من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الفلاحة والبداوة والصناعة: قراءة في التطور الاجتماعي وأزمة الوعي بالاستعمار

خالد بيومي
الفلاحة والبداوة والصناعة: قراءة في التطور الاجتماعي وأزمة الوعي بالاستعمار




مقدمة

يعتمد النص على أطروحة مركزية: لا عيب في نمط الإنتاج البدوي أو الزراعي ما دام محكومًا بسياقه التاريخي، وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول هذا النمط من واقع اجتماعي إلى مرجعية معيارية فوق النقد. وتحاول هذه الورقة تعميق الأطروحة بثلاث خطوات: تأصيلها نظريًا، وتوثيقها بالتجربة المصرية، واختبارها بالمعطيات المضادة التي تحفظها من التبسيط.

أولًا: الإطار النظري، المجتمعات مراتب لا مراتب قيمة

لم يكن التمييز بين العمران البدوي والحضري جديدًا في الفكر العربي. فقد جعله ابن خلدون في «المقدمة» أساس علم العمران، ورأى البداوة طورًا سابقًا على الحضارة لا نقيصة فيها، ثم رصد في المقابل أن غلبة العصبية البدوية على الأوطان قد تُسرع إليها الخراب حين تفتقر إلى مقومات الدولة والصنائع [1]. فالمعيار عنده وظيفي: ملاءمة النمط الاجتماعي لمتطلبات المرحلة، وليس مفاضلة أخلاقية.

وفي الأدبيات الحديثة يعرّف إرنست جيلنر المجتمع الصناعي بأنه يحتاج إلى تعليم عام موحد ولغة معيارية وحراك مهني، على خلاف المجتمع الزراعي المتشظي إلى جماعات محلية مغلقة نسبيًا .

ومن هنا يصح أن الأدوات المعرفية التي يخرّجها مجتمع محلي (كتّاب القرية مثلًا) ملائمة لوظائفه لكنها لا تكفي بذاتها لإدارة مشروع دولة صناعية.

ويحسن التنبيه إلى أن المخطط المرحلي نفسه تعرض لنقد جاد، لأن الصيغ الخطية للتطور (وقد ظهرت عند ماركس في كتابته عن الحكم البريطاني في الهند عام 1853) اتُّهمت بالمركزية الأوروبية والحتمية . فالأدق أن نقول إن المراحل ليست سلمًا قيميًا، وإن التفاوت بينها تفاوت في القدرات التنظيمية والتقنية.

ثانيًا: التجربة المصرية، كيف اختلط رفض الاستعمار برفض الصناعة

تقدم مصر نموذجًا موثقًا لهذا الخلط. فمشروع محمد علي (1805–1848) تضمن محاولة تصنيع حقيقية بمصانع للنسيج والأسلحة، لكنه قام على الاحتكار والسخرة والتجنيد القسري للفلاحين، وهو ما درسه خالد فهمي في تاريخ الجيش والفلاحين ،ثم قُوِّض المشروع بعد معاهدة بلطة ليمان التجارية عام 1838 التي فتحت الأسواق العثمانية أمام البضائع البريطانية، وبتسوية 1840 التي قيدت طموح مصر .

وبعد ذلك تكرس دور مصر كمزوّد للمواد الخام. فقد أدخل لويس ألكسيس جوميل القطن طويل التيلة في عشرينيات القرن التاسع عشر، وأحدثت الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) طفرة في الطلب على القطن المصري، ثم أفضت الديون إلى إفلاس الخديوية عام 1876 والاحتلال البريطاني عام 1882. وتظهر دراسة روجر أوين أن الاقتصاد المصري ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالقطن وبالمصنع البريطاني .

أما إدارة كرومر فقد فضّلت تخصيص مصر زراعيًا، وقيدت الحماية الجمركية اللازمة للصناعة الناشئة، وهي قيود لم تُرفع فعليًا إلا بعد استعادة الاستقلال الجمركي عام 1930 .

ومن هنا يفهم الوعي الشعبي الاستعمار بوصفه صناعة قادمة من الخارج، فيتولد ربط عاطفي، مفهوم لكنه غير دقيق، بين الصناعة والحداثة من جهة والاستعمار من جهة أخرى. وثمة ما يدل على أن هذا الربط لم يكن قدرًا: فتجربة بنك مصر (1920) وشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى (1927) بقيادة طلعت حرب كانت محاولة وطنية للجمع بين مقاومة الاستعمار والتصنيع ، أي أن رفض الاستعمار لا يستلزم رفض التصنيع، بل يقتضي أحيانًا نقيضه.

ثالثًا: من الواقع المحلي إلى الأطروحة الكونية

يعالج النص هنا نقطة دقيقة: تحوّل «الهوية المصغرة» إلى «أطروحة كونية». وقد بيّن تيموثي ميتشل في «استعمار مصر» أن الحداثة الاستعمارية أعادت تنظيم الفضاء والتعليم والانضباط في القرية والمدرسة المصرية بأساليب جديدة، وأن مواجهتها تتطلب فهم هذه الأدوات لا الاكتفاء بالحنين إلى ما سبقها .



وفي السياق ذاته، وصف هشام شرابي البنية العربية الحديثة بـ«الأبوية المستحدثة» التي تحمل مظاهر الحداثة وتحتفظ ببنية تقليدية في الوعي والسلطة .

أما عنوان مذكرات القرضاوي «ابن القرية والكتاب»  فيُقرأ في هذا الإطار قراءةً رمزية تحليلية: العنوان يعلن الانتماء لبيئة التكوين، ويشير إلى أن أدوات هذه البيئة صارت مصدر الشرعية المعرفية لمشاريع تتجاوز مجالها. ويستحسن هنا التمييز بين نقد بنية معرفية ونقد شخص؛ فالمقصود الاستدلال بالحالة على ظاهرة عامة، ولا يجوز أن ينسب إلى الكاتب موقف صريح لم يقله ما لم يُستند إلى نصوص المذكرات نفسها.

ويؤيد أهمية أدوات التحليل أن الدولة الإسلامية الوسيطة اشترطت في ساستها وإدارييها تأهيلًا يتجاوز الحفظ: يشهد بذلك «كتاب الخراج» لأبي يوسف الذي وُضع لهارون الرشيد في الإدارة المالية، و«الأحكام السلطانية» للماوردي في فقه الولايات ، فالكتّاب الذين سيّروا دواوين الدولة العباسية كانوا طبقة مهنية متخصصة، ولا تُختزل مؤهلاتها في التعليم الأولي.

رابعًا: معطيات مضادة وتحفظات ضرورية

يقتضي الإنصاف الأكاديمي التنبيه إلى أن عبارة «لم تقف ندًا حقيقيًا للاستعمار» تحتاج إلى ضبط:

المقاومة الريفية والبدوية حقيقة تاريخية:

فقد قاد أحمد عرابي، وهو ابن فلاح من الشرقية، الحركة العرابية (1881–1882)، وقامت الفلاحة المصرية بدور معتبر في ثورة 1919، كما قاوم عمر المختار الاحتلال الإيطالي في ليبيا سنوات طويلة، وقاوم الأمير عبد القادر الجزائري الغزو الفرنسي. ومن ثم فالأدق أن الفارق كان في القدرة التنظيمية والتقنية والمالية، وليس في الشجاعة أو الإرادة.

بعض التدمير الاستعماري لا يفسره التخلف: فالمجتمعات الأكثر تقدمًا صناعيًا (كالهند في نسيجها الحرفي) تضررت كذلك من سياسات التجارة الاستعمارية، ما يعني أن الهزيمة كانت أيضًا نتيجة بنية دولية غير متكافئة على نحو ما ذهب إليه سمير أمين وأدبيات التبعية .

الكتّاب والأزهر أُصلحا من داخلهما: فقد دعت إصلاحات محمد عبده إلى تحديث الأزهر، وأنشأ علي مبارك دار العلوم عام 1872، وأدخل القانون 103 لسنة 1961 كليات حديثة في الأزهر. ولذلك لا يصح تصوير التقليد بصورة جامدة لا تتغير.


الخاتمة

تخلص الورقة إلى أن نقد التقديس لا يعني إدانة النمط، وأن الجدل الحقيقي يدور حول تحويل المعرفة المحلية من أداة مشروعة داخل سياقها إلى معيار شامل لتحليل عالم يتغير. وأفضل مواجهة للاستعمار في التجربة المصرية جمعت بين الاستقلال السياسي وبناء القدرة الإنتاجية والمعرفية، وهي معادلة أخفق فيها من رفضوا الصناعة كما أخفق فيها من تبنوها تابعين.

المراجع

ابن خلدون، المقدمة، فصول العمران البدوي والحضري.

Ernest Gellner, Nations and Nationalism, Cornell University Press, 1983.

Karl Marx, "The British Rule in India", New-York Daily Tribune, 25 June 1853.

Edward Said, Orientalism, Pantheon, 1978.

Khaled Fahmy, All the Pasha's Men, Cambridge University Press, 1997.

Charles Issawi, An Economic History of the Middle East and North Africa, Columbia University Press, 1982.

Roger Owen, Cotton and the Egyptian Economy, 1820–1914, Oxford: Clarendon Press, 1969.

Roger Owen & Şevket Pamuk, A History of Middle East Economies in the Twentieth Century, Harvard University Press, 1998.

عن بنك مصر ومصر للغزل: Robert Tignor, State, Private Enterprise, and Economic Change in Egypt, 1918–1952, Princeton University Press, 1984.

Timothy Mitchell, Colonising Egypt, Cambridge University Press, 1988.

Hisham Sharabi, Neopatriarchy, Oxford University Press, 1988.

يوسف القرضاوي، ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة، القاهرة: دار الشروق (صدرت أجزاؤه تباعًا منذ أوائل الألفية).

أبو يوسف، كتاب الخراج؛ الماوردي، الأحكام السلطانية.

Samir Amin, Accumulation on a World Scale, Monthly Review Press, 1974 (الأصل الفرنسي 1970).

#نقاش_دوت_نت 




التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11328
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.