من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين «ثلج القاهرة» و«تميمة العاشقات» حيوات لا تنتهي

أحمد رجب شلتوت
بين «ثلج القاهرة» و«تميمة العاشقات» حيوات لا تنتهي


   حين نضع روايتي الدكتورة "لنا عبدالرحمن"، "ثلج القاهرة" الصادرة عام 2017 و«تميمة العاشقات» الصادرة عام 2022، معا، لا نكتشف تكرارًا لفكرة واحدة بقدر ما نكتشف تطورًا في طريقة تناول لنا عبدالرحمن للثيمات التي تشغل عالمها الروائي: الهوية، الحب، الذاكرة، الفقد، والزمن. فالروايتان تنطلقان من منطقة يتداخل فيها الماضي بالحاضر، وتتجاوز فيها حياة المرأة حدود جسدها وزمنها، لكن كل رواية تذهب بهذه الفكرة إلى نتيجة مختلفة.

   في «ثلج القاهرة» تتورط بشرى في حياة نورجهان، فتجد نفسها أمام ماضٍ لم تعشه، لكنه يؤثر في حاضرها. وتتسع الدائرة مع سولاي، لتصبح الحيوات المتعاقبة وسيلة للسؤال عن الأشياء التي لم تكتمل، وعن أثرها في من يأتي بعدها. لكن الرواية لا تجعل معرفة الماضي غاية في ذاتها؛ فبشرى تنجوحين تدرك أن عليها أن تعود إلى حياتها، وأن تعيش «الآن». هنا تبدو الذاكرة في البداية عبئًا ينبغي فهمه حتى لا يتحول إلى سجن.

   أما في «تميمة العاشقات» فتوسع الدائرة. فزينة، القادمة من الغد، تجد نفسها بين ست نساء: آلارا الفرعونية، آلارا الحسيني، ميري مجيد، آني داديان، رحمة، وشمس الصباح. تقول لهن: «وجوه لا أعرفها لكنها تشبهني»، فيجبنها: «نحن جداتك يا طفلة». لا يعود الأمر إذن متعلقًا بحياة سابقة واحدة، بل بما يشبه «عنقودًا روحيًا» تتصل فيه حيوات نساء تفصل بينهن الأزمنة والأمكنة.



   إذا كانت بشرى تبحث عن ماضي امرأة لكي تفهم حاضرها، فإن زينة تتلقى حكايات نساء كثيرات، فتكتشف أن ذاتها تحمل آثار حيوات لم تعشها. وهنا يحدث التحول الأهم بين الروايتين: الماضي الذي كان ينبغي لبشرى أن تتحرر من سطوته، يصبح عند زينة مادة لمعرفة الذات. وتتضح هذه النقلة أكثر في علاقة الروايتين بالحكاية. في «ثلج القاهرة» الحكاية شيء ينبغي الوصول إليه واستعادته؛ أما في «تميمة العاشقات» فالحكايات تنتقل من امرأة إلى أخرى، وتصبح وسيلة لتكوين الوعي.

 في «ثلج القاهرة» تواجه بشرى حياة لم تعشها، وتكتشف أن امرأة من الماضي يمكن أن تؤثر في مصير امرأة من الحاضر. أما في «تميمة العاشقات» فالنساء أنفسهن يصبحن شبكة من الذاكرة المتبادلة.

حيث كل امرأة تحمل شيئًا من امرأة سبقتها. وكل حكاية لا تنتهي تمامًا بانتهاء صاحبتها. وبهذا المعنى تصبح الرواية الثانية أقل اهتمامًا بالمرأة الفردية وحدها، وأكثر اهتمامًا بما يمكن تسميته الذاكرة النسائية المتراكمة.

  لذلك يبدو عنوان «تميمة العاشقات» مفتاحًا دالًا. فالتميمة المادية التي تنتقل بين النساء لا تستطيع أن تحميهن من الفقد أو الموت، ولا تمنحهن ما يرغبن فيه. أما الحكاية فتنجح في شيء آخر: إنها تمنع التجربة من الاختفاء. وهكذا تتحول «الحكاية» إلى التميمة الحقيقية.

   هذه الفكرة تكشف أيضًا عن اختلاف التعامل مع الزمن. في «ثلج القاهرة» يعود الماضي إلى الحاضر ويهدد بابتلاعه، بينما يصبح الزمن في «تميمة العاشقات» فضاءً أكثر انفتاحًا، تستطيع فيه الروح والحكاية أن تتنقلا بين عصور وأماكن مختلفة. لم يعد الماضي مجرد مكان خلفنا، بل صار جزءًا من الحاضر يمكن استدعاؤه وإعادة اكتشافه.

  لكن الروايتين تلتقيان في النهاية عند قيمة الفعل. معرفة الماضي وحدها لا تكفي. في «ثلج القاهرة» تستعيد بشرى حياتها حين تتجه نحو «الآن»، وفي «تميمة العاشقات» تتحول الحكايات التي تسمعها زينة إلى معرفة تساعدها على استعادة ذاتها والتحرر من السيطرة المحيطة بها.

   ومن اللافت كذلك أن الروايتين لا تقدمان الماضي بوصفه حقيقة مكتملة يمكن استردادها كما هي. الماضي في العملين يحتاج إلى إعادة بناء. في «ثلج القاهرة» تحاول بشرى أن تجمع الشظايا: صورًا، أماكن، روايات، إحساسات، أحلامًا. وفي «تميمة العاشقات» تتجمع الحكايات من أصوات متعددة.

أي أن الماضي لا يعود كما كان. وما نعرفه عن الماضي هو دائمًا ما وصل إلينا في صورة حكاية.

   يمكن، إذن، النظر إلى الروايتين باعتبارهما مرحلتين في سؤال واحد: ماذا نفعل بما يتركه الماضي فينا؟

في «ثلج القاهرة» تكون الإجابة: لا تسمح للماضي بأن يصادر حاضرك.

وفي «تميمة العاشقات»: لا تنكر الماضي، بل حوّله إلى حكاية ومعرفة.

 وبذلك تنتقل لنا عبدالرحمن من الذاكرة بوصفها عبئًا إلى الذاكرة بوصفها إرثًا، ومن البحث عن الحكاية إلى امتلاك القدرة على روايتها. وربما هنا يكمن الخيط الأعمق بين الروايتين: الإنسان لا يتحرر من ماضيه بالنسيان، وإنما حين يستطيع أن يحوله من حياة بديلة يعيشها إلى حكاية يفهم بها حياته. من «ثلج القاهرة» إلى «تميمة العاشقات» تتحول الذاكرة إلى حكاية، وتتحول الحكاية إلى وسيلة لاستعادة الذات.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11286
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.