.

​يتسق هذا المعنى الأخلاقي مع البناء التشريعي والفقهي؛ إذ يرتكز القانون الفقهي على التعامل مع الأفراد عبر شبكة موضوعية من الحقوق والواجبات المؤطرة بحدود صارمة، كأحكام صلة الرحم والمواريث والواجبات الاجتماعية، بمعزل عن تقلب المشاعر أو مدى الوفاق العاطفي بين الأطراف. فالواجب الشرعي والأخلاقي لا يتغير بناءً على مدى الحب أو الكره، بل يقف كبناء صلب يحمي المجتمع من نزوات الأفراد وتقلباتهم النفسية.

​وتتجلى هذه المواجهة الحادة بين «منطق الواجب» و«منطق العاطفة الفائضة» في نسيج الدراما الحديثة، كما في العمل السينمائي الأيقوني Fences للمؤلف أوغست ويلسون. ففي مشهد محوري، يسأل الابن أباه بسؤال ينتمي بالكلية للغة الحميمية المعاصرة: «لماذا لا تحبني؟»، ليأتي رد الأب (الذي جسده بروعة دينزل واشنطن) حاسماً ومُعيداً لضبط المفاهيم وفق فلسفة الحقوق والواجبات؛ حيث يذكره الأب بأنه يوفر له الطعام والكساء والسقف ويقوم بكامل واجباته نحوه، مؤكداً أن الحياة لا تعطي الإنسان أشياءها لمجرد الحب، بل بناءً على موازين المساءلة والمسؤولية.

​إن النتيجة الحتمية لاختزال العلاقات الإنسانية في بعدها العاطفي والسيكولوجي هي تفكيك البنى الاجتماعية الصلبة وتحويل الفرد إلى أسير لمشاعره المتقلبة وتأويلاته الذاتية. وإن استعادة التوازن الاجتماعي والتوافق الإنساني تستدعي بالضرورة الخروج من سجن المشاعر الفائضة والتشخيصات المعفية من التكليف، والعودة إلى رحاب الإرادة الحرة، والمسؤولية الأخلاقية، وأداء الواجبات التي تحفظ للإنسان كرامته ولالمجتمع توازنه.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11278
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.