لا تكن حلقة جديدة في سلسلة الخلل
بعض الأخطاء لا يموت أصحابها بموتهم، بل تستمر في أبنائهم
قد يورّث أب ابنه قسوته، وتنقل أم إلى ابنتها مخاوفها، فيتعلم الطفل أن الحب مشروط، وأن الخطأ يستحق العقاب، وأن الصمت أكثر أمانًا من الكلام. ثم يكبر هؤلاء الأطفال ويعيدون إنتاج ما عانوه، أحيانًا رغم قسمهم ألا يفعلوا ذلك.
وهنا تكمن المأساة: أن يتحول ما كسرنا في الماضي إلى أداة نكسر بها من نحب في الحاضر.
تُحكى قصة عن قاضٍ حكم على فتى في السادسة عشرة بالإعدام بعد ارتكابه جريمة شنيعة. وبينما كان الحكم يُنفذ، صاح رجل من الحاضرين:
«تمهّلوا! لا تعدموا هذا الفتى، بل أعدموا أباه؛ لأنه لم يُحسن تربيته».
فرد الفتى:
«أبي ربّاني، لكن أباه لم يربّه».
قد لا تكون الحكاية موثقة تاريخيًا، لكن معناها يطرح سؤالًا مهمًا: هل تبدأ المشكلة عند الشخص الذي نراها فيه، أم أنها امتداد لخلل أقدم؟
ما الذي نورثه دون أن ندري؟
لا نورث أبناءنا المال والممتلكات فقط، بل نترك لهم أيضًا طرقًا في التفكير والتعامل تشكلت في طفولتنا. فطريقة تعاملنا مع الغضب والخلاف والخوف والفشل والاعتذار والتعبير عن الحب، يتعلمها الطفل مما يراه أكثر مما يسمعه.
لذلك قد يكرر شخص نمطًا تربويًا أو عاطفيًا آذاه في طفولته، لا رغبةً في إيذاء أبنائه، بل لأنه لم يتوقف لفهم ما يفعله وأسبابه.
الماضي يفسّر، لكنه لا يعفي
فهم جذور المشكلة مهم، لكنه لا يجعل الماضي مبررًا دائمًا. فقد تكون القسوة التي تعرضت لها سببًا في صعوبة التعبير عن مشاعرك، أو يكون الخوف الذي عشته وراء حمايتك الزائدة لأبنائك، لكن إدراك السبب لا يعني الاستسلام له.
قد لا يكون الإنسان مسؤولًا عما حدث له، لكنه يصبح مسؤولًا عما يفعله بعد أن يدرك أثره. وهنا يبدأ الوعي: أن تكتشف ما ورثته نفسيًا وسلوكيًا، وتسأل نفسك بصدق: هل أريد أن أتركه كما هو لمن سيأتي بعدي؟
كسر السلسلة يبدأ من شخص واحد
لسنا مطالبين بإصلاح أخطاء أجيال كاملة، ولا نستطيع تغيير ما حدث قبل أن نولد، لكن يمكننا أن نقرر أين يتوقف الخطأ: أن نختلف دون إهانة، ونربي دون قسوة، ونضع الحدود دون تحقير، ونعتذر حين نخطئ، ونمنح أبناءنا ما افتقدناه بدلًا من أن نورثهم افتقادنا.
فالأبناء لا يحتاجون إلى آباء مثاليين، بقدر حاجتهم إلى آباء يراجعون أنفسهم ويصححون أخطاءهم. عندها لا يعود الماضي قدرًا محتومًا، بل خبرة نفهمها ونستفيد منها بدلًا من إعادة إنتاجها.
المشكلات الإنسانية تراكمية، وكذلك الحلول. وما يفعله جيل قد يترك أثرًا في الجيل الذي يليه، إيجابًا أو سلبًا. لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم:
من بدأ المشكلة؟
بل:
من سيقرر أن يوقفها؟
قد لا نستطيع إصلاح كل ما أفسدته الأجيال السابقة، لكن بإمكاننا اختيار ما يستحق أن نحتفظ به، وما يجب أن يتوقف عندنا.
فالمهم ألا نكون حلقة جديدة في سلسلة الخلل، بل الحلقة التي تنكسر عندها السلسلة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك