الفصل العاشر : ماقبل العاصفة
بعد حديثي المفاجئ الأخير بالأستاذ منير، لم أستطع النوم.
ظل صوته يتردد في رأسي:
أعرف انكما سويًا، لكن أوعدني.
إن أي قرار تاخده.
يكون فيه خير لها.
ولك.
ولنا كلنا.
لم تكن وصية رجلٍ يرفضني.
بل رجاء أبٍ يخشى على قلب ابنته.
ولهذا كانت مؤلمة.
مرّ أسبوعٌ كامل لم أزر خلاله منزلهم.
اكتفينا بمكالماتٍ قصيرة، ورسائل متقطعة، يختبئ خلف كل واحدةٍ منها كلامٌ أكبر من أن يُقال.
كنت أشعر أن وجودي يزيد من حيرتها.
بينما كانت هي تشعر أن غيابي يزيد من ألمها.
وفي مساءٍ هادئ، وصلني منها ظرفٌ صغير مع أحد عمال السكن تبعي.
لم يكن مكتوبًا عليه سوى اسمي.
أكيد عرفت خط يدها قبل أن أفتحه.
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها بدت أطول من أسبوعٍ كامل من الصمت.
أعرف أنك تتألم، وأنا أيضًا
كل يوم أقول لنفسي إن الغد سيكون أسهل، لكنه يأتي أصعب من الذي قبله.
أحيانًا أفكر أن الحب هدية من الله، ثم أسأل نفسي:
لماذا تأتي بعض الهدايا ومعها كل هذا الوجع؟
لا أريد أن أخسر أبي، ولا أريد أن أخسرك.
هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بقلبه كاملًا؟
أخشى أن يأتي يوم نضطر فيه إلى الاختيار.
"ليديا"
طويت الرسالة ببطء.
ثم فتحتها من جديد.
كأنني كنت أبحث بين سطورها عن جملةٍ واحدة تخبرني أن كل هذا مجرد خوفٍ عابر
لكن الكلمات بقيت كما هي.
صادقة.
ثقيلة .
مُحيرة.
وموجعة .
في اليوم التالي، طلبت مقابلتها.
وافقت.
التقينا في حديقة الشلالات، في مكان بعيدًا عن ضجيج المدينة.
كانت الأشجار العتيقة تبسط ظلالها فوق الممرات الحجرية، والنسيم يحمل رائحة التراب المبتل بعد سقي النباتات.
جلست إلى جوارها.
وإن كانوا الأموات، يتكلمون لتكلمت.
هي أيضًا لم تتكلم.
كان الصمت بيننا يعرف ما نعجز عن قوله.
وبعد دقائق، سألت بصوتٍ خافت:
- قرأت الرسالة؟
أومأت برأسي.
ثم قلت.
- مُحيرة .. كل كلمة فيها وجعتني.
ابتسمت ابتسامةً صغيرة، لكنها انطفأت سريعًا.
قالت:
- وأنا
وجعتني مرتين.
مرة وأنا بكتبها.
ومرة وأنا عارفة إنك هتقراها.
لم أجد ما أقوله.
قمنا .. ثم سرنا بين الأشجار في هدوء.
كانت أوراقها تتحرك فوق رؤوسنا مع كل نسمة، كأنها تهمس بما لا نجرؤ نحن على قوله.
قالت .. من دون مقدمات:
- بابا بصّ في عيني.
وسألني سؤالًا لم استطع النوم بسببه.
- قال لك إيه؟
تنهدت طويلًا حتى رأيت صدرها يرتفع.
ثم قالت:
- قال لي:
""لو كان ثمن سعادتك هو تعاستي
هتقبلي؟
توقفت قدماي دون إرادة.
لم أعرف ماذا أقول.
وأضافت وهي تنظر إلى الأرض:
- معرفتش أرد .
قلت بهدوء:
- لأن أي إجابة
هتوجع حد بنحبه.
رفعت عينيها نحوي.
وأومأت ببطء.
- نعم:
ومع ذلك.
لازم نجاوب.
وصلنا إلى نافورةٍ قديمة في وسط الحديقة.
جلسنا على حافتها.
صوت الماء يملأ الفراغ بيننا.
ظلت تحدق في انعكاس وجهها فوق سطح الماء، ثم قالت:
- كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الحب.
إني ألاقي الشخص الصح.
ابتسمت ابتسامةً شاحبة.
ثم هزت رأسها، ثم قالت:
- طلعت أنا غلط.
أصعب حاجة.
إن ألاقيه.
في الوقت الغلط.
ابتسمت بحزن.
وقلت:
- يمكن المشكلة مش في الوقت.
يمكن المشكلة إن الحياة أحيانًا تضع أجمل الحاجات.
في أصعب الامتحانات.
مددت يدي إليها.
تشابكت أصابعنا تلقائيًا.
وشدت على يدي برفق.
كأنها تخشى أن يسبقها الزمن إلى انتزاعها من بين أصابعها.
قالت وهي تنظر إلى أيدينا:
- تخيل.
كل اللي نفسي فيه دلوقتي.
إن اللحظة دي تفضل زي ما هي.
من غير مستقبل يخوفنا.
ولا قرارات تطاردنا.
ولا وداع مستنينا.
ابتسمت بحزن.
قلت:
- للأسف.
الزمن عمره ما استأذن أحد، ولا أنتظر أحد.
ردت بصوتٍ هادئ:
- لكنه.
أحيانًا بيرحمنا.
نظرت إليها مستغربًا.
كان في عينيها شيءٌ غريب.
كأنها تعرف سرًا لم أصل إليه بعد.
لم أفهم قصدها.
ولم أسأل.
بدأت الشمس تميل نحو الغروب.
كالعادة، سرنا حتى وصلنا إلى باب منزلها.
توقفت قبل أن تدخل.
وبقيت تنظر إليّ لحظات.
ثم قالت، وكأنها تودعني:
- لو الأيام فرقتنا.
اوعى تفتكر إني بطلت أحبك.
تقدّمتُ نحوها خطوةً هادئة، حتى لم يعد يفصل بيننا سوى صمتٍ يضجّ بكل ما عجزت الكلمات عن قوله.
رفعتُ بصري إلى عينيها، وثبّتُّ نظرتي فيهما، ثم قلتُ بصوتٍ خافت، لكنه كان يحمل يقين العمر كله.
- الحبّ الحقيقي.
لا تنهيه المسافات
قد يُثقله الغياب،
وقد يُرهقه الانتظار،
وقد يلوذ بالصمت حين تعجز الكلمات،
ويختبئ خلف الأيام الطويلة.
لكنه لا يموت.
ظلّت تحدّق إليّ لحظةً بدت أطول من الزمن نفسه.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ واهنة، تشبه ضوءًا أخيرًا يقاوم انطفاء الليل، بينما امتلأت عيناها بدموعٍ لم تستطع أن تمنعها من الانحدار.
استدارت ببطء، كأنها تقتلع نفسها من المكان، ثم مضت نحو المنزل.
أُغلق الباب خلفها في هدوءٍ ثقيل، هدوءٍ كان أشد وقعًا من ألف وداع.
أما أنا .
فبقيتُ واقفًا حيث تركتني.
أحدّق في الباب الخشبي، وكأن جزءًا مني كان ينتظر أن يُفتح من جديد، وأن تعود منه قبل أن يبتلعها الغياب.
لكن شيئًا غامضًا كان يهمس في أعماقي.
أن ما ينتظرنا لم يكن امتدادًا لما عشناه، بل بدايةٌ لشيءٍ آخر.
شيءٌ سيبدّل ملامح الأيام، ويعيد رسم مصائرنا دون أن يستأذن أحدًا.
أدركت، متأخرًا، أننا كنّا نقف على حافة طريقٍ لا عودة منه، وأن الخطوة التالية لن تغيّر حياتنا فحسب؛ بل ستغيّرنا نحن أيضًا.
وللمرة الأولى.
لم أعد أخشى النهاية وحدها.
أو أتصورها.
فبعض النهايات لا تبدأ عند لحظة الوداع،
ولا تُولد مع انغلاق الأبواب،
هي تبدأ في تلك اللحظة الصامتة التي نوقن فيها.
أن القلب ما زال يحبّ،
وأن الحب، رغم صدقه، لم يعد كافيًا ليمنحنا لقاءً جديدًا.
وقتها.
حيث يبقى الشعور حيًّا،
بينما تمضي الحياة في الاتجاه المعاكس.
وحيث يظلّ القلب متمسكًا بمن أحب،
في الوقت الذي تفرض فيه الأقدار على الأيدي أن تفلت من بعضها.
إنها أقسى النهايات.
أن يبقى الحبّ كاملًا،
بينما يصبح الوصول مستحيلًا
في الوقت الذي أصبح فيه اللقاء مستحيلًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك