من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفصل الحادي عشر: " أنا ونانسي"

عادل التوني
الفصل الحادي عشر:


نانسي، وهي تتأمل الأوراق المتناثرة أمامنا، وفنجاني قهوتنا اللذان بردا دون أن تمتد إليهما يد:

 - منذ مدة وأنا أراقبك أستاذي. 

تمرر أصابعك فوق هذه الصفحات برفق، وكأنك لا تقرأ كلماتٍ كتبتها، بل تلامس ذكرياتٍ عشتها.

تتوقف عند بعض السطور، وتبتسم.

وعند سطورٍ أخرى، يطول صمتك.

أراك تعود بعينيك إلى البداية؛ إلى لقاءٍ عابر عند مكتبة الإسكندرية، ثم إلى بحرٍ شهد أول اعترافٍ صامت؛ حتى تنتهي عند رسالةٍ حملت من الوداع أكثر مما حملت من الكلمات.

أتعلم؟

لم يعد يبدو لي أن هذه مجرد أوراق.

بل حياةٌ كاملة تركت أثرها في كل صفحة.

رفعتُ بصري إليها، وابتسمت.

ثم قلت:

- لأنني لم أكن أراجع أحداثًا كتبتها

، أو سردت منها بعض المواقف.

بل كنت أستعيد رحلةً عشتها بكل تفاصيلها.

هناك فرقٌ كبير نانسي بين أن يكتب الإنسان قصة

وبين أن يعيشها.

قالت وهي تنظر إلى أوراق الرواية:

  - ولهذا أراك تنظر إليها وكأنك تودع أصدقاءً قدامى.

قلت:

  - وهل يملك الكاتب، بعد كل هذه الرحلة، أن ينظر إلى شخصياته على أنها مجرد حبرٍ على ورق؟

لقد رافقتني طويلًا.

حتى خُيّل إليّ أنها كانت تعيش معي، لا بين دفتي رواية.

ساد بيننا صمتٌ قصير.

ثم سألتني نانسي بصوتٍ هادئ:

  - إذن.

هل اقتربنا من النهاية؟

أطرقتُ برأسي لحظة، ثم رفعت بصري إليها وقلت:

  - اقتربنا.

لكن قبل أن نطوي الصفحة الأخيرة، أظن أن لهذه الحكاية كلماتٍ لم تُقَل بعد

وكلماتٍ لا يعرفها إلا من تتبع المسيرة منذ الصفحة الأولى.

كانت الحكاية قد وصلت إلى محطتها الأخيرة، لكن شيئًا في داخلي كان يرفض أن يغلق

الباب بهذه السرعة.

بقيت أحدق في الصفحات طويلًا، كأنني أبحث بينها عن كلمة نجت من الوداع، أو عن جملة تستطيع أن تعيد الزمن خطوة إلى الوراء.

صمت.

صمتٌ لم يقطعه سوى صوت نانسي: 

- ألهذه الدرجة أتعبتك النهاية؟

ابتسمت ابتسامةً باهتة، وقلت:

  - ليست النهاية وحدها.

بل الطريق الذي أوصلنا إليها.

كل صفحة من الصفحات الأخيرة كانت تُنتزع من قلبي قبل أن تُكتب.

قالت:

  - عندما قرأت لقاءك الأخير مع الأستاذ منير، شعرت أنه لم يكن خصمًا، بل رجلًا يخشى أن يخسر ابنته.

هل قصدت ذلك؟

- نعم.

لم أرد أن أصنع شريرًا يسهل على القارئ أن يكرهه.

كنت أريد أبًا صالحًا، أحب ابنته كما أحبها البطل، لكن كلاً منهما أحبها بطريقة مختلفة.

قالت:

- ولهذا قال لك: "أنا لا أكرهك، بل أحترمك 

قلت:

- لأن الصراع الحقيقي لا يكون بين الخير والشر.

بل بين خيرين لا يستطيع أحدهما أن ينتصر دون أن ينكسر الآخر، ولو على حساب قلبي.

ظلّت صامتة لحظة، ثم قالت:

  - لكنك كنت قاسيًا مع ليديا. 

وضعتها بين أبيها وبين الرجل الذي أحبته.

تنهدت طويلًا، ثم قلت:

  - لم أكن قاسيًا معها. 

كنت أمينًا مع شخصيتها.


ليديا لم تكن فتاةً تتمرد على أبيها، ولم تكن لتبيع قلبها بسهولة.

كانت تعرف أن اختيارها، أيًّا كان، سيترك جرحًا لا يندمل.

قالت:

  - أكثر جملة آلمتني كانت حين قالت:

 لو اخترتك... هكسر قلب بابا

ولو بعدت عنك... هكسر قلبي

ابتسمت بحزن .. وقلت:

  - تلك الجملة لم تكن حوارًا. 

كانت الرواية كلها.

قالت:

ثم جعلتها تبتعد دون أن تمنح البطل فرصة وداع أخير..

ألم يكن يستحق لقاءً أخيرًا؟

قلت:

- أحيانًا يكون الوداع الصامت أبلغ من ألف لقاء.

لو التقيا، لتعلقنا بالأمل من جديد.

أما الغياب.

فكان أكثر رحمة من وعدٍ لا نستطيع الوفاء به.

لذا، اخترت الغياب . 

وكان لليديا شأن أخر ستعرفينه في النهاية!

قالت نانسي، وقد علت وجهها ابتسامة امتزج فيها الشوق بالحيرة:

- أتشوّق إلى النهاية.

لكن قبل أن نصل إليها، دعني أسألك شيئًا حيّرني طويلًا.

لماذا صمتتَّ ليديا في لحظةٍ كان الجميع ينتظر أن يسمع صوتها فيها، وجعلتها تكتب بدلًا من أن تتكلم؟

ابتسمت، ثم قلت بهدوء:

- لأن الرسائل لا تقاطعها الدموع.

ولا يبددها الارتباك.

وأنا تقتلني دموعها، ويؤرقني ارتباكها.

لذا في الرسالة، استطاعت ليديا أن تقول كل ما عجز قلبها عن البوح به وهي تنظر إليه

كانت تحتاج إلى الورق.

فالورق أكثر رحمةً من الوداع.

قالت بصوتٍ خافت:

  - شعرت أن كل كلمة كُتبت كانت تنزف.

قلت:

- لأنها لم تُكتب مرةً واحدة.

كُتبت مرتين.

مرةً بالحبر.

ومرةً بنزف بالقلب.

ساد بيننا صمتٌ قصير.

ثم قالت:

  - ولماذا احنفظت بالرسائل للآن؟

قلت:

  - لأنني أردت للبداية أن تصافح النهاية.

ورقةٌ بدأت بها الحكاية.

وورقةٌ أغلقتها.

أما ما بينهما.

فلم يكن مجرد أحداث.

بل عمرٌ كامل من الحب.

ابتسمت نانسي، ثم سألت: 

  - والبحر.

لماذا عدت إليه مرةً أخرى؟

رفعت بصري نحو النافذة، كأن أمواج الإسكندرية ما زالت تعبرها، ثم قلت:

  - البحر كان الشاهد الوحيد الذي لم يغادر.

شهد اللقاء الأول.

وشهد الاعتراف.

وشهد الخوف.

وشهد الحب.

وكان من الوفاء أن يبقى شاهدًا على الوداع أيضًا.

قالت:

  - أكثر جملة توقفت عندها، أين الأماكن التي جمعتنا؟.

الأماكن يا نانسي، لا تفقد جمالها برحيل من نحب.

إنها تفقد أصواتهم فقط.

وحين تغيب الأصوات، يصبح الصمت هو الحكاية كلَّها.


صمت وتنهد، بعدها:

حتى إن فنجاني القهوة اللذين جمعانا، أنا وأنتِ، ما زالا ينتظران من يرتشفهما، كأن الزمن توقّف عند آخر لقاء، وكأن الغياب وحده هو من شرب دفءَ اللحظة، وترك القهوة تبرد على مهل.

أطرقت نانسي قليلًا، ثم رفعت رأسها وقالت:

  - أخبرني أستاذي؟

هل انتهت ليديا حقًا؟

ابتسمتُ ابتسامةً خافتة، ثم مرّرتُ أصابعي برفقٍ فوق أوراق الرواية، كما لو أنني أربّت على كتف صديقٍ يستعد لرحلته الأخيرة.

قلتُ بهدوء:

الشخصيات التي تُكتب بصدق لا تنتهي يا نانسي، إنها تغلق الصفحة الأخيرة، لكنها تظلُّ تعيش في ذاكرة من أحبّها. 

ليديا لم تنتهِ، فالشخصيات التي تُكتب بالروح لا تموت. 

إنها تغادر السرد، وتترك قصتنا شاهدة بين الصفحات، لتواصل الحياة في ذاكرة كل من أحبّها، في الرواية، اما انا الذي احببتها لم اذكر اسمي في الرواية لاكون ضمن قراء رواية ليديا.

ثم قلت بعد صمت طويل:

لم تنتهي الحكاية،هناك حكايات لم تكتب.  

أما ليديا في قلوب من عرفوها، فلعلها تبدأ بعد أن تكتب النهاية.

بعض الشخصيات لا تنتهي بانتهاء الرواية،ولكن.

بل تبدأ حياتها الحقيقية يوم يطوي القارئ الصفحة الأخيرة، وهاهي تقترب.

ابتسمت نانسي وقالت:

  - وهل ستشتاق إليها؟

تنهدت طويلًا، ثم قلت:

- الكاتب لا يودّع شخصياته.

إنه يتركها تمضي أمامه ولو على الورق.

لكنها تسكن ذاكرته؛ كلما مرّ بمكانٍ يشبهها، أو سمع كلمةً كانت ترددها، أو وقف أمام بحرٍ يعرف كم من الأسرار خبأها في أعماقه.

ساد الصمت مرةً أخرى.

ثم قالت نانسي، وهي تملم أوراق الرواية برفق:

- أظن أن كل ما كان ينبغي أن يُقال، قد قيل.

نظرتُ إليها، ثم إلى الصفحات التي ما تزال تتراقص بين يديها، وكأنها تؤجل النهاية، تاركةً بين سطورها متَّسعًا لكلماتٍ أخيرة، لعلها تُقال قبل أن يُطوى الكتاب إلى الأبد.

ابتسمت وقلت:

- ربما.

لكن لكل حكاية كلمةً أخيرة، لا تُكتب إلا حين يحين أوانها.

نانسي:

- وهل حان؟

- بالفعل حان.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11322
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.