ليبيا في مفترق الطرق : من الانقسام المؤسسي إلى رهانات التوحيد والتسوية السياسية
مقدمة
شهدت ليبيا خلال عهد معمر القذافي نظامًا سياسيًا اتسم بدرجة عالية من المركزية والسيطرة على مؤسسات الدولة، إلى جانب إحكام القبضة الأمنية على الأوضاع الداخلية، وهو ما أسهم في تحقيق قدر من الاستقرار الأمني الظاهر خلال فترات طويلة. وفي المقابل، اتسم النظام بضعف التعددية السياسية وغياب المنافسة الديمقراطية الفعلية وتقييد حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية. وعلى المستوى الاقتصادي، اعتمدت الدولة بصورة أساسية على عائدات النفط، مع توسع كبير في دور القطاع العام والإنفاق الحكومي، وهو ما أتاح للدولة موارد مالية كبيرة، رغم وجود اختلالات هيكلية في الاقتصاد. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ليبيا قبل عام 2011 كانت تتمتع بموارد اقتصادية كبيرة، إلا أن ذلك تزامن مع مشكلات تتعلق بالديمقراطية والإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
ومع اندلاع أحداث عام 2011 وسقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية جديدة اتسمت بمحاولة بناء مؤسسات سياسية وأمنية جديدة، إلا أن غياب سلطة مركزية قادرة على فرض سيطرتها على كامل الأراضي، وانتشار الجماعات والتشكيلات المسلحة، أسهما في تصاعد التنافس على مؤسسات الدولة ومواردها. وقد تطور هذا التنافس بصورة أكبر منذ عام 2014، وصولًا إلى حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها، وظهور مؤسسات وهياكل سياسية وأمنية واقتصادية متوازية.
وأدى استمرار الانقسام السياسي والعسكري إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها بصورة موحدة، كما أسهم في اضطراب النشاط الاقتصادي والمالي، ولا سيما مع اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة كبيرة على قطاع النفط، وتعرض إنتاجه وإيراداته في فترات مختلفة للاضطراب نتيجة الصراع السياسي. كما استفادت جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة، من بينها تنظيم داعش، من حالة الفراغ الأمني والصراع الداخلي، وتمكنت في مراحل مختلفة من السيطرة على بعض المناطق أو إنشاء مناطق نفوذ لها.
وبذلك انتقلت ليبيا من نظام شديد المركزية إلى مرحلة اتسمت بتعدد مراكز السلطة وتنافس المؤسسات والجماعات المسلحة، الأمر الذي انعكس على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وأصبح توحيد مؤسسات الدولة وإيجاد إطار سياسي توافقي وإجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية من أبرز التحديات التي تواجه الدولة الليبية.
وفي هذا السياق، شهد عام 2026 تطورًا مهمًا تمثل في توقيع اتفاق «الاجتماع المصغر» في 30 أغسطس/آب 2026، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وتضمن معالجة عدد من المسائل المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، مع الالتزام بالعمل نحو إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز عامين. كما رحب مجلس الأمن الدولي بالاتفاق، معتبرًا إياه خطوة في اتجاه توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية شاملة.
ومن ثم، فإن دراسة الحالة الليبية لا تقتصر على تتبع التحولات السياسية التي أعقبت عام 2011، وإنما تمتد إلى تحليل العلاقة بين الانقسام السياسي والأمني وبين الأداء الاقتصادي والاجتماعي للدولة، ومدى تأثير استمرار تعدد مراكز السلطة على قدرة المؤسسات الليبية على تحقيق الاستقرار والتنمية، وصولًا إلى بحث فرص الانتقال من مرحلة الانقسام إلى مرحلة توحيد مؤسسات الدولة وإعادة بناء الدولة الليبية على أساس مؤسسات وطنية موحدة وانتخابات تتيح للشعب اختيار ممثليه بصورة سلمية وشرعية.
الوضع الراهن في ليبيا
كانت ليبيا قبل وصول العقيد معمر القذافي إلى الحكم دولةً ملكية في عهد الأسرة السنوسية، وكانت من الدول الفقيرة اقتصاديًا، إلى أن جرى اكتشاف النفط، الأمر الذي أدى إلى تحسن موارد الدولة وزيادة أهميتها الاقتصادية. وعلى الرغم من ذلك، شهدت الدولة خلال العهد الملكي مظاهر من الفساد المالي وسيطرة بعض الأشخاص والجهات على جانب من الموارد والثروات، وهو ما كان من بين العوامل التي أسهمت في تهيئة الظروف السياسية التي سبقت انقلاب عام 1969.
وفي الأول من سبتمبر عام 1969، قاد الملازم أول معمر القذافي مجموعة من الضباط الأحرار في انقلاب عسكري أطاح بالنظام الملكي، وأعلن قيام نظام جمهوري جديد. وبعد وصوله إلى السلطة، بدأ القذافي في إلغاء مؤسسات النظام السياسي التقليدي، بما في ذلك الدستور والبرلمان، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفقًا لأفكاره السياسية التي طرحها لاحقًا في «الكتاب الأخضر».
وفي عام 1977 أُعلنت «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية»، وقُدِّم نظام سياسي يقوم، وفقًا للتصور الرسمي للنظام، على أن السلطة للشعب من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، بدلًا من النظام التقليدي القائم على البرلمان والحكومة بالمعنى المعروف في النظم السياسية الأخرى. وكانت المؤتمرات الشعبية تناقش القضايا المحلية والعامة، ثم تُنقل القرارات من خلال اللجان الشعبية إلى الأجهزة التنفيذية المختلفة.
وبذلك أصبح النظام السياسي الليبي قائمًا، من الناحية النظرية، على فكرة «سلطة الشعب»، بينما كانت الممارسة الفعلية للسلطة تتركز بدرجة كبيرة في يد القذافي والدائرة المحيطة به. وإلى جانب المؤتمرات واللجان الشعبية، ظهرت «اللجان الثورية»، التي لعبت دورًا سياسيًا وأيديولوجيًا مهمًا في حماية النظام ومتابعة مؤسسات الدولة، كما كان لها تأثير واسع في توجيه القرارات السياسية ومراقبة المجتمع والنشاط العام.
وقد اتسم نظام القذافي، على مدار أكثر من أربعة عقود، بدرجة مرتفعة من المركزية السياسية والقمع وتقييد الحريات العامة، مع الحد من إمكانية وجود معارضة سياسية منظمة أو مظاهرات مناهضة للنظام. وأصبح القذافي صاحب النفوذ الأكبر في إدارة الدولة وتحديد توجهاتها السياسية والأمنية، مع اعتماد النظام على أجهزة أمنية وعسكرية وشبكات من الموالين والقبائل والقيادات المحلية للحفاظ على استقراره.
أما من الناحية الاقتصادية، فقد تبنى القذافي أفكارًا اشتراكية خاصة به، عبّر عنها في «الكتاب الأخضر»، ورفض فيها بصورة نظرية النموذجين الرأسمالي والاشتراكي التقليديين، وطرح مفهومًا يقوم على مشاركة العاملين في الإنتاج والإدارة واتخاذ القرار، بدلًا من الاقتصار على نظام الأجر التقليدي. كما سيطر القطاع العام بصورة واسعة على الموارد الرئيسية للدولة، وعلى رأسها النفط والطاقة، بينما ظل القطاع الخاص محدودًا مقارنة بالدور الذي كانت تؤديه مؤسسات الدولة.
وكان النفط يمثل المصدر الأساسي للإيرادات العامة والثروة الاقتصادية في ليبيا، ولذلك كانت السيطرة على قطاع النفط والموارد المالية عنصرًا أساسيًا في قوة النظام السياسي. كما لعبت القبائل دورًا مهمًا في النظام، ومن بينها قبائل القذاذفة وورفلة والمغاربة وغيرها، حيث استفاد النظام من بعض شبكات الولاء والتحالفات القبلية في إدارة الدولة والحفاظ على الاستقرار السياسي. وكانت بعض القبائل تحظى بنفوذ أو امتيازات أكبر، في حين جرى استقطاب قبائل ومناطق أخرى من خلال المشروعات والخدمات والتنمية المحلية بهدف ضمان الولاء وعدم الانخراط في أي تحرك معارض للنظام.
وفي المجال العسكري، حرص القذافي على عدم ترك القوة العسكرية التقليدية في وضع يسمح لها بالانقلاب عليه، خاصة أن وصوله إلى السلطة نفسه كان نتيجة انقلاب عسكري. ولذلك عمل على إنشاء وتطوير تشكيلات عسكرية وأمنية خاصة وكتائب موالية للنظام، إلى جانب الجيش، بحيث تكون هذه التشكيلات أكثر ارتباطًا به وبأسرته، وتكون مهمتها الأساسية حماية النظام والقيادة السياسية ومنع أي تحرك عسكري ضدها.
واستمر هذا النظام حتى عام 2011، عندما اندلعت احتجاجات واسعة في شهر فبراير ضمن موجة الانتفاضات العربية، وبدأت مطالب بإسقاط نظام القذافي وإنهاء حكمه. وقد واجه النظام هذه الاحتجاجات بالقوة، وشهدت البلاد عمليات قتل واعتقال واستخدام للقوة ضد المتظاهرين والمناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وهو ما أدى إلى تصاعد الصراع وتحوله من احتجاجات شعبية إلى نزاع مسلح واسع.
وفي مارس 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارات سمحت باتخاذ إجراءات لحماية المدنيين، ثم تدخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» في العمليات العسكرية، وفرض منطقة حظر جوي ونفذ ضربات جوية ضد قوات النظام، في إطار التفويض الدولي بحماية المدنيين. ومع استمرار القتال، فقد نظام القذافي السيطرة تدريجيًا على أجزاء واسعة من البلاد، إلى أن سقط النظام في عام 2011، وقُبض على القذافي وقُتل في شهر أكتوبر من العام نفسه.
وبسقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا مرحلة جديدة اتسمت بضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة وانتشار السلاح والجماعات المسلحة، وهو ما أدى إلى تراجع الاستقرار الأمني وظهور صراعات سياسية وعسكرية متكررة. كما تعرضت بعض المنشآت والبنية التحتية لأضرار، وانتشرت عمليات الخطف والقتل والنهب والصراع على الموارد والنفوذ، إلى جانب ظهور جماعات متطرفة، من أبرزها تنظيم «داعش» الذي تمكن في مرحلة لاحقة من السيطرة على مناطق في ليبيا، وخاصة مدينة سرت ومحيطها.
وبعد سقوط النظام، كان من الضروري إنشاء مرحلة انتقالية لإدارة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها. ولذلك تولى «المجلس الوطني الانتقالي» إدارة المرحلة الانتقالية، وأصبح السلطة السياسية الرئيسية في البلاد إلى حين إجراء انتخابات وإنشاء مؤسسات جديدة.
وفي عام 2012 أُجريت انتخابات «المؤتمر الوطني العام»، الذي ضم 200 عضو، وتولى مهام تشريعية وسياسية خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب الإشراف على تشكيل الحكومة وإدارة عملية الانتقال السياسي. واستمرت هذه المرحلة في ظل أوضاع أمنية وسياسية غير مستقرة، مع استمرار انتشار الجماعات المسلحة ووجود خلافات بين القوى السياسية والمناطق المختلفة.
وفي عام 2014 أُجريت انتخابات مجلس النواب، إلا أن الانتخابات لم تؤدِّ إلى إنهاء الانقسام السياسي، بل دخلت البلاد في مرحلة جديدة من الصراع بين قوى سياسية وعسكرية متنافسة. وظهرت انقسامات بين الشرق والغرب، وترافق ذلك مع عمليات عسكرية وصدامات مسلحة، من بينها عملية «فجر ليبيا» في الغرب، في الوقت الذي بدأ فيه اللواء خليفة حفتر عملية «الكرامة» في الشرق عام 2014.
وأصبح مجلس النواب المنتخب هو المؤسسة التشريعية الرئيسية المعترف بها في المسار السياسي، واتخذ من مدينة طبرق مقرًا له، في حين ظهرت في الغرب مؤسسات سياسية وحكومات موازية، وهو ما أدى إلى تعميق الانقسام السياسي والمؤسسي.
وفي إطار محاولات إنهاء الانقسام، جرى التوصل إلى الاتفاق السياسي الليبي المعروف بـ«اتفاق الصخيرات» عام 2015، برعاية الأمم المتحدة، والذي ترتب عليه إنشاء «المجلس الرئاسي» و«حكومة الوفاق الوطني»، كما أُنشئ «المجلس الأعلى للدولة» ليكون مؤسسة استشارية وتشريعية ذات دور في العملية السياسية، بدلًا من أن يكون هو السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد.
وتكوّن المجلس الرئاسي في ذلك المسار من رئيس وعدد من النواب، وكان من اختصاصاته إدارة المرحلة الانتقالية وتشكيل السلطة التنفيذية بالتوافق مع المؤسسات الأخرى، بينما ظل مجلس النواب طرفًا أساسيًا في العملية التشريعية والسياسية. وأدى استمرار الخلاف حول الصلاحيات والشرعية إلى عدم اكتمال عملية توحيد مؤسسات الدولة بصورة كاملة.
وفي عام 2021، جاءت مرحلة جديدة مع تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في إطار عملية سياسية رعتها الأمم المتحدة بهدف توحيد المؤسسات الليبية وتهيئة البلاد لإجراء الانتخابات. إلا أن الانتخابات الوطنية لم تُجرَ في الموعد الذي كان مقررًا لها، واستمر الانقسام السياسي، وظهرت لاحقًا حكومة أخرى في الشرق، بينما ظلت حكومة الدبيبة في طرابلس.
وفي الجانب العسكري والأمني، استمر خليفة حفتر في قيادة «الجيش الوطني الليبي» في الشرق، وفرض نفوذًا واسعًا على مناطق شرقية وجنوبية، بينما اعتمدت حكومة الدبيبة في الغرب بدرجة كبيرة على تشكيلات مسلحة وجماعات أمنية محلية في تأمين مناطق نفوذها، وهو ما جعل مسألة توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الدولة الليبية.
وبذلك أصبح المشهد الليبي قائمًا على تعدد مراكز القوة السياسية والعسكرية، مع وجود نفوذ مختلف في الشرق والغرب والجنوب، وتداخل عوامل محلية وقبلية ومسلحة مع مصالح إقليمية ودولية. ولم يعد الصراع مجرد خلاف سياسي بين مؤسسات الدولة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالسيطرة على الموارد النفطية والمنافذ والمناطق الاستراتيجية والمؤسسات المالية والعسكرية.
وفي المرحلة الحالية، يسعى كل طرف إلى الحفاظ على مناطق نفوذه ومصالحه، مع محاولة تقديم نفسه باعتباره الطرف القادر على قيادة الدولة وتحقيق الاستقرار. كما أصبحت الانتخابات الرئاسية والتشريعية تمثل هدفًا رئيسيًا في الخطاب السياسي لمختلف الأطراف، إلا أن الخلافات المتعلقة بالقواعد الدستورية والقوانين الانتخابية وتوزيع السلطة والموارد، إلى جانب استمرار الانقسام الأمني والعسكري، ما زالت تعرقل الوصول إلى تسوية سياسية نهائية.
ومن ثم، يمكن القول إن الأزمة الليبية منذ عام 2011 انتقلت من مرحلة إسقاط نظام القذافي إلى مرحلة إعادة بناء الدولة، ثم إلى مرحلة الانقسام المؤسسي والسياسي والعسكري، وأصبحت المشكلة الأساسية تتمثل في كيفية توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، ودمج أو تنظيم التشكيلات المسلحة، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، وصولًا إلى إجراء انتخابات وطنية تؤدي إلى سلطة سياسية تحظى بالشرعية والقبول على مستوى ليبيا كلها.
أولًا: توزع السلطة السياسية ومراكز اتخاذ القرار
مرّت ليبيا بعد سقوط نظام القذافي بعدة مراحل سياسية متعاقبة، بدأت بالمجلس الوطني الانتقالي، ثم المؤتمر الوطني العام، ثم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والحكومات الانتقالية المتعاقبة. إلا أن هذه المراحل لم تؤدِّ إلى بناء سلطة سياسية موحدة ومستقرة، وإنما أسهمت في ظهور مراكز متعددة لاتخاذ القرار، ارتبط بعضها بالقوى السياسية وبعضها الآخر بالقوى العسكرية والقبلية والمحلية.
ففي المرحلة الأولى، تولى المجلس الوطني الانتقالي إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام القذافي، ثم جرى انتخاب المؤتمر الوطني العام في عام 2012، والذي ضم 200 عضو وتولى إدارة المرحلة السياسية والتشريعية الانتقالية. وبعد ذلك، جاءت انتخابات مجلس النواب عام 2014، إلا أن هذه الانتخابات تزامنت مع تصاعد الصراع العسكري والسياسي، الأمر الذي أدى إلى انقسام المؤسسات السياسية بين الشرق والغرب.
ومع توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات عام 2015، برعاية الأمم المتحدة، أُنشئ المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، كما أُنشئ المجلس الأعلى للدولة بوصفه مؤسسة سياسية واستشارية ضمن الترتيبات الجديدة. إلا أن الاتفاق لم يؤدِّ بصورة كاملة إلى توحيد مؤسسات الدولة؛ إذ استمرت الخلافات حول شرعية المؤسسات واختصاصاتها، كما لم يحصل الاتفاق السياسي على توافق كامل بين مختلف الأطراف، ولا سيما مجلس النواب والقوى الموجودة في الشرق.
وأدى ذلك إلى أن أصبحت القرارات السياسية في ليبيا موزعة بين عدة مؤسسات ومراكز قوة، بحيث لم تعد الدولة تمتلك مركزًا واحدًا قادرًا على اتخاذ القرار السياسي والأمني بصورة كاملة. كما أن الجماعات المسلحة المنتشرة في عدد من المدن والمناطق أصبحت تمتلك نفوذًا محليًا، وتؤثر في القرارات المتعلقة بالأمن والإدارة المحلية، وهو ما زاد من صعوبة فرض سلطة الدولة المركزية.
وفي بعض المراحل، استطاعت التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، فرض نفوذ وسيطرة على بعض المناطق، الأمر الذي أضاف بُعدًا أمنيًا وعسكريًا إلى الانقسام السياسي القائم. وبذلك أصبح المشهد الليبي يقوم على تداخل السلطة الرسمية مع النفوذ العسكري والمحلي، وهو ما جعل عملية بناء الدولة أكثر تعقيدًا.
ثانيًا: اتفاق الصخيرات وحكومة الوفاق الوطني
كان اتفاق الصخيرات أحد أهم محاولات المجتمع الدولي لإعادة تنظيم السلطة السياسية في ليبيا وإنهاء حالة الانقسام بين المؤسسات المتنافسة. وأسفر الاتفاق عن تشكيل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، باعتبارها الحكومة التي حصلت على اعتراف دولي واسع.
وقد ضمت الحكومة شخصيات سياسية من مناطق واتجاهات مختلفة، وكان الهدف منها توحيد مؤسسات الدولة وإدارة المرحلة الانتقالية تمهيدًا للوصول إلى انتخابات عامة.
إلا أن حكومة الوفاق واجهت مشكلة أساسية تمثلت في عدم حصولها على توافق كامل داخل مجلس النواب، وهو ما أدى إلى استمرار الخلاف حول شرعيتها وصلاحياتها. وفي الوقت نفسه، استمر خليفة حفتر والقوى العسكرية المرتبطة به في فرض نفوذ واسع في الشرق، بينما حافظت حكومة الوفاق والقوى المسلحة المتحالفة معها على نفوذها في الغرب.
وأدى هذا الوضع إلى استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، واندلاع مواجهات عسكرية متكررة بهدف فرض السيطرة والنفوذ، وصولًا إلى الهجوم الذي شنته قوات حفتر على طرابلس عام 2019، وما تبعه من تدخلات إقليمية ودولية ساهمت في تعقيد المشهد الليبي.
ثالثًا: حكومة الوحدة الوطنية واستمرار الانقسام
في عام 2021، جاءت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في إطار عملية سياسية ترعاها الأمم المتحدة، وكان الهدف الأساسي منها توحيد مؤسسات الدولة وإدارة المرحلة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وكان من المفترض أن تكون هذه الحكومة مرحلة مؤقتة تنتهي بإجراء الانتخابات وانتقال السلطة إلى قيادة سياسية جديدة. إلا أن الانتخابات لم تُجرَ في الموعد المقرر، واستمر الدبيبة في رئاسة الحكومة، في حين ظهرت حكومة أخرى في الشرق، الأمر الذي أعاد إنتاج الانقسام السياسي بين الشرق والغرب.
وبذلك ظل القرار السياسي الليبي موزعًا بين مؤسسات وقوى متعددة، مع استمرار وجود مراكز نفوذ عسكرية وأمنية إلى جانب المؤسسات الرسمية.
رابعًا: المصالح المتبادلة في النفط والموارد المالية
على الرغم من استمرار الانقسام السياسي، فإن الأطراف الليبية لا تستطيع الاستغناء بصورة كاملة عن بعضها البعض؛ لأن الاقتصاد الليبي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، كما أن إدارة الدولة وتمويل الخدمات العامة ودفع الرواتب تتطلب وجود قدر من التعاون بين المؤسسات الموجودة في مختلف المناطق.
وتتركز أهمية هذا الأمر في أن النفط يمثل المصدر الرئيسي للصادرات والإيرادات العامة في ليبيا، ولذلك فإن استمرار إنتاج النفط وتصديره يتطلب تعاونًا بين المؤسسات والجهات المسيطرة على مناطق الإنتاج والمنشآت النفطية، وبين المؤسسات المالية التي تتولى إدارة الإيرادات والإنفاق العام.
كما أن وجود المؤسسات المالية الرئيسية في الغرب، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي، إلى جانب وجود حقول وموانئ ومنشآت نفطية في مناطق مختلفة من البلاد، جعل المصالح الاقتصادية عاملًا يدفع الأطراف المتنافسة، رغم خلافاتها السياسية والعسكرية، إلى الحفاظ على قدر من التعاون في إدارة الموارد المالية والنفطية.
ومن ثم، فإن تعطيل إنتاج النفط أو تصديره أو تعطيل المؤسسات المالية يمكن أن يؤدي إلى أزمة في الإيرادات العامة، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة وتنفيذ الموازنة.
خامسًا: صعوبة الوصول إلى الانتخابات
تمثل الانتخابات الرئاسية والتشريعية أحد أهم عناصر الحل السياسي في ليبيا، إلا أن إجراءها يواجه مجموعة من العقبات السياسية والأمنية والقانونية.
فالأطراف الموجودة في الشرق والغرب تخشى من أن تؤدي الانتخابات إلى فقدانها جزءًا من النفوذ الذي تتمتع به حاليًا. كما أن بعض القوى المسلحة ترتبط مصالحها باستمرار وجودها داخل مؤسسات الدولة أو بالقرب منها، ولذلك فإن انتقال السلطة إلى قيادة منتخبة قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي.
ولهذا السبب، فإن التوصل إلى اتفاق سياسي لا يعني بالضرورة أن جميع الأطراف ستلتزم بتنفيذه بصورة كاملة، إذ قد تظهر اعتراضات من القوى التي ترى أن الاتفاق الجديد يمكن أن يؤدي إلى فقدانها سلطتها أو نفوذها.
وتزداد صعوبة هذا الأمر عندما تكون بعض التشكيلات المسلحة قادرة على التأثير في الواقع الأمني داخل المدن والمناطق التي تسيطر عليها؛ إذ يمكن لأي صراع مسلح أو توتر أمني أن يؤدي إلى تعطيل المؤسسات أو عرقلة تنفيذ الاتفاقات السياسية.
سادسًا: مكافحة تنظيم داعش والتعاون الأمني
على الرغم من الانقسام السياسي والعسكري، شهدت ليبيا تعاونًا عسكريًا وأمنيًا في مواجهة تنظيم داعش، خصوصًا عندما أصبح التنظيم يمثل تهديدًا مباشرًا لمختلف الأطراف.
ففي الشرق، خاضت القوات التابعة لخليفة حفتر عمليات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة في بنغازي ومناطق أخرى. وفي الغرب، خاضت قوات حكومة الوفاق والقوات المحلية المتحالفة معها معارك ضد تنظيم داعش، ولا سيما في مدينة سرت، ضمن عملية «البنيان المرصوص».
كما شاركت الولايات المتحدة في تقديم دعم جوي ضد مواقع تنظيم داعش في سرت، وساهم الدعم الدولي، بما في ذلك الدعم الاستخباراتي واللوجستي، في إضعاف التنظيم وإنهاء سيطرته الإقليمية الرئيسية في ليبيا عام 2016.
كذلك كان لمصر دور أمني وعسكري في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي هددت أمنها القومي، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود المصرية الليبية. ونفذت مصر ضربات جوية ضد مواقع لتنظيم داعش في ليبيا في أعقاب عمليات إرهابية استهدفت مواطنين مصريين، وذلك في إطار ما أعلنته القاهرة عن حقها في الدفاع عن أمنها القومي ومواجهة التنظيمات الإرهابية.
وبذلك، لم يكن التعاون في مواجهة داعش ناتجًا بالضرورة عن توحيد كامل للمؤسسات العسكرية والسياسية الليبية، وإنما كان في كثير من الأحيان تعاونًا فرضته طبيعة التهديد الأمني المشترك، حيث كانت كل جهة تسعى إلى حماية مناطق نفوذها ومنع التنظيمات الإرهابية من التوسع.
سابعًا: اتفاق اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»
ومن أبرز محاولات تحقيق التعاون العسكري بين الأطراف الليبية «اللجنة العسكرية المشتركة 5+5»، التي جمعت ممثلين عن القوات التابعة للشرق والقوات التابعة للغرب، بهدف وقف إطلاق النار والعمل على توحيد الترتيبات الأمنية والعسكرية.
ويمثل هذا المسار أهمية كبيرة؛ لأنه كان من المحاولات القليلة التي جمعت ممثلين عسكريين من الطرفين بصورة مباشرة، إلا أن تحقيق توحيد كامل للمؤسسة العسكرية والأمنية ظل أمرًا صعبًا بسبب استمرار الخلافات السياسية ووجود تشكيلات مسلحة متعددة خارج إطار جيش وطني موحد.
ثامنًا: الدور المصري في المسار السياسي والأمني
لم يقتصر الدور المصري في ليبيا على الجانب الأمني والعسكري، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث سعت مصر إلى دعم التسوية السياسية بين الأطراف الليبية، والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، ومنع تحول الأراضي الليبية إلى مصدر تهديد للأمن القومي المصري.
كما استضافت مصر لقاءات واجتماعات بين الأطراف الليبية، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية والعسكرية، وفي مقدمتها الأطراف المرتبطة بحكومة الوفاق والقوى الموجودة في الشرق بقيادة خليفة حفتر.
وقد تزامن هذا الدور مع جهود الأمم المتحدة التي قادها عدد من المبعوثين الدوليين إلى ليبيا، والذين حاولوا بدورهم تقريب وجهات النظر بين الأطراف والوصول إلى صيغة سياسية تسمح بإنهاء الانقسام.
ومن بين هذه المحاولات «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، الذي جرى من خلاله اختيار 75 شخصية ليبية تمثل مختلف المناطق والاتجاهات السياسية، بهدف الوصول إلى ترتيبات سياسية جديدة وتشكيل سلطة تنفيذية مؤقتة تقود البلاد نحو الانتخابات.
إلا أن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن في إنهاء الانقسام بصورة نهائية، وهو ما يؤكد أن المشكلة الليبية لا ترتبط فقط بالخلاف بين المؤسسات السياسية، وإنما ترتبط أيضًا بتعدد مراكز القوة العسكرية والأمنية، وتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
خلاصة
يتضح من تطور الحالة الليبية أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة انتقال سياسي عقب سقوط نظام القذافي، وإنما تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها السلطة السياسية مع القوة العسكرية، والنفوذ المحلي مع المصالح الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي.
وأصبح لكل طرف من الأطراف الرئيسية أدوات نفوذ تمكنه من التأثير في القرار السياسي والأمني
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك