من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

طبيب وطبيبة.. بين لغة الإنصات الفطري وضرورة التوجيه الإنساني

منى ياسين
طبيب وطبيبة.. بين لغة الإنصات الفطري وضرورة التوجيه الإنساني


حين يمرض الإنسان، فهو لا يُسلم جسده فحسب، بل يُسلم هشاشته كلها، وخاصة إن كانت المريضة أنثى بطبيعتها التواقة للأمان والاحتواء. ومن واقع خبرات ومواقف منوعة مع كلا الفريقين؛ الطبيبات والأطباء، تتكشف فارق دقيق في فن التعامل مع الوجع، فارق يثبت أن الشفاء لا يبدأ بالدواء وحده، بل بالكلمة الطيبة والتفهم الإنساني العميق.

طبيباتنا.. رفقاء الروح والجسد

طبيباتي الطيبات؛ يعلمن جيداً كيف يتعاملن معي؛ يقابلننني بحفاوة، ويستمعن لي بأذن صديقة مقربة. يستوعبن تقلباتي النفسية ويحترمن وسيلتي في التواصل؛ فإذا أرسلت رسالة مكتوبة يرددن برسالة مكتوبة، وإذا أرسلت رسالة صوتية يرددن بمثلها. يتمنين لي الشفاء بقلب مُحب، وبابتسامة ودودة وكأننا صديقات قدامى.

وحين يستجيب جسدي أخيراً للدواء، لا أملك إلا أن أمتن لهن لاختيارهن هذه التخصصات الإنسانية، وأشكرهن باسمي وباسم كل امرأة تعاملن معها ولم يتسن لها الفرصة لتقديم امتنانها. إن ابتسامة الطبيبة وسؤالها عن الحال أول ما ترى مريضتها يكسر رهبة الموقف تماماً، فـ الاهتمام بالحالة النفسية لا يقل بحال عن الاهتمام بالحالة الجسدية.

الأطباء.. بين العملية المفرطة والحاجة إلى التوجيه

على الجانب الآخر، يبدو أن التعامل مع الأطباء (الرجال في العموم) يتطلب مساراً مختلفاً؛ فهم شخصيات عملية جداً، غالباً ما يأتون على "الوضع الصامت".

اختصار مخل: هناك من يرد على أول سطر في رسالتي الطويلة لأنه لم يقرأ سوى أول كلمتين واستنتج البقية، مما يجعلني أعيد الجزء المتبقي على مراحل، وكأن ليس لديهم طولة بال لقراءة التفاصيل.

الاستماع المنتقص: وهناك من لا يهتم بالإنصات العميق، فيستنتج التشخيص سريعاً ثم يتفاجئ حين يخفق العلاج بعد أن أعود إليه منتكسة.

النسيان المتكرر: ومنهم من ينسى تفاصيل ذكرتها سابقاً فأضطر لسردها مجدداً، وكأن المريض مجرد ملف عابر.

لكن المدهش أن الرجال، في كثير من الأحيان، محتاجون لتوجيه لطيف في كيفية التعامل، وهم غالباً ما يستجيبون للفعل المثالي.

ما زلت أتذكر تعجب طبيبي الذي تولى علاجي حين إصابتي بفيروس كورونا، حين عاتبته لأنه لم يختم رده على رسالتي بعبارة: "ألف سلامة عليك يا منى"، وكم شعرت وقتها بجفاء وعدم اهتمام. ومنذ ذلك الموقف، أدرك الرجل المعنى وأصبح يقولها لي باستمرار في كل رسالة وزيارة!

وفي موقف آخر، حين عاتبت طبيباً استهتر بشكوتي، رد مبرراً بأنه لم يكن ظاهراً على ملامحي الألم، فاعتبرها شيئاً بسيطاً! وحين عرفته أنني لست مضطرة للتأوه أمامه، ويكفي أن أقول له إنني خرجت من عنده أبكي، اعتذر بجد وأدرك عمق المعاناة.

استنتاجات واقعية لطب أكثر إنسانية:

تفاصيل النساء ليست "رغيًا فارغًا": تفاصيل النساء الدقيقة -التي قد يراها البعض مزعجة- وارد جداً أن تكون مفتاحاً أساسياً في التشخيص الحقيقي. الرجال محتاجون لأن يسمعوا أكثر مما يتكلمون.

التفاعل الإنساني يصنع الشفاء: إن تذكر التفاصيل البسيطة يبين للمريض أنه إنسان يُعنى به، وليس مجرد آلة تُصلح. وهذا الأمان النفسي يساهم بشكل مباشر في نسبة الشفاء.

الرفق بالهشاشة: المريض في أضعف حالاته، وتخيل حجم هذه الهشاشة حين يكون المريض أنثى. إن كلمة دافئة أو اعترافًا بالوجع يصنعان فارقاً لا يُقدر بثمن في رحلة العلاج.

(ما هي أغرب أو ألطف مواقفكم مع أطبائكم، وهل ترون أن الجانب الإنساني غائب في عيادات اليوم؟)

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

11329
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.