عندما تلتقي الفخامة بالتكنولوجيا: برنارد أرنو بين مجد بناه وإمبراطورية يبحث عن وريث لها
ضمن مأدبة عشاء رسمية أقامها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض تكريماً لنظيره الصيني شي جين بينغ مساء الخميس 24 سبتمبر 2026، جلس رجل الأعمال الفرنسي برنارد أرنو، رئيس مجموعة "إل في إم إتش" (LVMH)، بين عالمين مختلفين تماماً: عالم الفخامة التقليدية الذي أمضى فيه أكثر من أربعة عقود، وعالم جديد تتصدره الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة لقائمة المدعوين التي كشف عنها البيت الأبيض، ضمّت المأدبة نخبة من كبار رجال التكنولوجيا في العالم، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة ميتا مارك زوكربيرغ، والمؤسس المشارك لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، ورئيس تسلا وسبيس إكس إيلون ماسك، ومؤسس أمازون جيف بيزوس، إضافة إلى الرئيس التنفيذي لشركة غوغل وألفابت سوندار بيتشاي، والرئيس التنفيذي لشركة باراماونت سكاي دانس ديفيد إليسون، والرئيس التنفيذي السابق لشركة أبل تيم كوك.
كما حضر الحفل الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ وزوجته لوري هوانغ. وقد حضر أرنو المأدبة برفقة نجله ألكسندر أرنو، وفق ما ذكرته شبكة "نيوز نيشن".
ولفتت بعض التغطيات إلى أن جنسن هوانغ اختار ارتداء بدلة سموكينغ رسمية بدلاً من سترته الجلدية السوداء المعتادة، بينما اضطر أرنو إلى المرور عبر أسوار أمنية سوداء للوصول إلى مكان الحفل.
وطبقا لتقرير نشرته مجلة "فورتشن"، فقد جلست مجموعات نفيديا وأبل وسبيس إكس وإل في إم إتش على الطاولة ذاتها مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في مشهد اعتُبر مؤشراً على المرحلة المقبلة من العلاقة الأمريكية الصينية في قطاع التكنولوجيا.

وكشفت مجلة "فوربس" إلى أن أرنو، الذي تقدَّر ثروته بنحو 122.8 مليار دولار، كان من بين عدد من كبار رجال الأعمال الذين وُجّهت لهم الدعوة، إلى جانب الرئيس التنفيذي لمجموعة بلاكستون ستيفن شvarzman، وسيدة الأعمال ميريام أديلسون، والرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان تشيس جيمي ديمون.
كيف بنى أرنو إمبراطورية الفخامة؟
بدأ برنارد أرنو مسيرته المهنية مهندساً بعد تخرجه من مدرسة "إيكول بوليتكنيك" الفرنسية، قبل أن ينضم عام 1971 إلى شركة البناء العائلية "فيرّي-سافينال"، ثم ينتقل إلى قطاع التطوير العقاري. وفي عام 1984 عاد إلى فرنسا ليبدأ تحوّله الحاسم نحو عالم العلامات الفاخرة، حين استحوذ بالاشتراك مع مجموعة من المستثمرين على مجموعة "بوساك" المتعثرة، التي كانت تضم دار "كريستيان ديور".
ولم يتعامل أرنو مع المجموعة ككتلة واحدة ينبغي إنقاذها، بل أعاد هيكلتها وباع معظم أصولها الصناعية محتفظاً بـ"ديور" ومتجر "لوبون مارشيه". ومن تلك الصفقة، بنى نموذجاً مختلفاً لإمبراطورية أعمال لا تذيب علاماتها في كيان واحد، بل تمنح كل دار هويتها وتاريخها الخاص، مدعومة بقوة رأس مال ضخمة وشبكات توزيع عالمية.
أرقام 2025: نتائج متماسكة رغم بيئة مضطربة
وبحسب النتائج المالية التي أعلنتها المجموعة في باريس في 27 يناير 2026، سجّلت "إل في إم إتش" إيرادات بلغت 80.8 مليار يورو خلال عام 2025، مع ربح من العمليات المتكررة بلغ 17.8 مليار يورو، وتدفقات نقدية حرة بقيمة 11.3 مليار يورو. وأوضحت المجموعة أن أوروبا شهدت تراجعاً في النصف الثاني من العام، في حين سجلت الولايات المتحدة نمواً مدعوماً بطلب محلي قوي، بينما تراجعت السوق اليابانية مقارنة بعام 2024 الذي كان قد استفاد من ضعف الين وارتفاع الإنفاق السياحي.

عائلة أرنو
وبنهاية 2025، ضمّت المجموعة أكثر من 211 ألف موظف حول العالم، إلى جانب 75 داراً فاخرة تغطي ستة قطاعات نشاط، وشبكة عالمية تضم أكثر من 6280 متجراً. كما بلغت مساهمة المجموعة في الضرائب المؤسسية الفرنسية 5.5 مليار يورو في 2025، ما يجعلها أكبر مساهم ضريبي في فرنسا.
من سيرث إمبراطورية أرنو؟
بلغت الإمبراطورية التي بناها أرنو محطة مفصلية مع اقترابه من عامه الثمانين، إذ يتولى قيادة المجموعة منذ عام 1989. وقد رجّحت تقارير عدة أن يخلفه أحد أبنائه الخمسة، الذين يشغلون جميعاً مناصب قيادية داخل المجموعة: فالابنة الكبرى دلفين أرنو رئيسة تنفيذية لدار كريستيان ديور كوتور، بينما يتولى أنطوان أرنو مسؤولية الصورة المؤسسية والاتصال في المجموعة، ويشغل ألكسندر أرنو منصب نائب الرئيس التنفيذي لقسم النبيذ والمشروبات الروحية "موييه هينيسي"، فيما انتقل فريدريك أرنو، الذي تولى رئاسة قسم الساعات في المجموعة، إلى منصب رئيس تنفيذي لدار "لورو بيانا" الإيطالية المتخصصة في الأقمشة الفاخرة النادرة في يونيو 2025.
أما الابن الأصغر جان أرنو، فتشير تقارير مطلعة إلى أنه مرشح لخلافة الرئيس التنفيذي طويل الأمد لقسم الساعات جان-كريستوف بابان، بعد أن نجح في إعادة تموضع قسم الساعات في دار لويس فويتون ضمن فئة الساعات الميكانيكية الفاخرة، ما جعله يوصف في أوساط المجموعة بـ"ولي العهد" المحتمل.
وقد عمد أرنو، وفق تقرير لمنصة "إنسايت لاكجري"، إلى تأجيل حسم مسألة الخلافة لسنوات إضافية، مستفيداً من تعديل على النظام الأساسي للمجموعة وافق عليه المساهمون بأغلبية بلغت 99.18 بالمئة من الأصوات، ما يتيح له نظرياً البقاء في منصبه حتى منتصف الثمانينيات من عمره.

في المقابل، شهدت مسألة الخلافة توتراً علنياً في يوليو 2026، بعد أن نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، المملوكة جزئياً لصهر أرنو، سلسلة من ستة تقارير تناولت نفوذه السياسي والإعلامي، خصّصت آخرها للحديث عما وصفته بـ"صراع الخلافة" بين أبنائه الخمسة. وردّ أرنو على ذلك بمنشور نادر على منصة إكس، مرفقاً برسالة من ثلاث صفحات وجّهها إلى إدارة الصحيفة نفى فيها وجود أي خلاف عائلي، في وقت أشارت تقارير إلى وجود حالة من التنافس بين أبنائه من زواجه الأول، دلفين وأنطوان، وأبنائه الثلاثة من زواجه الثاني من عازفة البيانو الكندية هيلين مرسييه.
ختاما
يقف برنارد أرنو اليوم عند مفترق طرق واضح: إرث تجاري بنته أربعة عقود من عمليات الاستحواذ والهيكلة الذكية، وامتد ليشمل علاقات مباشرة مع صنّاع القرار في واشنطن وبكين وباريس على حد سواء، مقابل تحدٍّ عائلي وإداري لم يُحسم بعد بشأن الجهة التي ستتسلم دفة إمبراطورية تضم 75 داراً فاخرة وأكثر من 211 ألف موظف حول العالم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك