«اشتريتَه»… أم استأجرته؟ كيف صار امتلاك الموسيقى والأفلام والألعاب مشروطاً بإرادة الشركات
بين قرارات إغلاق الخوادم ونهاية الأقراص وحذف المشتريات من المكتبات، تتشكل علاقة جديدة يُمنح فيها المستهلك حق الانتفاع لا حق الملكية، وتتصاعد في المقابل دعاوى قضائية ومبادرات تشريعية تطالب بإعادة تعريف «الشراء».
لم يعد الضغط على زر «اشترِ» في متجر رقمي يعني ما كان يعنيه حين كان المشتري يخرج من المتجر بقرص أو أسطوانة أو شريط. ما يحصل عليه اليوم في الغالب ترخيص بالوصول، ومعه شروط تتحكم فيها الشركة. وقد تراكمت خلال الأشهر الأخيرة وقائع قانونية وتجارية تُظهر حجم التحول.
الموسيقى: الاشتراك يبتلع كل شيء تقريباً
بحسب تقرير جمعية صناعة التسجيلات الأمريكية (RIAA) لعام 2025، بلغت عائدات البث 9.47 مليار دولار من أصل 11.5 مليار دولار هي إجمالي عائدات الموسيقى المسجلة. كما بلغ عدد حسابات البث المدفوعة في الولايات المتحدة 106.5 مليون حساب. وفي المقابل، تراجعت عائدات التنزيلات الرقمية 5.9% لتصل إلى 221.8 مليون دولار فقط.
اللافت أن الصيغة الملموسة لم تختفِ. فقد تجاوزت مبيعات الفينيل مليار دولار للمرة الأولى منذ عام 1983، بنمو للعام التاسع عشر على التوالي، وبيع منها أكثر من 46 مليون نسخة مقابل 29.5 مليون قرص مدمج.
الألعاب: عندما تُطفأ الخوادم
أشهر الوقائع لعبة «ذا كرو» من يوبيسوفت. فقد سحبتها الشركة من المتاجر الرقمية في ديسمبر 2023، ثم أغلقت خوادمها بعد ثلاثة أشهر فأصبحت غير قابلة للتشغيل، وبدأ اللاعبون في أبريل 2024 يتلقون إشعارات بإلغاء تراخيصهم دون تعويض.
وقد بلغ الأمر ساحات القضاء. ففي مارس 2026 رفعت جمعية «UFC-Que Choisir» الفرنسية للمستهلكين دعوى ضد يوبيسوفت، متهمةً إياها بتضليل المشترين بشأن دوام ما اشتروه وبفرض بنود تعاقدية تعسفية. وتقول الجمعية إن هدفها ليس إعادة اللعبة، بل الحصول على حكم رائد يوضح التزامات ناشري الألعاب. وكانت يوبيسوفت قد ردت في دعوى أمريكية سابقة بأن اللاعبين استمتعوا باللعبة عشر سنوات ولا يحق لهم الشكوى لأن الشركة لم تصدر نسخة تعمل دون اتصال.
وعلى المستوى الأوروبي، جمعت مبادرة «أوقفوا تدمير ألعاب الفيديو» (Stop Killing Games) التي أطلقها اليوتيوبر روس سكوت في أبريل 2024 نحو 1,294,188 توقيعاً موثقاً، وقُدمت إلى المفوضية الأوروبية في 26 يناير 2026. غير أن المفوضية رفضت في يونيو اقتراح تشريع إلزامي يفرض إبقاء الألعاب قابلة للتشغيل بعد انتهاء دعم الخوادم، واكتفت بالإعلان عن حوار مع الأطراف المعنية وإمكانية وضع مدونة سلوك صناعية، على أن يبدأ التشاور مع المستهلكين والناشرين بحلول نهاية 2026.
ثم جاء التطور الأحدث في الأول من يوليو، إذ أعلنت سوني أن إنتاج الأقراص لجميع الألعاب الجديدة على أجهزة بلاي ستيشن سيتوقف اعتباراً من يناير 2028، وستُباع الألعاب الجديدة بصيغة رقمية فقط عبر المتجر والتجار. وجاء الإعلان بعد أيام من الجدل حول أن النسخة «المادية» من لعبة GTA 6 لن تحتوي إلا على رمز تنزيل بدلاً من القرص. كما أعلنت سوني إغلاق متجر بلاي ستيشن 3 في أسواق مختارة هذا العام، ثم إغلاق متجري PS3 وVita عالمياً العام المقبل، مع بقاء المشتريات السابقة متاحة للتنزيل «في المستقبل المنظور».
وفي هولندا، انضمت مبادرة Stop Killing Games في أغسطس إلى دعوى جماعية ضد سوني تتهمها بالاحتكار، تقودها مؤسسة تطالب الدعوى بتعويضات تتجاوز 400 مليون يورو نيابة عن نحو 1.7 مليون مالك لجهازي PS4 وPS5 في هولندا، وتقول المؤسسة إن الألعاب الرقمية أغلى بنحو 47% من النسخ المادية. وهذه أرقام المدّعين ولم يفصل فيها القضاء بعد، إذ اقتصرت أولى الجلسات في 29 يونيو 2026 على الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق وأهلية المؤسسة لتمثيل المتضررين.
الأفلام والمسلسلات: حين يُسحب ما دُفع ثمنه
في ديسمبر 2023 أبلغت سوني مستخدمي بلاي ستيشن بأن كل محتوى «ديسكفري» الذي اشتروه سيُزال من مكتباتهم اعتباراً من 31 ديسمبر، وهو ما شمل أكثر من ألف موسم. وبعد موجة غضب، تراجعت الشركة وأعلنت أن المستخدمين سيحتفظون بالوصول لمدة 30 شهراً على الأقل بعد اتفاق ترخيص محدَّث مع وارنر، مع توضيحها أنها لا تملك حقوق ترخيص هذا المحتوى. أي أن الاحتفاظ بالمشتريات ظل رهناً بعقد بين شركتين، لا بما دفعه المشتري.
القانون يحاول اللحاق بالواقع
في كاليفورنيا، وقّع الحاكم في 24 سبتمبر 2024 القانون AB 2426، الذي يمنع البائعين من استخدام عبارات مثل «اشترِ» ما لم يوضحوا أن المستهلك يحصل على ترخيص لا على ملكية. ودخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2025، ويتطلب بياناً واضحاً بلغة بسيطة مع رابط أو رمز QR لشروط الترخيص. ويستثني القانون خدمات الاشتراك التي تتيح المحتوى طوال مدة الاشتراك فقط، والمحتوى الذي لا يمكن للبائع سحب الوصول إليه، ومنه ما يُتاح للتنزيل الدائم دون اتصال. ويعالج القانون الشفافية، ولا يمنع الشركات من سحب الوصول.
المراقبة: الجانب الأقل ظهوراً
خلص تقرير لموظفي لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) صدر في سبتمبر 2024 إلى أن كبرى منصات التواصل والبث المرئي مارست مراقبة واسعة للمستهلكين بهدف تحقيق الربح من بياناتهم. وشملت الدراسة تسع شركات، منها أمازون (المالكة لمنصة تويتش) وفيسبوك وسناب وتيك توك وديسكورد وريديت وواتساب ويوتيوب. ووصف التقرير ممارسات الجمع والتقليل والاحتفاظ بالبيانات بأنها «غير كافية بدرجة كبيرة»، وذكر أن بعض الشركات لم تحذف كل بيانات المستخدم عند طلب الحذف.

ويُشار هنا إلى أن الدراسة غطت منصات التواصل والبث المرئي ولم تتناول منصات الموسيقى أو متاجر الألعاب تحديداً. لكنها تكشف منطق الاقتصاد القائم على الحسابات الدائمة، حيث يصبح تتبع الاستخدام جزءاً من نموذج العمل.
ختاما
تُظهر هذه الوقائع أن السؤال لم يعد تقنياً، فهو يتعلق بمن يملك القرار النهائي. فبينما ترى الشركات أن الرقمنة تلبي تفضيلات المستهلكين، يرى المدافعون عن المستهلك أن الملكية تحولت إلى ترخيص قابل للسحب. وبين الموقفين قوانين لم تحسم بعد الأمر، وقضايا لم يصدر فيها حكم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك