شاعر الرموز الأسطورية
المقدّمة
صلاح أحمد إبراهيم شاعر سوداني، أحد الأصوات التي حملت في نبرتها صدى القارة الإفريقية، ووهجها، وحرارتها، وتمردها.
جمع بين الثقافة العميقة والخيال الأسطوري، وكتب عن الواقع السياسي والاجتماعي، ودلف إلى الدبلوماسية والصحافة، وعاش للأدب والفكر.
كان مثقفًا أنيقًا، يكتب بروحٍ مشبعة بالوعي، ويحوّل تجربته الشخصية إلى نصوصٍ ذات أصداء كونية.
في طفولتي، كان حضوره يطلّ عليّ من صفحات مجلة الإذاعة والتلفزيون السودانية، حيث كان اسمه (صلاح) يتوهّج بين النصوص، يفتح أبواب الدهشة ويترك أثرًا لا يُمحى.
النص الشعري
يا مريّه:
ليت لي إزميل فِيدْياس وروحًا عبقرية
وأمامي تلُ مرمر
لنحت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك
تمثالًا مُكبَّرًا
وجعلت الشعر كالشلال
بعضٌ يلزم الكتف وبعض يتبعثر
وعلى الأهداب ليلًا لا يُفسَّر
وعلى الخدين نورًا يتكسر
وعلى الأسنان سُكر
وفمًا كالأسد الجوعان زمجر
يرسل الهمس به لحنًا معطر
وينادي شفة عطشى وأخرى تتحسر
وعلى الصدر نوافير جحيم تتفجر
وحزامًا في مضيقٍ،
كلما قلت قصيرٌ هو،
كان الخصر أصغر
يا مريّه
ليت لي إزميل فِيدْياس وروحًا عبقرية
كنت أبدعتك يا ربة حسنى بيديَّ
يا مريّه
ليتني في قمة الأولمب جالسٌ
وحواليَّ العرائس
وأنا في ذروة الإلهام بين الملهمات
أحتسي خمرة بَاخُوس النقية
فإذا ما سرت النشوة فيَّ
أتداعى، وأنادي: يا بناتُ
نقِّرن القيثار في رفقٍ
وهاتوا الأغنيات لمريّه
يا مريّه
ما لعشرين باتت في سعيرٍ
تتقلب ترتدي ثوب عزوفٍ
وهي في الخفية ترغب
وبصدرينا بْرُومِيثْيُوس
في الصخرة مشدودًا يُعذَّب
فبجسمٍ ألف نارٍ وبجسمٍ ألف عقربٍ
أنتِ يا هِيلِين
يا من عبرت تلقاءها بحرَ
عروقي ألف مركبٍ
يا عيونًا كالينابيع صفاءً...
ونداوةً وشفاهًا كالعناقيد امتلاءً...
وحلاوةً
وخدودًا مثل أحلامي ضياءً...
وجمالًا وقوامًا يتثنَّى كبرياءً...
واختيالًا
ودمًا ضجَّت به كل الشرائين اشتِهاءً...
يا صبيةً تصطلي منه صباحًا ومساءً...
غجريةً
يا مريّه
أنا من إفريقيا، صحراؤها الكبرى وخط الاستواء
شَحنتني بالحرارات الشموس
وشوتني كالقَرابِين على نار المَجُوس
لفحتني
فأنا منها كعود الأَبَنُوس
وأنا منجم كبريتٍ سريع الاشتعال
يتلظى
كلما اشتمَّ على بُعدٍ تعالى
يا مريّه
أنا من إفريقيا، جوعان كالطفل الصغير
وأنا أهفو إلى تفاحةٍ حمراءَ
من يقرِّبها يصبح مذنبًا
فهلمِّي ودَعي الآلهة الحمقاء تغضب
وانبئيها أنها لم تحترم رغبة نفسٍ بشريةٍ
أيُّ فردوسٍ بغير الحب كالصحراء مجدبٌ
يا مريّه
وغدًا تنفخ في أشرعتي أنفاس فرقةٍ
وأنا أزداد نأيًا مثل يُولِيس
وفي الأعماق حرقةٌ
ربما لا نلتقي ثانيةً
يا... مريّه
فتعالي وقِّعي اسمكِ بالنار هنا في شفتي
ووداعًا يا مريّه
التأويل
المطلع – فِيدْياس
حين ينادي الشاعر "يا مريّه"، يرفع الحبيبة إلى مقام الفن الخالد.
فهو يتمنى أن تسري روح فِيدْياس فيه، ذلك المثال الأعلى للنحت الإغريقي الذي خلّد التماثيل الشهيرة بموهبته الفذّة، ليمتلك إزميله العبقري فيحوّل المحبوبة إلى أثر خالد.
يبدأ بتجسيد الرغبة في الخلق الفني، حيث الجمال يُصاغ في هيئة تمثال من مرمر، تفاصيل الوجه والجسد تتحول إلى خطوط منحوتة:
• الشعر في صورة تجمع بين الرسوخ والانسياب، بين الثبات والانفلات، لتجعل الملامح ممتلئة بالحيوية.
• شعر أجفان العين بمثابة لغز، غموض يثقل النظرة في عمقٍ لا يُكشف.
• النور يتوزع على الخدين في إشراق يتفتت إلى وجوه متعددة، يفتح مجالًا للتأويل ويجعل الجمال طيفًا متنوعًا.
• الحلاوة تنبع من الابتسامة، حضور يذيب القسوة ويغمر الجو بالعذوبة.
• النغمة الخافتة تخرج من الفم، تحمل أثرًا لطيفًا، تُغري بالاقتراب وتفتح باب الرغبة حين تُدخل العطر في الصوت.
• النداء يتوجه إلى شفتين تُنبئان عن ازدواج الصورة بين التوق والحسرة.
• ينحدر ليبلغ بروز فستانها وما يحويه من جمال يثير فتنة تستوجب العذاب المستمر.
• يصف دقة الخصر تكفيه أن يكون الفستان حرًّا.
الأولمب – بَاخُوس
ينتقل النص إلى عالم الآلهة، الأولمب في حديث الأساطير اليونانية مقر الآلهة الاثني عشر الكبار.
كان يُتصوَّر أنه أعلى مكان في العالم، ومنه تُدار شؤون البشر والكون.
يعكس الجو صاخبًا في مجلس الآلهة ومريّه قبلة الأنظار.
الخمرة النقية تسري في العروق، والغناء يتصاعد، والأوتار تعزف.
باخوس، إله الخمر والنشوة، يدخل ليحوّل الحب إلى طقس احتفالي.
إنها حكاية احتفال أسطوري، طقس مقدس يشارك فيه الآلهة، فيغدو العاشق جزءًا من أسطورة أكبر من ذاته.
العذاب – بْرُومِيثْيُوس
ثم يظهر بْرُومِيثْيُوس، المتمرد على السلطة، المقيد في الصخرة.
إنها صورة العذاب الأبدي تدخل النص لتجعل الحب محنة مشتعلة، عذابًا يسكن الأعماق.
بْرُومِيثْيُوس رمز التضحية والمعاناة، يضع التجربة في مقام الألم الذي لا ينطفئ، حيث العاشق يعيش محنة أسطورية داخل جسده.
الحب نفسه صخرة يُقيَّد عليها، والنار تشتعل بلا انقطاع.
الفتنة – هِيلِين
تجسد الفتنة التي تشعل الحروب، صورة الجمال الذي يقود إلى الهلاك.
هيلين تبرز كأيقونة الفتنة، حضورها يثير الدم ويجعل العروق بحرًا تمخره المراكب.
الحبيبة حضورها يفتح في الجسد معركة داخلية لا تقل عن طروادة.
ليتحول العشق إلى ساحة حرب أسطورية.
الهوية – إفريقيا
ثم يطل صوت إفريقيا، السودان جسد ممتد من البيداء إلى الغابة، تتجاور فيه القسوة والخصوبة، ويحتضن تنوع المناخات في مسافة واحدة.
شمسه القريبة تصوغ الملامح وتترك أثرها في السحنة السمراء، والسماء فوقه تتبدل بين صفاء وغيوم، والريح تجيء محملة بحرارة القيظ.
هذا التداخل بين البيداء والغابة، بين الجفاف والاخضرار، هو الذي يصنع الإنسان السوداني، مشحونًا بطاقة الطبيعة، مزيجًا من الصلابة والنداوة.
الهوية الإفريقية تتحول إلى وقود للرغبة، تجعل عود الأبنوس كبريتًا سريع الاشتعال.
الفردوس بغير حب أرض مجدبة، والرغبة البشرية أعمق من أوهام الآلهة.
هنا إفريقيا جوهر التجربة، نارها تمنح للحب طاقة لا تنطفئ، وتضع العاشق في قلب هوية مشتعلة.
الرحيل – يُولِيس
وفي الخاتمة يطل يُولِيس، بطل أسطوري ارتبط بالرحيل والتيه بعد حرب طروادة، ينفخ في الأشرعة أنفاس الفرقة، يعلن الفراق، حيث الوداع يصبح سفرًا طويلًا، وتوقيعًا بالنار على الشفاه، أثرًا لا يُمحى.
ليضع النهاية في سفر الحب، ويترك أثره في الأعماق، حيث الفراق يتحول إلى أسطورة جديدة، والرحيل يصبح جزءًا من قدر العاشق.
الخاتمة
رحم الله صلاح أحمد إبراهيم، فقد كان شاعرًا فذًّا، ومثقفًا نادرًا، وصوتًا خالدًا يظلّ يضيء في الذاكرة السودانية والعربية.
الإسكندرية ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك