من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أفريقيا على أعتاب "استقلال مالي": وكالة التصنيف الائتماني الأفريقية تنطلق من موريشيوس 7 أكتوبر المقبل

خاص : " نقاش "
أفريقيا على أعتاب



تستعد القارة الأفريقية لإطلاق أول وكالة تصنيف ائتماني قارية مملوكة بالكامل لأفريقيا، في خطوة وصفها الاتحاد الأفريقي بأنها "إنجاز تاريخي للسيادة المالية الأفريقية". فبعد سنوات من الإعداد، أكد الاتحاد الأفريقي، عبر آلية المراجعة الأفريقية لتقييم الأقران (APRM)، أن الإطلاق الرسمي لوكالة التصنيف الائتماني الأفريقية (AfCRA) سيتم في مدينة بورت لويس بجمهورية موريشيوس يوم 7 أكتوبر 2026.

ويسبق حفل الإطلاق مؤتمر التصنيف الائتماني الأفريقي، المقرر عقده في موريشيوس يومي 5 و6 أكتوبر، بحضور مسؤولين ووزراء ماليين أفارقة، بحسب ما ذكرت منصة "أفريكان نيوزبيدج" المتخصصة في الشأن التنموي الأفريقي.

مسار طويل من الإعداد

لم يكن قرار إنشاء الوكالة وليد اللحظة؛ إذ يعود إلى موافقة القمة العادية السابعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي على إنشائها، فيما رجّحت تقارير سابقة، من بينها ما نشرته "بلومبرغ" في أكتوبر 2025، أن تبدأ الوكالة عملها الفعلي بحلول الربع الثاني من عام 2026 — وهو موعد تأجل لاحقًا إلى أكتوبر. وفي فبراير 2026، هنأت جمعية الاتحاد الأفريقي موريشيوس رسميًا لاختيارها مقرًا للوكالة بعد منافسة بين عدد من الدول الأعضاء، وطلبت من حكومتها دعم التجهيزات التشغيلية للإطلاق.

وفي تصريحات لمؤتمر للاتحاد الأفريقي بجوهانسبرغ، أوضحت ماري-أنطوانيت روز-كاتر، الرئيسة التنفيذية لآلية المراجعة الأفريقية لتقييم الأقران، أن "الوكالة ستكون كيانًا أفريقيًا بالكامل ومملوكًا للقطاع الخاص، وستعمل باستقلالية تامة" عن الحكومات، في محاولة لتبديد أي شكوك حول تسييس قراراتها مستقبلًا.

 "علاوة المخاطر الأفريقية"

يأتي المشروع في سياق انتقادات أفريقية متصاعدة لوكالات التصنيف الدولية الثلاث الكبرى — فيتش، وموديز، وستاندرد آند بورز — التي تسيطر على غالبية السوق العالمي للتصنيف الائتماني. وقد جادل مسؤولون ومؤسسات أفريقية بأن تقييمات هذه الوكالات لا تعكس دائمًا الواقع الاقتصادي الفعلي للدول الأفريقية، بل تُحمّلها ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الأفريقية"، وهي كلفة إضافية على الاقتراض لا تبررها المؤشرات الاقتصادية وحدها.

وقد تصدّر الرئيس النيجيري بولا تينوبو هذا الخطاب مطلع العام، داعيًا إلى إنشاء وكالة تصنيف مملوكة لأفريقيا باعتبارها ضرورة لتصحيح ما وصفه بتقييمات غير دقيقة لمخاطر الاقتصادات الأفريقية.

ومن ناحية أخرى، رفضت موديز وستاندرد آند بورز اتهامات التحيز الموجهة إليهما، فيما تشير بيانات نقلتها "سي إن بي سي أفريقيا" عن مِشيك موتيزي، الخبير في آلية المراجعة الأفريقية والمستشار المعني بملف التصنيف الائتماني لدى الاتحاد الأفريقي، إلى أن الهدف من الوكالة الجديدة ليس الحصول على تصنيفات أكثر تفضيلًا للدول الأفريقية، وإنما تحسين دقة وجودة تقييم المخاطر نفسها استنادًا إلى أبحاث ميدانية أفريقية.

فجوة تصنيفية كبيرة

تكشف بيانات حديثة حجم الفجوة التي تسعى AfCRA لسدها: إذ لا تزال 21 دولة أفريقية دون أي تصنيف ائتماني من الأساس، بينما تقدّر تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فرصًا تصنيفية غير مستغلة تصل قيمتها إلى 46 مليار دولار في قطاعي الشركات والمؤسسات البلدية. وفي مفارقة لافتة، تتجه وكالات التصنيف العالمية ذاتها إلى تعميق حضورها في القارة، إذ استحوذت كل من موديز وستاندرد آند بورز مؤخرًا على شركات تصنيف محلية أفريقية — وهو ما يضع الوكالة الوليدة أمام منافسة مباشرة من اللاعبين الكبار الذين تسعى لموازنة نفوذهم.

السياسة أعمق من الاقتصاد

لا يقتصر بُعد المشروع على الجانب المالي البحت، بل يمتد إلى سؤال أوسع حول من يملك حق تعريف "المخاطر الأفريقية" وصياغة السردية الاقتصادية للقارة. فالوكالة تندرج ضمن مسار متكامل لبناء بنية مالية أفريقية أكثر استقلالية، إلى جانب مؤسسات قائمة كالبنك الأفريقي للاستيراد والتصدير (أفريكسيم بنك)، ومشروعات التكامل المالي القاري الأخرى.

غير أن الاتحاد الأفريقي حريص على عدم تقديم AfCRA كبديل تلقائي لوكالات التصنيف العالمية، بل كمصدر إضافي "قائم على السياق" يوفر رؤية تكميلية، بحسب ما نقلته منصة "مور أفريكا".

اختبار المصداقية

يجمع مراقبون على أن التحدي الحقيقي أمام الوكالة لن يكون في تأسيسها، بل في قدرتها على إثبات استقلاليتها بعد الإطلاق. فقد نقلت صحيفة "بيزنس داي" النيجيرية عن مسؤول لم تكشف هويته تحذيره من مفارقة جوهرية: "إذا كانت الوكالة مصممة خصيصًا لتقييم الحكومات الأفريقية، فمن أين تأتي استقلاليتها؟". وحذّر التقرير ذاته من أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع تكاليف التمويل في القارة يعكس مخاطر حقيقية وكامنة لن تُلغيها مجرد ولادة وكالة تصنيف جديدة.

وبحسب "ستريملاين فيد"، فإن الاختبار العملي الحقيقي لتأثير AfCRA سيظهر بعد 7 أكتوبر، حين يتضح ما إذا كانت تصنيفاتها ستُدرَج بالفعل في وثائق إصدار السندات وتفويضات المستثمرين الدوليين — وهي اللحظة التي تتحول فيها أي وكالة تصنيف قارية من مشروع رمزي إلى أداة مؤثرة فعليًا في الأسواق.

فإذا نجحت AfCRA في إصدار تقييمات مستقلة حتى وإن جاءت غير مريحة لبعض الحكومات، فقد تفرض نفسها تدريجيًا كلاعب موثوق في الأسواق الأفريقية. أما إذا خضعت لضغوط سياسية وتحوّلت إلى أداة لتلميع صورة الحكومات، فسيقتصر أثرها على البعد الرمزي دون أن تُترجم إلى تغيير فعلي في كلفة الاقتراض الأفريقي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11311
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.